آخر تحديث:14:02(بيروت)
الإثنين 25/01/2016
share

سريلانكيون في لبنان: عمّال تنظيف نهاراً..موسيقيون ليلاً

رائد الرافعي | الإثنين 25/01/2016
شارك المقال :
  • سريلانكيون في لبنان: عمّال تنظيف نهاراً..موسيقيون ليلاً
    "سريغاما" هي فرقة عفوية نشأت قبل ثلاث سنوات في جونيه
  • فرقة سيرلنكية
    فرقة سيرلنكية
هم بيننا منذ سنوات. يسكنون في أحياء المدينة الفقيرة ويتنقلون في باصاتها المهترئة. في حمامات المولات البرّاقة، نظراتنا تقابل نظراتهم بعجلة وعدم اكتراث. لا نعرف إلّا القليل جداً عن عاداتهم ومطبخهم وثقافتهم. هم بالنسبة لنا وبالفطرة مجرّد عمّال تنظيف مهما اختلفت أشكالهم وملابسهم وتعابيرهم. إيلاريا لوپو، فنانة إيطالية مقيمة في بيروت، أرادت كسر الصورة النمطية تلك في أذهان اللبنانيين عن العمّال السريلانكيين. وبهدف خلق فرص جديدة للتلاقح بين الثقافات، انتشلت فرقة موسيقى شعبية مؤلفة من ستة عمال تنظيف سريلانكيين من قبو في جونيه لتضعهم تحت أضواء أحد المقاهي البيروتية في شارع مار مخايل المكتظ بروّاد السهر.

"سريغاما" هي فرقة عفوية نشأت منذ ثلاثة سنوات في جونيه عندما قرّر الأخوان براديب وكاسون، بالإشتراك مع أربعة أصدقاء من مناطق سريلانكية مختلفة تعرّفوا عليهم في لبنان، متابعة وتطوير شغفهم في لعب الموسيقى. كلهم يعملون في أقسام التنظيفات في الفنادق أو الشركات منذ سنوات عديدة، هم في العقد الثاني من العمر، ويعيشون حياة قاسية وظروف عمل صعبة لا تترك المجال للممارسة الهوايات. رغم ذلك، أرادوا تحدّي ظروفهم فقاموا باستقدام آلاتهم الموسيقية بصعوبة إلى لبنان وفتّشوا عن مكان للبروفات. وبعد تدريبات في أماكن مختلفة طردوا منها، رسوا على قبو سوبرماركت بانغلادشي يتمرنون فيه كل سبت في ساعات المساء. وبما أنّ القوانين اللبنانية والأطر الإجتماعية لا تسمح لهم بإقامة الحفلات بشكل محترف، كانوا يلعبون الموسيقى بطريقة غير رسمية أثناء حفلات الجاليات السريلانكية.

أمّا الموسيقى التي يأدونها فهي تعرف بـ"البايلة السينالية" وهي موسيقى راقصة تعود أصولها إلى عملية تمازج قديمة جداً بين الموسيقى الأفريقية (التي أدخلها الرقيق الأفارقة إلى الجزيرة التي تكون اليوم سريلانكا) والبرتغالية (الإمبراطورية البرتغالية سيطرت على أجزاء كبيرة من الجزيرة في القرن السادس عشر). وتتّسم تلك الموسيقى اليوم بصيغها الحديثة بأنها تمزج نظام الألحان الغربي بإيقاعات متقاطعة وغير متماثلة.

لوپو تقول لـ"المدن" أنّها تعرّفت على أعضاء الفرقة بالصدفة في محل لبيع الموسيقى المقرصنة في برج حمّود. "عندما تعرفت عليهم أكثر وتابعت تمارينهم، أحسست أنّ ممارستهم لموسيقاهم الشعبية هي عملية مقاومة ليس فقط للأطر القانونية الموضوعين فيها بل أيضاً لأشكال متحجّرة لتمثيل الثقافة السريلانكية،" تقول لوپو. ولذا قرّرت الفنّانة الإيطالية خلق فضاء جديد للفرقة يسمح باكتشاف إمكانات جديدة لتلك الموسيقى وتلاقحها مع محيطها المحلّي بأشكال جديدة. وتعمل لوپو أيضاً مع المحاميين نزار صاغية ونايلة جعجع لدراسة قانونية حول إمكانات وصول العمّال الأجانب للنشاطات الإجتماعية والثقافية في لبنان.

تشدّد لوپو أنّ مشروعها لا يندرج في إطار "إنساني" يشبه عمل المنظمات الحقوقية المدافعة عن الجاليات الأجنبية القادمة من البلدان الأفريقية وجنوب-غرب آسيا، والتي غالباً ما تقتصر نشاطاتها الثقافية هنا على مشاريع المأكولات التقليدية والرقصات والموسيقى الشعبية. ما أرادت عمله هو منح فرص جديدة للنظر لتلك الموسيقى التقليدية بأعين مختلفة والسماح لها بالتطور في محيطها الجديد كجزء من المشهد الفنّي المعاصر في البلد وليس كمجرد تعبير ثقافي فولكلوري جامد زمنياً.

من هنا نشأ التعاون بين "سريغاما" ومؤلف الموسيقى السويسري پائد كونكا، الذي أسّس مع الفنان اللبناني رائد ياسين فرقة موسيقى تجريبية في 2006 اسمها Praed "پرائد" وتمزج الجاز الحرّ والموسيقى الإلكترونية بالأغاني الشعبية في مصر والعالم العربي عموماً. پائد الذي أمضى بضعة أشهر مع الفرقة لفهم موسيقاهم، قام بإعادة توزيعها وتفكيكها لفتح المجال أمام احتمالات جديدة للإيقاع ووقت الألحان وشكلها والربط مع ممارسات التمازج الموسيقي التاريخية. ثمرة هذا التعاون كانت ألبوماً من خمس مقطوعات موسيقية للفرقة هجينة والتي سُمّيت، "فرقة ما وراء البحار". الألبوم أنتجه "راديو بيروت" وتمّ سجيله في "استديو تيون فورك" في منطقة الدورة، بعد ثلاثة أشهر من التمرين المكثّف (يومين في الأسبوع لا أكثر لأن أعضاء الفرقة لا يستطيعون الحصول على إجازات من أعمالهم بسهولة). تخلّف عن تسجيل الألبوم عضوان من الفرقة لأنّ عملهم المتطلب لم يسمح لهم بالتمرين مع "پرائد" وباقي الفرقة. وقد أقامت الفرقة الجديدة حفلة لإطلاق الألبوم رسمياً الأحد الماضي في بار "راديو بيروت" حيث يباع هذا الألبوم حالياً.

خلال الحفلة، براديب وأعضاء الفرقة الآخرون بدوا "كول" جداً، "متقمّصين" وببساطة تامة أدوار العازفين المحترفين وهي أدوار يقصيها عنهم المجتمع ضمناً. بعضهم ارتدى قبعة على المسرح وأحدهم كان لديه حلق "پيرسينغ" في أحد حاجبيه. بائد رافقهم على المزمار بينما لوپو التي تعدّ فيلماً عن هذه التجربة كانت تصوّر. الجمهور بدا مفتوناً بأنغام الموسيقى التي مزجت بين الألحان الراقصة المعتادة وأنغام غير مألوفة.   

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها