آخر تحديث:11:13(بيروت)
الأحد 13/10/2019
share

التَّغريبة السورية في أميركا الشماليَّة:رحلة شقاء وعذاب

مصطفى عاصي | الأحد 13/10/2019
شارك المقال :
التَّغريبة السورية في أميركا الشماليَّة:رحلة شقاء وعذاب انترنت
هل تلقفت وزارة الخارجية السوريَّة في دمشق العِبر بعد كل ما جرى مع قنصليتها الفخرية في مونتريال منذ عام 2015 لليوم؟ وهل أدركت بأن ترشيح أي اسم شبيه بوسيم الرملي لمنصب قنصل فخري في أي دولة معارضة للنظام لن يمرَّ بشكل سلس؟ قلما أجمع السورين موالاة ومعارضة على أمرٍ، مثلما أجمعوا على رفض تعيين الرملي قنصلاً فخرياً في مونتريال ثالث أكبر مدينة كنديَّة.

من منطلقاتٍ سياسيَّة أخلاقية جاهر معارضو النظام برفض تعيين صاحب الشخصية الاستفزازية اللصيقة جداً بالنظام السوري، ومن منطلقات طائفيَّة غير أخلاقيَّة عارض مسيحيون موالون للنظام تعيين شخصية من خارج الطائفة المسيحية في منصبٍ كرَّسته أعراف النظام على أنَّه من حصة المسيحيين منذ أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد.

بين حدَّي السياسة والطائفية يستمر إغلاق القنصلية في مونتريال بعدما كان من المُفترض أن تعاود فتح أبوابها اوائل تشرين أول الحالي. استدراك وزارة الخارجية الكندية للهفوة التي ارتكبتها وزارة الشؤون الدولية الكندية أعاد الأمور إلى المربَّع الأوَّل ودفع الحكومة الكندية لإعادة النظر في اجراءات تعيين القنصل السوري المقبل الذي ستقترحه دمشق.

وسيم الرملي الموالي الذي يفاخر بقربه من بشار الأسد وزوجته أسماء، والدته دمشقية من عائلة الجاجي لكن والده عراقي من الطائفة الشيعية، تمكَّن بنفوذه الواسع داخل المنظومة النَّفعية للنظام من أن يحظى بالجنسية السورية الممنوعة عن كُثُرٍ من مستحقيها. ربما من هذا الاعتبار أثار تعينه حسَّاسية الموالين والمعارضين من الطاُئفتين المسيحية السُّنية في مونتريال حسبما قال لـ"المدن" محام سوري معارض يعيش منذ سنوات طويلة في كندا.

أبداً لا تُحسد الجالية السورية في كندا على القناصل الذين تعاقبوا على القنصلية الفخرية في مونتريال. قبل وسيم الرملي، أقصت الخارجية الكندية القنصل نيللي كنعو اللصيقة أيضا بالنظام. الصيدلانيَّة الكندية من أصل سوري والمُتحدِّرة من منطقة الجزيرة السورية، شغلت منصبها من عام 2008 حتى 2016، إقصاؤها لم يكن بخلفيات سياسية، بل لأسباب مهنية مرتبطة بتورطها في تجارة العقاقير المُخدِّرة غير المُرخصة وتقديم فواتير مزوّرة بالشراكة مع شقيقتها بين أعوام 2008 و2011، مُستغلَّة سلطاتها القنصلية ومدعية انها كانت ترسل الادوية الى سوريا لمساعدة ناسها علما آنها تورطت بفعلتها قبل اندلاع الثورة السورية. بسبب ذلك سُحبت منها شهادة الصيدلة وغُرِّمت ماليًاً ووُضعت على القائمة السوداء للمواطنين الكنديين استناداً لحكم صادر بحقها عن الهيئة الفيديرالية العليا في أوتاوا في 15 كانون الأول عام 2015. إثر ذلك أغلقت الحكومة الكنديَّة القنصلية في شباط 2016.

استمر الإقفال عامين لحين صدور مرسوم جمهوري في 7 كانون الثاني 2018 قضى بتعيين رائد مهكو قنصلاً. الأخير يعمل منذ سنوات مستشار هجرة في كندا وهومن الطائفة السريانية من مدينة الحسكة وقريب من النظام، لكن من دون عراضات ومفاخرة. بعد تعينه حوَّل مكتب شؤون الهجرة الخاص به إلى مقرٍ للقنصلية فأقصته الحكومة الكندية من مهامه بعد أشهر لتعارض عمله كمستشار هجرة مع منصبه كقنصلٍ فخري.

قنصليتان فخريتان لا تحملان أية صفة دبلوماسية، هما كل ما تبقَّى من صلة وصلٍ بين السوريين في كندا وبين وطنهم. قنصلية مُقفلة في مونتريال، وأخرى عاملة في فانكوفر. لاحقاً، بعدما أغلقت واشنطن السفارة السورية والقنصليتين الفخريتين في تكساس وميتشغان في آذار 2014، تولّت البعثة الدبلوماسية في كوبا متابعة شؤون المواطنين السوريين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية وكندا. من سفارة هافانا ومن قنصلية فانكوفر تدار حاليًا شؤون العباد السوريين المنتشرين في كامل أميركا الشمالية.

قنصلية فانكوفر تتمتع باستقرارٍ نسبي، القلاقل لم تُثر، لا حولها ولا حول القنصل سوسن الحبَّال التي سبق وعَمِلت في السفارة البريطانية في دمشق. لكن المشكلة تكمن في الاجراءات الادارية التي تعَّقد حياة السوريين، فقنصلية فانكوفر لا تملك صلاحيات اصدار جوازات السفرولا تصديق وثائق خدمة العلم، وجميع الوكالات الداخلية والخارجية يجب أن تخضع للدراسة والموافقة الامنية في دمشق باستثناء حالات قليلة متعلقة بالمراجعات الادارية والاحوال الشخصية (حصر ارث، زواج، طلاق، تسجيل ولادات). إضافة لذلك جميع المعاملات يجب أن تُرسل بالبريد، وفي حال رَغب لاجئ بإيصال أوراقه للقنصلية عليه إيداعها بظرفٍ مُغلقٍ لدى الإستعلامات فقط دون تمكُّنه من مقابلة القنصل في حال استدعت الضرورة. أيضاً لا تَقبل القنصلية إلَّا مراجعة صاحب العلاقة أو قريبه حتى الدرجة الثانية أو وكيله القانوني، فيما الرسوم القنصلية للمقيمين في الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن دفعها، لا بموجب شيك مصرفي، ولا بموجب حوالة إلكترونية صادرة عن بنك أميركي بسبب العقوبات الاميركية على سوريا.

شأن كل الفارين من الحرب والمنتشرين في المنافي، سوريو كندا وأميركا يحتاجون بصورةٍ مستمرة لتجديد جوازات سفرهم. للحصول على تلك الخدمة البديهية يدفعون الكلفة الأعلى في العالم لقاء جواز سفر هو الثالث من حيث السوء حسب الترتيب العالمي المُعتمد من قبل passport index لعام 2019. المطلوبون للخدمة العسكرية لا يحق لهم إلَّا الحصول على وثيقة سفر صالحة لمدة سنتين، وبما أن دولًا وشركات طيران كثيرة تَشترط مدة صلاحية ستة أشهرعلى الأقل للسماح بالسفر، تصبح المدة ‏عملياً عاماً ونصف. الباقون يحق لهم بست سنوات إنما بكلفة تصل إلى800 دولار أميركي في حال الإستعجال و300 دولار ضمن نظام الدور تضاف اليها رسوم تقديم الطلب والبريد، وهذا مبلغ فوق طاقة المواطنين، لا سيما أنَّه يستلزم السفر إلى كوبا، وحجز رحلة طيران وإقامة فندقية. أمام هذا الواقع أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير سابق لها بأنَّ الكلفة العالية لإصدار جوازات السَّفر يستخدمها النظام لتمويل ‏الحرب.

حسب المرسوم التشريعي السوري رقم 274 الخاص بالقنصليات الفخرية، يُفترض بالقنصل الالتزام بتعليمات وزارة الخارجية، وعليه رفع علم سوريا على مبنى القنصلية وعلى السيارة التي يستخدمها في التنقلات والمواعيد الرسمية واستخدام شعار سوريا في المراسلات الرسمية. ومن مهامه المصادقة على الوثائق الصادرة من السلطات المحلية ومنح جوازات ووثائق السفر وشهادات الجنسية وإبرام الوكالات وتسجيل الوصايا وحصر التركات والإستماع للشهادات وتسجيل عقود الزواج والطلاق والولادة والوفاة، وهو يتمتع بالحقوق والإمتيازات والحصانات التي تنصُّ عليها الإتفاقيات الدوليَّة ولا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963.

بعد كل هذه الصلاحيات الواسعة، هل يمكن القول بإن القنصل الفخري هو منصب تشريفي وإداري فقط؟ وهل ستقترح الخارجية السورية اسماً حيادياً يحظى بقبول الجميع ويعاملهم وفق مواطنيتهم السورية ويبدد مخاوف 60 ألف لاجئ استقبلتهم كندا بعد عام 2015، ولا يَتهم بالإرهاب اصحاب الخوذ البيضاء الذين استقبلهم جاستين تريدو على المطار ووزع عليهم المعاطف، أو يلاحق الناشطين السورين اثناء تحركات الاحتجاج ويرسل صورهم للأجهزة الامنية في دمشق؟  يتساءل معارضون وناشطون هنا في مونتريال؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها