آخر تحديث:09:37(بيروت)
الجمعة 26/08/2016
share

"جبهة فتح الشام": انشقاقات غير مقلقة

عقيل حسين | الجمعة 26/08/2016
شارك المقال :
"جبهة فتح الشام": انشقاقات غير مقلقة تطور لم يكن مفاجئاً، وعلى الرغم من وجود أسماء هامة بين المنشقين أو المستقيلين (انترنت)
بعد أقل من شهر على إعلان "جبهة النصرة" تغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام" وفك ارتباطها بتنظيم "القاعدة"، وبالتزامن مع مباحثات جادة بين الجبهة وفصائل أخرى بهدف التوحد، أعلن عدد من القياديين في الجبهة انفصالهم عنها.

تطور لم يكن مفاجئاً، وعلى الرغم من وجود أسماء مهمة بين المنشقين أو المستقيلين، بينها مؤسسون للجبهة، إلا أن ردود الفعل على إعلانهم الانفصال، بقيت محدودة، لأسباب يأتي في مقدمتها: مثل هذه الانشقاقات كانت متوقعة.

واللافت أن أبرز ردود الفعل، جاء من داخل الجناح الأكثر تشدداً في التيار السلفي الجهادي، حيث طالب بعض رموزه، المنشقين بالعدول عن قرارهم، من أجل "الحفاظ على التوازن داخل الجبهة"، خاصة وأن المنشقين عنها يُصنفون بأنهم من الصقور.

فبعد إعلان القياديين الأردنيين عماد الطوباسي "أبو جليبيب الأردني" وبلال خريسات "أبو خديجة الشرعي" انشقاقهما عن "جبهة فتح الشام"، نشر القائد العسكري للجبهة سمير حجازي "أبو همام الشامي" رسالة مقتضبة، أكد فيها انهاء العلاقة بينه وبين التنظيم بشكله واسمه الجديدين.

وفي الوقت الذي كان متوقعاً فيه، بل ومنتظراً أن يعلن كل من الطوباسي وخريسات هذا الموقف، على اعتبار أنهما من رموز الجناح الأكثر راديكالية داخل الجبهة، إلا أن المفاجأة سجلها "أبو همام الشامي"، الذي سبق وأعلنت "جبهة النصرة" مقتله، مرتين من قبل.

وجه المفاجأة هنا، أن الشامي، لم يكن يُعرفُ له في السابق أي توجه سياسي أو فكري محدد داخل التنظيم منذ تأسيسه، بل تركز نشاطه بشكل كامل على الناحية العسكرية، الأمر الذي منح قضية المنشقين عن الجبهة بعداً آخر، يخرجها عن دائرة الحصر في دائرة الصقور داخل الجبهة، أو التيار الأردني، الذي كان يغلب عليه رفض فكرة الانفصال عن تنظيم "القاعدة".

فمنذ بداية النقاش داخل "جبهة النصرة" حول هذه القضية قبل أكثر من عام، عبّر رموز التيار الأردني فيها عن رفضهم الشديد لهذا التوجه، بل إن "أبو خديجة" و"أبو جليبيب" بالذات، كانت لهما تصريحات شديدة اللهجة في التعبير عن رفضهم لهذا التوجه، كما هاجما بشكل متكرر، في مواقع التواصل الاجتماعي من يدعو لفك الارتباط، معتبرين أنه تنازل كبير لا يمكن القبول به.

موقف اسهم إلى حد كبير في تأخر اتخاذ القرار، بالنظر إلى حجم ووزن هاتين الشخصيتين، وتأثيرهما بشكل كبير على التيار الأردني في "جبهة النصرة"، هذا التيار الذي سيطر على الجبهة بشكل واسع منذ العام 2014، قبل أن يسهم انتقال قيادات الجنوب من حوران إلى الشمال، في تفكيك هيمنة هذا التيار إلى حد كبير.

وبالإضافة إلى تسلم سامي محمود، المعروف باسم سامي العريدي، منصب الشرعي العام للجبهة، خلفاً للعراقي "أبو مارية القحطاني" صيف العام 2014، فقد شغل "أبو جليبيب الأردني" منصب أمير محافظة درعا لدى الجبهة، بالإضافة إلى عضوية المجلس الشرعي فيها، قبل أن ينتقل إلى الشمال، العام الماضي، مع العشرات من قادة وعناصر الجبهة.

أما خريسات "أبو خديجة الأردني"، فهو، ورغم تعدد المسؤوليات التي شغلها داخل "جبهة النصرة" طيلة السنوات الماضية، بين شرعية وعسكرية وتنظيمية، إن كان في درعا أو في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، إلا أن أهم ما عرف به، هو قيادته للجهاز الأمني للجبهة. واتهم "أبو خديجة"، إلى جانب "أبو جليبيب"، بارتكاب تجاوزات منذ تسلمه قيادة هذا الجهاز، وفي مختلف المناطق التي تواجد فيها.

ولا يبدو أن سؤال "لماذا اليوم؟" قد بدا مطروحاً أو مهماً في مواجهة توقيت الإعلان المتزامن عن هذه الانشقاقات. فـ"أبو همام الشامي"، قال في رسالة الاستقالة المنسوبة له، إن موقفه هذا سبق وأن أوضحه لقيادة التنظيم في رسالة سابقة خلال عيد الفطر المنصرم، من دون أن يوضح سبب إعلانه رسمياً للقرار اليوم. بينما كان لزميليه الأردنيين تفسير غير مباشر.

فمن جانبه، اعتبر "أبو جليبيب" أن ظهور المشاريع الجديدة وتسارعها -في إشارة إلى مفاوضات التوحد بين "جبهة فتح الشام" وفصائل أخرى في الشمال السوري- قد سرع من قرار انفصاله عن الجبهة. وهو موقف كان قد اتخذه منذ  إعلان قيادة الجبهة فك الارتباط بتنظيم "القاعدة"، على اعتبار إنه كان يرفض القرار بشكل قاطع، حسب قوله، لكنه آثر الاستمرار خلال الفترة الماضية "حفاظاً على وحدة الصف، واستجابة لمطالب البعض".

من الواضح إذاً أن تزامن هذه الانشقاقات، أو الإعلان عنها في الوقت الحالي، إنما هو تعبير واضح عن رفض أصحابها لمساعي التوحد، أو التشارك في كيان سياسي وتنظيمي موحد، يجمع "جبهة فتح الشام" بفصائل من المعارضة، وهي مساعٍ تكتسبُ حتى الآن زخماً كبيراً.

وبغض النظر عن الأسباب التي تجعل هؤلاء القادة يعارضون التوجه نحو التوحد والإندماج مع فصائل أخرى، فلا يبدو أن قرارهم يحظى بتأييد المرجعيات الراديكالية في التيار السلفي الجهادي، بما فيها المتحفظة على خطوة التوحد المحتملة، والتي اعتبرت أن قرار هؤلاء القادة بالانفصال عن الجبهة، يعتبر خاطئاً.

وكالعادة، فقد تصدر المشهد على هذا الصعيد، الداعية الأردني "أبو محمد المقدسي" الذي طالب المستقيلين، أو من ينوون الاستقالة من "جبهة فتح الشام" بالتراجع عن هذا القرار، للـ"الحفاظ على المشروع" حسب وصفه.

وأضاف "المقدسي": "الإندماج ضرورة مرحلة فاستوعبوها ولا تفشلوها، وبقاؤكم في مراكزكم ضرورة كل المراحل لحفظ مشروعكم، فأنتم كالمرساة تمنعون السفينة من الإنجراف مع تيار التمييع".

المُنظّرَ السلفي المصري طارق عبدالحليم، والمعروف بتأييده الشديد لتنظيم "القاعدة"، كان أكثر وضوحاً في تعليقه من المقدسي، فنبّهَ إلى "الفارق" الذي يجب على التيار أن يضعه في الاعتبار عند الحديث عن أي توحد بين الجبهة وفصائل أخرى، وهو الفارق "بين التوحد في القتال والتوحد على مشروع للحكم". وهي إشارة تكشف ربما عن تفصيل عرضي من حيث الشكل، أصيل من حيث المضمون بالنسبة للمدرسة السلفية الجهادية، التي تسعى دائماً للتأكيد على تمايزها عن بقية القوى الإسلامية، وهو الأمر الذي يفسر ربما سبب تعجيل المنشقين بإعلان انشقاقهم.

لكن عبدالحليم الذي كان في موقفه هذا يتناغم مع موقف القادة المنشقين من "جبهة فتح الشام" ويفسره أيضاً، اتفق مع المقدسي في مطالبة هؤلاء، الذين وصفهم بـ"القادة المتميزين المتمسكين بالثوابت"، بعدم ترك مناصبهم، حيث يعتبر ذلك "تركاً للهدف، وإخلاء الساحة لتيار أضعف في مواجهة المتميعة" حسب وصفه.

وكان العديد من مرجعيات التيار السلفي الجهادي، وفي مقدمتهم المقدسي وعبدالحليم بطبيعة الحال، قد أطلقوا قبل أسابيع حملة في مواقع التواصل الاجتماعي، ضد من يصفونهم بـ"المميعة" من أبناء التيار والتيارات الإسلامية الأخرى، فاتهموهم بالتنازل عن ثوابت الدين في ممارستهم للسياسة. وهو الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة، اتهمت أصحاب الحملة بالعمل على تأجيج الخلافات بين القوى الإسلامية في سوريا، والسعي لضرب مشاريع التوحد بينها، والتحريض على القادة الذين يرفضون الانصياع لآرائهم وتعليماتهم.

لكن مالذي تعنيه هذه الاستقالات، وما هي انعكاساتها المحتملة، إن كان على "جبهة فتح الشام" أو بالنسبة للمنشقين أنفسهم؟

بالنسبة للجبهة كتنظيم وكقيادة، لا يبدو أن هناك ما يقلقها في كل ذلك، بل يمكن القول، إن المتوقع كان أكبر من ذلك، وقد هيّأت قيادة "فتح الشام" نفسها لسيناريو أشد سوءاً من مجرد انشقاق ثلاثة أو حتى عشرة من قياديها، حال اعلانها الانفصال عن تنظيم "القاعدة". وبالتالي، فإن استقالة هذا العدد المحدود من الشخصيات، على نوعيتها، لن يكون ذا أثر، في وقت تعيش فيه الجبهة أفضل أيامها. لا بل إن هناك من يرى أنه، وباستثناء خسارة أبو همام الشامي، فإن رحيل الأردنيين الآخرين، خريسات والطوباسي، يزيح عن كاهل الجبهة عبء شخصيات مثيرة للجدل.

في المقابل، لا يبدو واضحاً أي مستقبل يُقبل عليه المستقيلون، بالنظر إلى قلة عددهم وعدم توفر دعم قوي لهم، يؤهلهم لتشكيل فصيل مستقل. بل حتى وإن حدث ذلك وتمكنوا من جمع ما يكفي من عناصر حولهم للإعلان عن فصيل جديد، فإنه نظرياً، لن يكون أفضل من حال المجموعة التي انشقت عن "جيش المهاجرين والأنصار" وأعلنت استمرار العمل بشكل مستقل تحت اسم "جند القوقاز" غداة انضمام الجيش إلى "جبهة النصرة" في أيلول/سبتمبر 205.

ولم تتمكن تلك المجموعة من تسجيل حضور يذكر لاحقاً، في الوقت الذي لا يستبعد فيه البعض إعلان القادة المنشقين عن "فتح الشام" عن تشكيل يبايع تنظيم "القاعدة"، ويسعى ليكون فرعها الجديد في سوريا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها