آخر تحديث:12:28(بيروت)
الأربعاء 30/01/2019
share

ديرالزور: لا شيء تخفيه سعدة في بطنها!

محمد حسان | الأربعاء 30/01/2019
شارك المقال :
ديرالزور: لا شيء تخفيه سعدة في بطنها! Getty ©
على حقيبة، تحمل ما خفّ من متاعها، تجلس سعدة ذات الـ44 عاماً، محاولة استجماع قواها الخائرة بعد مسير ليل طويل، هرباً من بلدة الباغوز تحتاني الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى مناطق سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية" في بادية السوسة في بادية ديرالزور.

لا يمكن تمييز لون ملابس سعدة الأصلي الأسود، بعدما بدلها غبار الصحراء إلى اللون البني الداكن. كما أن البرد الشديد جعل بشرتها السمراء تميل إلى الزُرقة، أما الجوع فقد ترك آثاره على وجهها فبرزت عظام وجهها.

سعدة خرجت مع ما يقارب 100 شخص نصفهم من المدنيين، والنصف الآخر من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم وغالبيتهم من جنسيات أوروبية وشرق آسيوية وقلة قليلة من جنسيات عربية.

خروج المدنيين بات متاحاً مؤخراً، بعدما أيقن التنظيم بالهزيمة المحتّمة، وخرج قسم من أتباعه طالباً الأمان، في حين أن قلة قليلة لا تزال ترفض الخروج وتريد استمرار القتال.

وتتم عملية الخروج من معابر مخصصة من جهة البادية الشمالية المجاورة للباغوز تحتاني وقرية السفافنة، أخر الجيوب المتبقية تحت سيطرة التنظيم شرقي ديرالزور.

وصول الهاربين إلى مناطق سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية"، يُنهي مخاوف الموت نتيجة القصف والعمليات العسكرية، وحتى الجوع، لكن يفتح باب مآسي جديدة؛ من التحقيق والنقل إلى مخيمات أقل ما يقال إنها معتقلات جماعية.

بعد وصول سعدة إلى الحاجز الأول لـ"قسد" تم تفتيشها كحال أي خارج، ثم تم سوقها مع أقرانها إلى مكان أعُد في أرض صحراوية مستوية، توجد فيه خيام، والكثير من المحققين الذين اخفوا وجوههم. وعلى طاولة معدة بشكل جيد، يجلس 3 ضباط من قوات "التحالف الدولي"، استطاعت سعدة معرفتهم من لون بشرتهم شديدة الاحمرار و"هندامهم المرتب".

في ساحة التحقيق، يعلو صوت المحقق مطلقاً جملة اعتاد على قولها: "النساء بالصف الأيمن والرجال في الصف الأيسر". وبعد انتظام الصفوف يتم تفتيش الجميع بشكل دقيق، ثم يتقدم كل في دوره إلى المحقق، الذي يأخذ البصمات والصور الشخصية، ويسأل عن الاسم الثلاثي والجنسية.

سعدة تقدمت واثقة الخطى غير أبهة، حتى أن المحقق سألها عن هذه الثقة، فردّت عليه: "أنا لا أخاف من شيء لم انضم إلى أي فصيل وما في شي ببطني أخبيه"، وذلك على عكس امرأة أمامها من أصل روسي، لاحظ المحقق ارتباكها وخوفها، كما أن لغتها العربية المكسرة لم تسعفها. كثيرون من منتسبي التنظيم الأجانب يحاولون ايهام المحققين بأنهم من أهالي المنطقة.

وبعد أخذ الصور والبصمات، يتم فرز الخارجين إلى قسمين؛ مدنيون، ومقاتلو التنظيم وعائلاتهم. ويساق القسم الأول إلى مخيمات قرب حقل العمر النفطي، والقسم الثاني إلى مخيمات الهول جنوبي الحسكة، حيث يخضعون لتحقيق موسع هناك.

وأكثر ما يتمناه الهاربون هو سرعة إجراء التحقيق، والفرز، من أجل نقلهم إلى المخيمات، حيث يتسنى لهم أخذ قسط من الراحة. فالتأخير يعني استمرار وجودهم في العراء، في أجواء مغبرة نهاراً شديدة البرودة ليلاً.

تنساب دموع سعدة بشكل مفاجئ، وتقول البارحة توفي طفل نتيجة البرد، كما وضعت سيدة مولودها من دون رعاية. نحن متعبون، نريد فقط أن نرتاح.

الخروج من مناطق سيطرة تنظيم "الدولة"، مستمر بالرغم من إعلان "قسد" استئناف العمليات العسكرية ضد التنظيم بعد هدنة دامت لأيام، حيث تدور اشتباكات متقطعة بين الطرفين في الباغوز والسفافنة.

تنظيم "الدولة" تمكن ليل الثلاثاء/الأربعاء من قتل 8 عناصر من "قسد"، في هجوم شنه مقاتلوه على أطراف قرية المراشدة، فيما خسر التنظيم 6 قتلى و12 جريحاً بينهم عناصر من جنسيات أجنبية.

وعثرت "قسد" خلال عمليات التمشيط للمناطق التي سيطرت عليها مؤخراً، على مستودع للسلاح في بلدة الشعفة، يحوي طائرات من دون طيار، وكميات من الصواريخ المضادة للدروع وأسلحة وذخائر متنوعة، إضافة لمعدات طبية وأدوية في مخابئ تحت الأرض.

تراخي "قسد" في الحسم العسكري يعود لأسباب أهمها، تخوفها من تصفية المعتقلين لدى التنظيم، والذين يتوقع وجود أجانب بينهم منهم ثلاثة رهبان خطفهم التنظيم في وقت سابق. كما تتحسّب قيادات "قسد" لوجود كميات كبيرة من الذهب والأموال بيد التنظيم تريد الوصول لها وضمان عدم اتلافها.

مصادر خاصة، أكدت لـ"المدن"، إن "قسد" أعطت مهلة لاستسلام ما تبقى من عناصر التنظيم خلال مدة اقصاها 15 يوماً، تبدأ من 30 كانون الثاني/يناير وتستمر حتى 14 شباط/فبراير "مع تسليم كامل المعتقلين وما بحوزة التنظيم من أموال".

وأضافت المصادر لـ"المدن"، إنه "إذا لم يستسلم عناصر التنظيم ضمن المدة والشروط المحددة، سيتم حسم معركة الجيب الأخير عسكرياً".

الحديث عن المهلة جاء منسجماً مع تصريحات قيادي في "قسد" قال فيها "ان وجود التنظيم العسكري سينتهي خلال مدة اقصاها شهر".

التنظيم لن يميل للحل العسكري، وقد يقبل بالتسوية، خاصة أن الحصار الخانق المفروض على مناطق سيطرته زاد في معاناة مقاتليه والمدنيين، وزاد حالة التمرد والأصوات المناهضة لاستمرار المعركة العبثية. لكن سياسة المماطلة التي يتبعها رافضو التسليم، تهدف لتحسين مكتسباتهم من عملية التفاوض لا أكثر.

انتهاء العمليات العسكرية قد ُيتيح لسعدة العودة إلى منزلها الذي دمر القصف الجوي جزءاً منه، وأكثر ما تتمناه ان تجتمع مع عائلتها وجاراتها، لمحاولة نسيان ما مضى والبدء بحياة جديدة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها