آخر تحديث:19:33(بيروت)
الثلاثاء 03/03/2020
share

ليالي الوحشة في أدرنة..الفردوس الأوروبي المميت

أحمد الناصر | الثلاثاء 03/03/2020
شارك المقال :
ليالي الوحشة في أدرنة..الفردوس الأوروبي المميت © Getty
أربع ليالٍ موحشة مرّت على عابد الحوري قبالة المعابر الحدودية التركية اليونانية، على أمل إعلان معجزة ما، تقضي بنهاية جحيمه وسط الغابة الجرداء، والعبور إلى "الفردوس" الأوروبي.

آلاف من الأفراد والعائلات انطلقوا منذ صباح 28 شباط/ فبراير المنصرم، تاركين خلفهم بيوتهم المستأجرة بكل محتوياتها التي دفعوا ثمنها خلال سنوات وجودهم في تركيا، حتى تخطى عددهم ال130 ألفاً بحسب آخر الأرقام الرسمية.
اليونان مهاجرون

الانطلاق نحو الأمل المنشود
يسرد الشاب "عابد الحوري" قصته فيقول: "انتشر خبر فتح الحدود التركية أمام اللاجئين إلى أوروبا على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم تلك الليلة، لتتبعه أخبار تجمّع الباصات التي ستقلّ من يرغب إلى الحدود البرية الفاصلة بين تركيا واليونان".

ويكمل الحوري "لم أعرف ولم أسأل أصلاً عن الجهة التي تبرعت بالباصات. انطلق الباص إلى الحدود القريبة من ولاية أدرنة، ووقف فينا الباص حوالي الساعة 11 ليلاً عند أحد المعابر كما يفترض، فنزلنا دون أن ندري أين نحن إلى أن قامت دوريات من الشرطة التركية بحملنا بسيارتهم ونقلنا إلى نهاية الطريق المعبّد، وأشاروا لنا بالمضي سيراً نحو المعبر الذي يتجمع فيه المهاجرون".

وتابع: "سرنا في طريق موحل وجبلي إلى أن وصلنا معبر يقال له (بازاركولي) عند الساعة الثالثة والنصف صباحاً. وكان هناك المئات ممن سبقونا بأكثر من 10 ساعات، ومعظمهم وصلوا عبر الطريق النظامي المعبد ولم يضطروا لسلوك الطريق الذي مررنا به".
اليونان مهاجرون
معبر الخوف
الوضع عند المعابر وخلفها ليس كما تصوّره الناس بالمطلق، بل وربما هو أكثر خطورة من حالات التهريب السابقة التي كانت تتم بدون علم الحكومة والجندرمة التركية. فالمشكلة ليست من الجانب التركي، وإنما من الطرف المقابل، وأقصد اليوناني يعلّق الشاب عبد الحميد الساجر خلال طريق عودته إلى إسطنبول.

ويصف الساجر تفاصيل رحلته ل"المدن"، والتي تتشابه مع قصة الحوري لكنه كان من الراكبين في الدفعة الصباحية الأولى، فقال: " تركت كل شيء ورائي في إسطنبول وتوجهت إلى مكان تجمّع الباصات في منطقة "توب كابي" في حيّ الفاتح".

ويتابع "انطلق بنا الباص نحو الحدود، وتم إنزالنا في منطقة تتبع لمدينة (أبسالا) بقضاء أدرنة، تبعد بضع كيلومترات عن المعبر التركي. كان منظر الأشخاص والعائلات المنتشرة على جانبي الطريق هو أول شيء رأيناه، وأثار في داخلي الحزن والخوف".

ويضيف أن "أغلب الأفراد والعائلات المهاجرة التي صادفناها كانت من الأصول المغربية والجزائرية، ثم يأتي الأفغان فالعراقيين، أما السوريون فلا يشكلون أكثر من ربع الذين رأيتهم. تابعنا سيرنا لساعات لم أعد أتذكّر عددها، بالرغم من البرد القارس والمطر الغزير والطين الذي غطّى نصف أجسادنا حتى وصلنا إلى الأسلاك الشائكة التي تفصلنا عن الأراضي اليونانية".

تمكن الساجر مع بعض الأشخاص من الابتعاد عن المناطق المرصودة من حرس الحدود اليوناني ووصلوا إلى نقطة خالية. وتجاوزوا النهر بواسطة قوارب مطاطية لمهربين مستغلين فرصة فتح الحدود التركية ويتواجدون على طول المجرى لنقل اللاجئين إلى الطرف الآخر مقابل مبلغ من النقود.

وهنا يصل الساجر إلى نقطة النهاية فيقول: "بعد تجاوزنا النهر رحنا نسير في الغابة وباعتقادنا أننا وصلنا إلى نهاية الطريق الصعب المتعلّق بتجاوز الحدود. ولكن سرعان ما أحاط بنا حرس الحدود اليوناني موجهين أسلحتهم صوبنا".

وبصوت حزين منكسر يفيد الساجر "قاموا بسلب كل شيء منا، أجهزة الهاتف والنقود والساعات، وحتى حزام البنطال. لم يكتفوا بذلك فقط بل هشموا ملابسنا رغم ذلك الطقس القارس".

قام بعدها حرس الحدود بإرجاع الساجر وأصحابه إلى ضفة النهر وقاموا بدفعهم بأعقاب البنادق وأركبوهم قارباً عبر بهم النهر ليعودوا مجدداً إلى نقطة الصفر.

اشتباكات و"هدن" بين الطرفين!
عند ظهور الضوء كانت قد بدأت الاشتباكات بين الشرطة والمحتجين واستمرت لساعات قبل أن تُعلن الهدنة، إذ وقف المهاجرون بكثافة أمام المعبر وقامت الشرطة اليونانية برمي القنابل المسيلة للدموع فهرب الناس بشكل عشوائي ومنهم من أضاع أبناءه وحقائبه أثناء الهروب من الغازات.

استمرت الاشتباكات بوتيرة عالية وعنيفة لأكثر من 3 ساعات، قامت الجندرما التركية خلالها بإسعاف بعض الأشخاص نتيجة تعرضهم للاختناق. وحين لاحظ حرس الحدود اليوناني ذلك قاموا بإطلاق قنابل الغاز إلى المربع الأمني المتمركزة فيها الجندرما التركية ما أثار غضب عناصرها ودفعهم إلى إطلاق النار في السماء كتحذير. وقد تكرر هذا المشهد أربع مرات.
اليونان مهاجرون
أعلنت هدنة ثانية حين خرج أحد المسؤولين في المعبر اليوناني وتحدث مع بعض الشبان السوريين باللغة اليونانية وأخبرهم بأنهم تواصلوا مع الاتحاد الأوربي ووضعوه بصورة الوضع، وهم الآن بانتظار جواب منهم.

حين ذلك سمح الجانب اليوناني للصحافيين اليونانيين بالدخول والتصوير لكنه لم يسمح لهم بالاقتراب من السياج ووقفوا بعيداً عن الحدود نحو 30 متراً، وبعد أقل من نصف ساعة أخرجتهم السلطات اليونانية من المعبر.

وخلال تلك الأثناء وفي اليوم الثالث كانت محاولات العبور جارية إما بالقفز من فوق الأسلاك الشائكة أو قطعها والمرور عبرها، بالتزامن مع مواصلة الشرطة اليونانية قمعها لحشود المهاجرين المتجمهرين عند المعبر بقنابل الغاز والرصاص المطاطي.

قنص أول لاجئ سوري
صباح الاثنين2 آذار/ مارس،  لقي الشاب السوري أحمد العمر حتفه جراء قنصه برصاصة استقرت في عنقه أثناء محاولته عبور الحدود التركية متجهاً إلى الطرف اليوناني.

يبلغ أحمد من العمر 18 عاماً وهو من أبناء مدينة حلب. وقد انتشر مقطع قنصه، والدماء تغطي ملابسه، على صفحات التواصل الاجتماعي في شتى المواقع.
الإعلام اليوناني كان قد نشر خبراً قبل ساعات من مقتل الشاب، يحذّر فيه من التواجد بالقرب من النقاط الحدودية، بحجّة إجراء مناورات عسكرية وتدريبات للجنود اليونانيين على استخدام الذخيرة الحية في تلك المنطقة "الفارغة". وحدد خمس مناطق ستجري فيها المناورات، جميعها بالقرب من نهر (مريج/ ماريتشا) الحدودي بين تركيا واليونان ضمن الاراضي اليونانية.

إحدى تلك النقاط الخمسة تقع بالقرب من المعبر الحدودي الذي قُتل فيه الشاب العمر، وهو معبر (كاستانياس) اليوناني الذي يقابله (بازاركولي) التركي، ويعتبر أحد أكثر تجمعات اللاجئين حالياً، ويشرف على إقليم (أفروس) في الاراضي اليونانية.

وتسري شائعات اليوم بأن الأتراك سيتوصلون إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لإغلاق الحدود من الطرف التركي، في الوقت الذي لا تزال فيه مئات العائلات عالقة عند الشريط الحدودي وسط مناشدات من الناشطين والمنظمات بإرسال حافلات وسيارات نقل لتعيدهم من معبر الموت.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها