المرضى النفسيّون: مهمّشون بين المهمّشين

ناي الراعي
الخميس   2014/06/12
دراسة تظهر ان واحد من أربعة لبنانيين سيعاني من مرض نفسي في مرحلة ما من حياتهم (ريشار سمور)

يحدث ان تثير فكرة الإستحمام في نفس ريما (اسم مستعار) نوبات هلع طويلة تكبّل طاقتها. لكن في بيت ريما الكبير، تسكن أيضاً سيدتان تساعدانها في العمل المنزلي، ولذا كلما عجزت عن الإستحمام، فتحت حنفية الماء ولطخت أرض الحمام وجدرانه بالماء والصابون، كي تجد السيدتان ما تنظفانه، فلا يكتشفا عجزها.
تعاني ريما، وهي سيدة في الخمسين من العمر وأم لولدين، من الإكتئاب، لكن صراعها مع المرض بدأ قبل عقدين من تشخيصه وإدراكها لماهيته. كانت في الأربعين يوم شخص الأطباء داءها وحددوا انه إكتئاب، غير ان نوباته وعوارضه كانت قد بدأت حين كانت لا تزال طالبة جامعية. في سنوات ما قبل التشخيص، صبّت ريما كل جهودها في محاولات حثيثة لمواصلة حياتها مع النوبات المتجددة، الصدمات، التشخيصات الخاطئة وأدوية الأعصاب غير الناجعة لدرجة انها لم تفكر يوماً بأن الإكتئاب "مرض، او مسألة طبيّة جديّة"، مدركةً جدّيته فقط بعد التشخيص.
الإكتئاب مرض نفسي، تترافق أعراضه وتتراوح بين الحزن وفقدان الاهتمام والمتعة بالأنشطة التي كان يستمتع بها المريض سابقاً، وانخفاض الطاقة وتقلص التركيز، واضطراب النوم والشهية، والإحساس المتزايد بالذنب، وصولاً الى التفكير بالإنتحار او الإقدام عليه. قد يرافق الإكتئاب، اذا ترك بلا متابعة أو علاج، إضطرابات نفسية أخرى كإضطراب ما بعد الصدمة واضطراب القلق العام. وبحسب دراسة العبء العالمي للمرض الصادرة في العام 2010، يحتل الإكتئاب والإضطرابات المتفرعة منه المرتبة الثانية من حيث عدد سنوات العجز نتيجة المرض عالمياً. واظهرت دراسة اعدّها الباحث والطبيب النفسي ايلي كرم ومجموعة من الأطباء الباحثين تحت عنوان: "انتشار الإضطرابات العقلية في لبنان: البداية، العلاج والتعرض للحرب" (2008)، ان 25% من العينة التي تمّت مقابلتها، اي واحد على اربعة من الأفراد في لبنان سيعاني مرضاً نفسياً في مرحلة ما من حياته، كما بيّنت ان الإكتئاب هو المرض النفسي الأكثر انتشاراً في لبنان، يليه القلق، الفصام والوسواس القهري. وبحسب الدراسة نفسها، إثنان من كل ثلاثة لبنانيين يعانون من اضطرابات نفسية، لا يتلقون العلاج او المساعدة المتخصصة، ما يحد من القدرة على الكشف والعلاج المبكر لهذه الإضطرابات. وذلك ليس بالضرورة بسبب نقصٍ في الخدمات الصحية النفسية او قلة المتخصصين، بل بسبب خوف المريض من الوصمة الإجتماعية، التهميش وعدم التقبّل ضمن البيئة الإجتماعية والعائلية وفي الأوساط الطبية المتخصصة كذلك.

                              التهميش  يطور الإكتئاب

تدرك ريما تماماً أهمية الدعم العائلي، الإجتماعي والطبي في حياة المريض النفسي، لأنها لم تحصل عليه. قصة ريما بدأت مع الإكتئاب، لكن "التشخيصات الخاطئة، العلاج المتأخر، العائلة غير المعنية، والغياب المطلق لأي شبكة دعم او مساحة للمشاركة"، لم تؤد الى تهميش وعزل ريما  فحسب، بل طورت حالتها فأصيبت بإضطراب ما بعد الصدمة وإضطراب القلق العام. كانت طالبة علوم سياسية في جامعة بوسطن، خلال امتحان الإقتصاد. اجهشت ببكاءٍ فجائي، فسلمت ورقةً بيضاء وامضت بعدها ليالٍ طويلة من البكاء المتواصل والصداع امتدت لفترة ثمانية اشهر، لم تحصل خلالها على اي مساعدة طبية.
في الثالثة والعشرين، تعرضت لإنتكاستها الأولى. "كنت في بيروت خلال فترة الإجتياح الإسرائيلي. كنت اقود السيارة لساعات طويلة دون توّقف ودون احساس بالمكان او الزمان. وفي كل مرة كان ينتهي بي الأمر في منزل خالتي، اشرب وابكي"، تستذكر. وفي أحد الأيام، نصحها قريبها بأحد الأطباء من اصدقاء العائلة، بدأت تزوره اسبوعياً. لم يصف لها الطبيب آنذاك اي علاج  ولم يشخص حالتها انما "شعرت بالراحة لمجرد التكلم معه". تزوجت ريما بعد عامين وانجبت ولدين. بين سن الـ25 والـ40، "كنت احضر كل النشاطات الإجتماعية واصطحب الأولاد الى كل حفلات المدرسة، كنت ابدو سعيدة ومرحة كل الوقت"، لكن الواقع انها كانت تمضي لياليها بالبكاء، ترفض الحديث عن حياتها الخاصة، وتلجأ للكحول لإسكات الألم. فيما كان زوجها "يعيش حياته"، كانت هي"الأم والأب وصاحبة القرار في البيت". ادمنت على الكحول، "كنت اعلم انني اخطئ"، لكنها عجزت عن التوّقف حتى بعد ان شهد ابنها نوبات البكاء والإسراف في الشرب. بعد تشخيص مرضها، مرّت على ريما "اصعب ثلاث سنوات في حياتي". تعرضت لأكثر من انتكاسة، حاولت الإنتحار مرّتين، وادخلت المستشفى مرّات لأسابيع. "عشت هذه السنوات على الأدوية المضادة للإكتئاب، لم يعد عندي طاقة للنهوض من السرير". استمرت على هذه الحال الى ان اوصاها طبيبها، منذ عامين بعلاج طويل مرّكز في مركز متخصص في الولايات المتحدة.
 
                               الدعم العائلي أساسي 

ريما اليوم "تتحسن". تصب كل طاقتها على مساندة ولديها، نور(23) وجاك (21) اللذان يعانيان بدورهما من اضطرابات مزاجية، جرّاء معايشتهما لمرضها. ريما مقتنعة بأنه "كان يمكن تفادي كل هذه المعاناة"، لو وجدت الدعم العائلي والإجتماعي المطلوب ولو تمّ تشخيص وعلاج حالتها مبكراً.
رغم معاناتها جراء الخوف من الوصمة ، تبقى ريما اكثر حظّاً نسبياً من كُثر يعانون من اضطرابات نفسية في لبنان، لا سيما من لا يملك منهم إمكانية العلاج في المراكز الطبية الخاصة. "الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية هم أكثر الأشخاص المهمشين في المجتمع. حتى في أوساط المدافعين عن الفئات المهمشة من نساء، ولاجئين ومدمنين، يعتبر المرضى النفسيون مهمشين بين المهمشين"، تؤكد الطبيبة النفسية هلا كرباج. ذلك لأن، تاريخياً وحول العالم، علاج المريض النفسي يعني وضعه في مؤسسة حيث يُعزل ولا يتحسن بالضرورة، وهذا النمط السائد في لبنان اليوم. فالخدمات التي توّفرها المراكز الخاصة مكلفة جداً والإمكانية الوحيدة للإستفادة من تغطية وزارة الصحة الكاملة للعلاج النفسي هي من خلال الدخول لتلقي العلاج في مستشفيات الطب النفسي والمكوث داخلها، ما يصعب على المرضى النفسيين، لا سيما المصابين منهم بمرض نفسي مزمن كالفصام، الإندماج في المجتمع وخلق آليات الرعاية البديلة داخل العائلة. ليس الدمج الإجتماعي الصعوبة الوحيدة التي تعترض سبيل المريض النفسي الى العلاج، اذ لا رقابة فعلية لحماية الحقوق الإنسانية لهؤلاء المرضى في هذه المستشفيات بسبب انعدام وجود هيئة تفتيش مخوّلة فرض عقوبات عليها، ما قد يؤدي إلى  انتهاك حقوق المريض عبر إستخدام العزل، أو التقييد الجسدي، أو العزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، أو إستخدام العلاج بالصدمات الكهربائية.
 يكمن جزء من المشكلة، بحسب كرباج، في النقص في خدمات الرعاية الصحية النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستوصفات، الأمر الذي يسعى الى تأمينه "البرنامج الوطني للصحة النفسية"، الذي اطلقته وزارة الصحة العامة في آيار الماضي بتوصية من "منظمة الصحة العالمية". تشمل هذه الخدمات، التوعية بشأن الإضطرابات النفسية والوقاية منها، التشخيص المبكر والإحالة إلى الرعاية المتخصصة.
تؤكد كرباج أهمية وعي الأطباء العامّين والعاملين في الرعاية الأولية لوجود الأمراض النفسية لمحاربة الوصمة الإجتماعية، لا سيما تلك التي يشعر بها المريض النفسي تجاه نفسه، ما يسمح بكسر عزلة المريض النفسي ضمن بيئته العائلية والإجتماعية ويمده بالمعرفة عن مرضه ويسهل حصوله على العلاج والرعاية.