اقتراحات لمؤتمر غير تأسيسي يستدرك ما فات الدستور

الدكتور مصطفى الجوزو
الأحد   2022/06/26
بينبغي تقييد الحكام منعا لتجاوز حدود السلطة وعرقلة تحديث الدولة


يدور الحديث هذه الأيام حول مؤتمر وطني أو دولي يجمع القادة اللبنانيين، وكلُّ فريق يجعل له غاية تروقه: تغيير النظام، تعديل الدستور، السير بإصلاحات حيوية سياسياً واقتصادياً، نزع السلاح غير الشرعي، وما أشبه ذلك. ومن المراوغين من يحاول أن يُلبس تغيير النظام جبّة تطبيق اتفاق الطائف، تحت عنوان استكمال بنود الاتفاق، وذلك بمطالتهم باللامركزية الإدارية الموسعة، علماً أن مجلس النواب قد أهمل هذا البند في اتفاق الطائف ولم يدخله في الدستور لملابسته معنى التقسيم، ومجافاته لمقدمة الدستور نفسه التي تنكر التجزئة. بل يزيدون على ذلك مطلب الحياد، وهم يعلمون أنه لا يكون إلا حيال طرفين متقاتلين، وليست الدولة اللبنانية في أي محور مقاتل، وإن شذّ أحد أحزابها عن ذلك.

تغيير الرجال لا الدستور
إن التجزئة أمر مرفوض من غالبية اللبنانيين، تحت أي مفهوم، صراحة أو ضمناً؛ وحين كان الثوار يطالبون بتغيير النظام فإنما كانوا يعنون تغيير رجاله، وليس دستوره ولا جغرافيته، إلا قلة استغلت هذا المطلب لتوحي إرادة التجزئة، وتتحدث عن الفيدرالية أو اللامركزية الإدارية الموسعة.

والحقيقة أن الدستور اللبناني قد جاء نتيجة حرب أهلية دامية حصدت مئات الألوف وعوّقت مئات ألوف آخرين، وكان باعثها الصراع الطائفي المدمر، ولذلك قضى بإلغاء الطائفية، والانقلاب عليه ينطوي على مخاطر العودة إلى الحروب الأهلية. ولم يكن العيب فيه قط بل في عدم التزامه، أو في سوء النية في تفسير بعض مواده، ولاسيما أن الفئة المعادية له عملت على إلغائه بكل وضوح، فكان الخراب. والإمعان في ذلك النهج لن يزيد الأمور إلا سوءاً. وهذا الدستور لم يكن ليحتاج إلى الاستدراك ولا التفسير لو كان الحكام اللبنانيون رجال دولة حقيقيين وذوي نيات حسنة. ونكاد نقول إن رجل الدولة الصالح لا يكاد يحتاج إلى دستور لأن دستوره ضميره، وإن رجل الدولة الفاسد لا يقيده دستور، ولا يستطيع إلا نشر لفساد؛ فالحكم ليس نصوصاً تُتّبع، بل رجال تفكر وتعمل، إما بإخلاص لمصلحة الوطن، فيزدهر وينعم بالرفاهية والسلام، أو بخبث فيهبط إلى الحضيض. ولأن معظم حكام لبنان من الجنس الثاني، صار لا بد من تقييدهم بنصوص دستورية دقيقة وصريحة، هذا إذا أمكن تقييدهم. والذي ينبغي تقييدهم فيه هو كل ما يتصل بإساءة استعمال السلطة وتجاوز حدودها، ويمنع تحديث الدولة، ويعطيل الحياة السياسية لحاجة في بعض النفوس.
يندرج ذلك تحت ستة عناوين:

1-            انتخاب رئيس الجمهورية

2-            تأليف الحكومة

3-             استقلالية الحكومة

4-            دراسة المراسيم والقوانين وإصدارها

5-            محاسبة المسؤولين ومحاكمتهم، ابتداء بالرؤساء الثلاثة، وانتهاء بالوزراء والنواب

6-            إصلاح القضاء واستقلاله

7-            الخروج من الحالة الطائفية

أولاً: انتخاب رئيس الجمهورية
إن تعطيل الانتخاب الرئاسي سنتين ونصف السنة لإرغام النواب على انتخاب رئيس بعينه ينبغي أن يكون حافزاً لمنع تكرار هذه التجربة التي قادت إلى فرض الأقلية إرادتها على الأكثرية، خلافاً للمبادئ الديمقراطية، فضلاً عما أصاب الدولة من أضرار إدارية واقتصادية ومالية. ومعلوم أن سبب التعطيل كان فرض نصاب الثلثين لصحة انعقاد جلسة الانتخاب الأولى، وقد سمح هذا للأقلية باستغلال الثلث المعطل، أي بفرض إرادتهم على الثلثين الآخرين، وتخيير المجلس بين انتخاب مرشحهم أو الاستمرار في الشلل وخراب البلد. ولا ندري ما مقدار الضمير الوطني في مثل هذا الابتزاز.

وتحاشياً لتكرار هذه التجربة اللاديمقراطية يجب النص على صحة النصاب في الدورة الأولى إذا اجتمعت الغالبية المطلقة على الأقل، فإذا توافر حضور ثلثي المجلس أو أكثر وحاز أحد المرشحين أصوات الثلثين فاز بالرئاسة في تلك الدورة، وإذا لم يتحقق ذلك جرى الانتخاب بالنصاب العادي وعُدّ الاثنان اللذان يحوزان أكبر عدد من الأصوات مرشحين لدورة ثانية، وخرج سائر المرشحين، لينعقد المجلس بعد ثلاثة أيام حكماً بالنصاب العادي، ويفوز من يحوز أكثرية أصوات المجلس، فإذا لم يكتمل النصاب انعقد المجلس بعد ثلاثة أيام أخرى بمن حضر، وفاز من يحوز الأكثرية النسبية من الحضور.

ثانياً: تأليف الحكومة
لم يتعطل العمل السياسي في لبنان بقدر ما تعطل في هذا العهد، حتى ليمكن أنْ نَصِفه ، هو وما مهد له، بعهد التعطيل، ليس بسبب الانتخاب الرئاسي فحسب، بل كذلك بسبب تأليف الحكومات، إذ ثار خلاف مفتعل في تفسير الفقرة الرابعة من المادة الدستورية (53)، لا لالتباس نصها، بل سعياً إلى تعديل دستور الطائف بالممارسة. ففي النظم البرلمانية يتولى رئيس الوزراء وحده تأليف الحكومة لأنه يخضع هو وأعضاء حكومته حصراً لمحاسبة المجلس النيابي، فمشاركة رئيس الجمهورية له في تأليفها ليس في ذلك النظام، سواء نصت تلك الفقرة على ذلك أم لم تنص. فنظامنا البرلماني يجعل للبرلمان وحده حق انتخاب رئيس الجمهورية، وحق اختيار رئيس الحكومة، بناء على الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية نفسه، كما يمحضه الحق في اقتراح صورة الحكومة والأعمال المطلوبة منها، بناء على الاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الحكومة، ثم الحقّ في منح تلك الحكومة الثقة أو حجب الثقة عنها وإسقاطها؛ ولا يجوز الاعتداء على إرادة البرلمان بفرض إرادة رئيس الجمهورية في تأليف الحكومة؛ فالحكومة هي حكومة الشعب الذي يمثله البرلمان، لا حكومة العهد، كما يحلو لبعضهم أن يزعم، ولا حكومة رئيس الوزراء.

هذا لا يعني منح رئيس الحكومة أجلاً غير مسمى للتأليف، ولا  منح رئيس الجمهورية أمداً غير معين لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة ولتوقيع مرسومي التسمية والتأليف وإصدارهما، بل تقتضي المصلحة العامة، وعلى ما هو معمول به في الدول الحديثة، وضع مهل لهما، وإن كان وضع مهل لرئيس الجمهورية أمر غير مألوف في الدول الراقية، لأن رئيس الدولة فوق الشبهات فلا يماطل ولا يستغل توقيعه ولا يبتز ولا يتأول على الدستور، لكنه ضروري في دولة لا تزال متخلفة كلبنان لما سبق أن ذكرناه.

فأما الاستشارات النيابية الملزمة فينبغي أن تجري خلال عشرة أيام على الأكثر من انتخاب مجلس النواب، لأنها مدة كافية للنواب كي يفكروا في اختيار رئيس لمجلس الوزراء.   

وأما مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء المنصوص عنه في الفقرة الثالثة من المادة (53) فيحسن أن يصدر فور انتهاء الاستشارات النيابية، لا أن يؤجل إلى ما بعد تأليف الحكومة، ذلك لأن الفقرة الدستورية المتصلة بالتسمية مستقلة عن تلك المتصلة بمرسوم التشكيل، ويحسن برئيس الجمهورية أن يدعو رئيس مجلس الوزراء الذي اختاره النواب لتسليمه ذلك المرسوم بلا إبطاء، ولإخباره بتكليف مجلس النواب (لا رئيس الجمهورية) له تأليف الحكومة. ويحسن أن يشترط في من يسمى رئيساً للوزراء أن يكون قد نال في الاستشارات الملزمة غالبية أصوات المجلس، وإلا أعيدت الاستشارات خلال ثلاثة أيام، فإن استحال على أحد نيل أصوات الغالبية اعتبر مجلس النواب منحلاً وجرت انتخابات مبكرة نيابية خلال شهر.  وعندما ينال أحدهم أصوات الأكثرية ويسمى رئيساً للحكومة يقيد بمهلة عشرة أيام لإجراء الاستشارات النيابية غير الملزمة ابتداء من تاريخ صدور مرسوم التسمية، على أن تؤلف الحكومة خلال شهر، مثلاً، قابلة للتجديد مرة واحدة، وإلا عُدّ رئيس الحكومة مستقيلاً.

 ويحسن في المقابل أن يكون لإصدار رئيس الجمهورية مرسوم التأليف مهلة أيضاً، فلا يتريث حتى انتهاء مهلة تأليف الحكومة واعتبار رئيسها مستقيلاً، بل يحسن أن تجري الأمور  على النحو الآتي:

فالفقرة الرابعة من المادة (53) نفسها تقضي بأن يصدر رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة، ليس منفرداً كالحال في مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء، بل بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء نفسه. والاتفاق على إصدار المرسوم لا يعني الاتفاق على أسماء الوزراء وتوزيع حقائبهم. وبناء على ما سبق ينبغي لرئيس مجلس الوزراء تسليم رئيس الجمهورية التشكيلة الحكومية التي يكون قد أعدّها ضمن المهلة المقترحة، إما يداً بيد أو بالبريد الحكومي إذا تعذر ذلك، ثم يُصدر مرسومها هو ورئيس الجمهورية خلال عشرة أيام، إلا إذا كانت لرئيس الجمهورية ملحوظات يريد أن يبديها له، فيسلمه تلك الملحوظات خلال تلك المهلة، ولرئيس مجلس الوزراء أن يأخذ بتلك الملحوظات أو يمتنع من الأخذ بها بعضها أو كلها، وذلك خلال عشرة أيام من تسلّمها، ثم يصدر الرئيسان معاً مرسوم تشكيل الحكومة فوراً؛ فإذا امتنع رئيس الجمهورية من تسلّم كتاب التشكيلة الحكومية باليد أو بالبريد الرسمي، أو امتنع من إصدار مرسوم تأليفها خلال أسبوع، عدت الحكومة مؤلفة قانونياً، وأَعدّت بيانها الوزاري خلال ثلاثين يوماً، وتقدمت به من مجلس النواب طالبة ثقته. ولرئيس الجمهورية بعد إصدار مرسوم التأليف أن يرسل إلى البرلمان ملحوظاته على التشكيلة الحكومية ليستضيء بها البرلمان عند تصويته على الثقة. 

ثالثاً: استقلالية الحكومة
إن مجلس الوزراء مؤسسة مستقلة، وفق نص المادة (17) من الدستور، فهو غير تابع للقصر الجمهوري ولا للبرلمان، ولذلك نص الدستور على اجتماعه في مقرّ خاص، وعلى حق  رئيس الجمهورية في ترؤس جلساته حين يحضر إلى ذلك المقرّ (الفقرة 5 من المادة الدستورية 65) وذلك من غير أن يشارك في التصويت (الفقرة 1 من المادة 53). فاجتماع مجلس الوزراء في القصر الجمهوري مخالفة صريحة للدستور، فضلاً عن أن فيه تأثيراً نفسياً في الوزراء ورئيسهم لا ينبغي أن يخضعوا له. ولذلك يجب أن يعاد فتح المقر الخاص بمجلس الوزراء، أو الاستعاضة منه بالسراي، من أجل عقد اجتماعاته.

 هذا ومنْحُ رئيس الجمهورية الحق في ترؤس جلسات مجلس الوزراء بدعة طائفية غير منطقية،  فيها مفارقة إشكالية، إذ كيف يرأس جلسة المجلس من لا صوت له في قراراته؟ إن تنظيم مواضيع النقاش، وإن إعطاء حق الكلام لوزير من الوزراء ومنعه عن وزير يخالفه الرأي، أو التضييق عليه على الأقل، كل ذلك تصويت غير مباشر، وربما أهم من التصويت المباشر، لأن في تنظيم مواضيع النقاش تفضيلاً لبعضها على بعضها الآخر، وفي محاباة أحد الوزراء ترجيحاً لصوته. بل في وسعنا القول إن هذا نظام رئاسي ضمني، إلا أن لرئيس الجمهورية في النظام الرئاسي صوتاً مرجِّحاً، لكونه يمثل الشعب الذي انتخبه، فهو شريك البرلمان في تمثيله، على حين أن مجلس النواب هو وحده من يمثل الشعب في النظام البرلماني.

       ولهذا يحسن إلغاء هذا الحق الرئاسي، أو تضييق دائرته بحيث يُعدّ رئيس الجمهورية عندما يحضر إلى مجلس الوزراء رئيس شرف، فيفتتح الجلسة ويقدم النصائح للمجتمعين، ويبدي رأياً مختصراً في القضايا المطروحة، أو التي طرحت على المجلس في جلسة سابقة، ويضيف إلى جدول الأعمال ما يراه مستحقاً للدرس، ثم يترك لرئيس الوزراء إدارة الجلسة وحده، ويبقى مراقباً، يسجل إذا شاء ملحوظاته على عمل المجلس ثم يبديها في نهاية الجلسة، أو في بداية الجلسة التالية.

رابعاً: دراسة القوانين والمراسيم وإقرارها
 لا يجوز أن يناط مصير لبنان كله بأشخاص ثلاثة هم رؤساء الجمهورية والنواب والوزراء؛ فبوسع رئيس الجمهورية تعطيل القرارات التي لا تعجبه أو التي لا تحقق رغباته ومنافعه، وذلك بامتناعه من توقيعها، فيعطل تأليف الحكومة، وتأليفَ مجلس القضاء الأعلى، وتعيينَ الموظفين، الخ. ورئيس مجلس النواب يستطيع أن يميت مشاريع القوانين التي لا تعجبه وذلك بإبقائها في الأدراج وعدم عرضها على الهيئة العامة والتصويت عليها. ورئيس مجلس الوزراء يستطيع أن يمتنع من إدراج أي قضية أو أي مرسوم يقترحه أحد الوزراء على جدول أعمال المجلس، وأن يمتنع كرئيس الجمهورية من توقيع المرسوم الذي لا يروقه أو لا ينفعه، منفعة مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذا كله فرديّة، حتى لا نقول استبداد، قد تصيب الأفراد والأمة جمعاء بضرر كبير، ولاسيما إذا كان مبعثها تعصب طائفي أو حزبي أو عشائري أو مناطقي. كما أنها مجال للمساومة والصفقات بين الرؤساء، وربما بينهم وبين الكتل النيابية والأحزاب؛ ولذلك لا بد من وضع ضوابط لصلاحيات الرؤساء، وكذلك الوزراء الذي يوقعون المراسيم الداخلة في اختصاص وزاراتهم.

إن أهم ما فات معِدّي الدستور اللبناني ضبطهم للمهل، واحتياطهم من خطر استغلال المنصب وتجاوز حدود الصلاحيات، وحتى خرق الدستور أحياناً. وهذا يقتضي أن يضبط أمر إصدار المراسيم بحيث تصبح نافذة عند انتهاء مهل معينة مقررة لها بدقة، ولو لم يوقعها رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المختص، وأن يفرض على رئيس مجلس النواب أن يعرض على الهيئة العامة أي قضية أو اقتراح قانون قُدّم إلى المجلس بصورة قانونية، وذلك بعد انقضاء مهل يعيّنها نص قانوني أو دستوري، وألاّ يصوَّت على مرسوم أو مشروع قانون قبل إطلاع الوزراء عليه في مدة كافية لفهمه وإبداء الرأي فيه، وكذلك ينبغي إلا يُقترح قانون قبل إطلاع النواب عليه في مدة معقولة؛ ومن هنا أن طرح موضوع من المواضيع من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء يقتضي عدم درسه والتصويت عليه إلا في جلسة لاحقة تتيح الاطلاع عليه اطلاعاً كافياً.

خامساً: محاسبة المسؤولين ومحاكمتهم
يبدو الدستور اللبناني وكأنه يجنّب المسؤولين المحاسبة والمحاكمة، وهو أمر طبيعي في دولة حقيقية حديثة، ينطلق مسؤولوها في أعمالهم من كونهم خداماً للشعب والدولة، مغلّبين مصالحها على مصالحهم، ومتمتعين بحس وطني مرهف، وبقدرة مميزة على محاسبة النفس، وباحترام للمنصب وترفّع عن العيب، فلا يُشك في استقامتهم، ولهذا ينبغي ألا تشغلهم عن أعمالهم شكاوى قضائية، وإذا أخطأوا فأخطاء غير جسيمة تحتمل إرجاء المحاسبة عليها؛ لكنه غير طبيعي في دولة تطغى فيها المصالح الطائفية والفئوية والذاتية على المصلحة الوطنية العامة، ويَعدّ المسؤول نفسه فوق الأمة حتى درجة الألوهية أحياناً، ويرى الشعبَ خادماً له أو تابعاً أو ربما عبداً أحياناً أخرى، ويستسهل الاحتيال على القوانين ووضع النصوص التي تظلم الأكثرية وتنفع الأقلية، ويسمح لنفسه بانتحال صلاحيات ليست له، ويعتبر استباحة المال العام مهارة. هذا الواقع يقتضي قوانين دقيقة وصارمة تسمح بإخضاع المسؤولين للمساءلة والمحاكمة.

 إن كل من يمارس السلطة الفعلية التي قد توقع الضرر بالأفراد أو بالجماعات أو بالوطن كله يجب إخضاعه للمحاسبة، وعدم منحه حصانة تجعله بمعزل عن المساءلة، مهما علا شأنه. وحين ينفي الدستور اللبناني كل تبعة عن رئيس الجمهورية أثناء قيامه بوظيفته، فذلك لأنه رمز وحدة الوطن، وتخضع قرارات المؤسستين اللتين يرأسهما لمجلس الوزراء مجتمعاً وليس له، وهو يصدر القوانين والمراسيم، ولا يصوّت عليها، ويسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال الوطن ووحدة أراضيه، فلا ينبغي له أن يأتي بأي عمل يمكن أن يحاسَب عليه، بل تقوم المؤسسات لا الرؤساء بالعمل ويحاسب القائمون عليها حينما يخطئون؛ ولذلك كان من حقه المعنوي أن يوجّه الحكومة ومجلس النواب، توجيه استدراك أو نصح، فإذا انتحل صفة سلطوية تنفيذية وجب أن يصبح مسؤولاً عن أعماله، وسقطت المادة التي تحصنه من المحاسبة. إذا أنت لم توقع ضرراً في الآخرين  فلا جريرة عليك، أما إذا أنت أضررت بهم فلا بد من محاسبتك، وليس في الديمقراطية آلهة لا تُسأل عما تفعل. ولهذا فإن الرئيس في النظام الرئاسي يخضع لمحاسبة المجلسين، لأن له سلطة الأمر، وأوامره قد تأتي بالنفع أو بالضرر. أما في النظام البرلماني فيفرض أن تكون أعمال رئيس الجمهورية إمضائية لا يمكن أن ينجم عنها أي ضرر إلا إذا تجاوز حدود صلاحياته.

إن الفرار من المحاسبة قد أدى البلدَ إلى انتشار الفساد وإفلاس الدولة اللبنانية، ولا بد إذن من تضييق مجال الحصانات بجميع انواعها، وتسهيل محاكمة المسؤولين، سواء في محكمة دستورية إذا اتصل الأمر بالقوانين والمراسيم وتنفيذها، أو في محاكم عادية، لكن عليا، إذا ارتكب المسؤولون جرائم وظيفية أو عادية، كالاختلاس، واستغلال أموال الدولة النقدية أو العينية في أمور شخصية، واستغلال المناصب، أو الاعتداء الجسدي أو المعنوي على المواطنين،الخ. ويجب أن تلغى المادة (80) من الدستور التي تنوط محاكمة الرؤساء والوزراء بما سمي المجلس الأعلى؛ فشروط عمل هذا المجلس تتيح منع المحاكمة، وتسمح للجاني بأن يحتال على القانون، أو أن يوقف سير العدل. هذا ويجب أن يكون لمجلس النواب حق مساءلة الرؤساء الثلاثة إذا تجاوزوا حدود صلاحياتهم، وأن يطلب إحالتهم على محكمة عادية عليا إذا ارتكبوا جرماً، كأمرهم لحراسهم أو لبعض الأمنيين أو العسكريين بقمع مظاهرات سلمية بالعنف أو بإطلاق النار عليهم، متجاوزين مجلس الوزراء أو وزيري الدفاع والداخلية.

سادساً: إصلاح القضاء واستقلاله
 إن ذلك يتطلب أن يكون القضاء نزيهاً ومستقلاً ليس لقضاته تبعية لأي من السلطات الأخرى، ولأي من الساسة ورجال الدين وذوي النفوذ؛ ولذلك يجب أن توضع نظم قانونية دقيقة وصريحة يُختار القضاة بمقتضاها، ويرقّون من رتبة إلى رتبة، وينقلون من غرفة إلى غرفة، ومن منطقة إلى أخرى. واللافت أن الدستور اللبناني حين يذكر السلطات يغفل السلطة القضائية، بل هو لا يذكر القضاء بأي كلمة، مع أن الأدبيات السياسية تؤكد أن السلطة القضائية هي السلطة الثالثة بعد السلطتين المشترعة والإجرائية. ولهذا يجب أن يُذكر في مقدمة الدستور أن لبنان دولة قانون يفصل فيها القضاء بين الناس في المنازعات الفردية والمؤسسية؛ كما يجب ذكر هذه السلطة ضمن أحكام الدستور العامة التي تتكلم على السلطات، وربما في فصل مستقل أيضاً. على أن إقرار استقلال السلطة القضائية يجب أن يكون لاحقاً لإصلاحات جذرية في الجسم القضائي تُبعد أَتْباع الساسة وذوي النفوذ عن مراكز القرار، وتُحقق توازناً علمياً وخلقياً فيه.

سابعاً: الخروج من الحالة الطائفية
إن أهم أسباب الفساد والشقاق في لبنان العادات الطائفية التي يُزعم أنها أعراف دستورية فرضها ما سمي الميثاق الوطني، والحقّ أنْ ليس في ذلك الميثاق شيء منها، بل فيه دعوة إلى إلغاء الطائفية، على ما بيناه في مقالة سابقة. وتلك عادات يصعب أن نجد مثيلاً لها في العالم كله، ولاسيما في الدول الحديثة، وحتى في كيان العدو المغتصب المؤسَّس على العنصرية الدينية، ومع ذلك يريد الطائفيون اللبنانيون أن يجعلوا هذه العادات نموذجاً تقتدي به دول الكرة الأرضية كلها، وكأنهم يطبقون المثل العامي الذي معناه :«يا رب قد بلوتني، فابْلُ جميع خلقك». وقد اتفق المجتمعون في مؤتمر الطائف على وجوب إلغاء الطائفية للأسباب التي بيّناها، وأثبتوا ذلك في الدستور اللبناني سنة 1990، سواء في مقدمته، أو في المادة 95 منه التي قضت بإنشاء هيئة وطنية لألغاء الطائفية فور انتخاب مجلس نواب «على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين». وقد انتُخب المجلس على تلك الصورة لكن الطائفيين كانوا أقوى من النص الدستوري، ولاسيما في عهد الرئاسة الأخيرة التي كان همها إلغاء دستور الطائف بالممارسة وتعميق الطائفية، فلم تنشأ هذه الهيئة. والمضحك المبكي أن القصر تساءل يوماً: أين إلغاء الطائفية؟ وكأنه يستنكر التأخر في إلغائها! والأغرب من ذلك أن الطائفيين يتذاكون فيوحون أن إلغاء الطائفية يعني إلغاء المحاكم الشرعية وإقرار الزواج المدني، وبدل الكلام على إلغاء الطائفية يطالبون بالدولة المدنية، يعنون التي يطبق فيها الزواج المدني، وكأن سبب المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية والمالية في لبنان هو قوانين الأحوال الشخصية، لا استشراء فسادٍ تحميه الطائفية.

 إن المطلوب هو الإسراع في تأليف الهيئة الوطنية المشار إليها، على أن يكون أعضاؤها من المستقلين حقاً وغير الطائفيين، ولا التابعين للأحزاب أو المؤسسات أو الزعماء الطائفيين، ومن المشهود لهم بالعلم والخبرة ونظافة الكف والاستقامة والجرأة على مخالفة ذوي السلطة والنفوذ. وقد يكون نافعاً أن يستعان بخبراء من الأمم المتحدة، ومن بعض الدول الحديثة كالمانيا وفرنسا.

النتيجة
هذا ما يحسن تناوله في أي مؤتمر يعقد من أجل لبنان، وليس وضع دستور جديد، ولا  تغيير الجغرافيا والتاريخ، ولا مشاريع تقسيمية، ولا قضايا تمويهية خادعة. إن وحدة لبنان وعروبيته أمران خارج النقاش، وإن عداءه للكيان الصهيوني المغتصب من المسلمات، وإن طرح القضايا الملتبسة التي تُزعم إيجابيتها لن تفضي إلا إلى زيادة الخلافات الوطنية. ويجب أن نذكّر أن لاتفاقِ الطائف قيمةً تاريخية هامة لا قيمة دستوية، ولا يُعتدّ إلا بما دخل منه في الدستور.