هلمّوا لإنقاذ بشار!

عمر قدور
السبت   2021/03/13
هناك، في القصر المطل على جبل قاسيون، قائد لقسم من العسكر والمخابرات والشبيحة بمرتبة رئيس. هو الآن "على الأرجح" متمارض بزعم إصابته بكورونا، لعل الزعم يعفيه مؤقتاً من مسؤولياته إزاء المجاعة التي تنهش محكوميه، بعدما لم تأتِ نصيحته بإلغاء برامج الطبخ من التلفزيون بالنتيجة المرجوة لوقف الجوع. هو لا يكترث بتصديق السوريين قصة مرضه، المهم أن يتظاهر عدد منهم بذلك لعل عدوى التصديق تصيب آخرين، والأهم أن تصل رسالة تمارضه إلى الجهات الخارجية المعنية فتبادر إلى إنقاذه من دائه الحقيقي.

في موازاة التسول العاطفي المبتذل داخل سوريا، قام وزير الخارجية الروسي بجولة خليجية شملت الإمارات والسعودية وقطر، بذل خلالها جهداً واضحاً لتسول الدعم الخليجي المالي لمريضه في دمشق. الاستعداد الإماراتي "غير المشروط" للمساعدة سبق لواشنطن لجمه، والعائق الوحيد أمامه بحسب وزير الخارجية الإماراتي هو قانون قيصر. الرياض جددت موقفها المعروف منذ استقبالها علي مملوك في صيف 2015، عندما اختصرت هاجسها السوري بوجود الميليشيات الإيرانية، ليُضاف إليه لاحقاً هاجس إخراج تركيا. ما بدا أنه تجاوب قطري في الشق الإنساني، بالتعاون مع أنقرة، سيبقى محكوماً بموقف واشنطن إذ يستحيل المضي في برنامج ضخم من المساعدات من دون موافقتها.

مع التحرك الروسي، ازدهر من جديد سوق التكهنات حول الصفقة الممكنة، بما فيها وضع سيناريوهات متفائلة بقرب تنحية بشار وعدم السماح له بتجديد ولايته. لكن، كما نعلم، التمهيد لمثل هذه الصفقة لا يمر عبر العواصم الثلاث، ولا يكون بغياب واشنطن، وفي مناخ من البرود الذي يحكم علاقتها حالياً بموسكو. هذا إذا وافقنا على الافتراض بأن واشنطن وتل أبيب ترغبان في تنحية بشار الآن، وإذا افترضنا وجود رغبة خليجية مشتركة في ذلك.

على العكس من الافتراض السابق، تمدّنا وقائع السنوات العشر الماضية بالنقيض تماماً. أي أنه كلما وصل بشار إلى حالة من الضعف تهدد بسقوطه فُتحت لها منافذ النجاة، بل ظهر كأن أكبر تهديد يوجهه بشار لقوى تناصبه العداء ظاهراً هو الإعلان عن ضعفه وعدم قدرته على الصمود. رأينا ذلك في خريف 2012، عندما أوشكت فصائل معارضة على محاصرة دمشق، لتتدفق الميليشيات الشيعية والحرس الثوري على نحو لا يمكن حدوثه بلا موافقة من تل أبيب وواشنطن. رأيناه لاحقاً، بعد فشل الميليشيات الشيعية وفقدانه ثلثي الأراضي السورية، عندما خرج بشار في خطابه الشهير ليعلن عدم قدرته على السيطرة سوى على قليل من الأراضي، لتأتي ماكينة الإبادة الروسية بموافقة ضمنية من الغرب كله، وبموافقة من بعض دول الخليج، إذا لم نصدق رواية الدعم المالي الذي نالته من إحدى دوله.
 

بين التاريخين السابقين، تابع العالم كله مسرحية التنصل من معاقبة بشار على استخدام السلاح الكيماوي صيف 2013. كان صريحاً آنذاك تلكؤ أوباما في انتظار مخرج من اعتباره استخدام الكيماوي خطاً أحمر، ومن المرجح أنه فعل ذلك على سبيل اللغو في أحسن الأحوال، أو لإعطاء رخصة للقاتل باستخدام ترسانته التقليدية بلا حدود وفق تأويل أكثر واقعية. ثبت فيما قبل الكيماوي وما بعده أن الخط الأحمر الوحيد الحقيقي هو بشار نفسه، وهو استنتاج لا يبقى صالحاً إلى الأبد، بل أكثر ما يصلح له إبقاؤه كوصفة للاستعصاء السوري.

للتذكير، في مناسبتين أو ثلاث رداً على اتهامات غربية بحماية بشار، لمّح مسؤولون روس إلى قدرة الغرب على إسقاطه لو أراد ذلك، فتكون موسكو قد لعبت دور إبليس بتنفيذ المشيئة إذا استلهمنا تعبيراً من اللاهوت. لكن يبقى من مصلحة موسكو مجاراة العالم بالتركيز على أنها حامية بشار الأولى، فهذا ما يمكن تصريفه داخلياً كنجاح للتدخل العسكري في سوريا، وما يمكن تصريفه خارجياً للمطالبة بالثمن متى حانت لحظة المساومة والتسوية.

منذ أُنقِذ بشار عسكرياً تراجع الحديث الأممي عن الحل السياسي، وتُرجم ذلك بعدم الاكتراث بانهيار مسار جنيف، وبعدم تدخل واشنطن في مسار أستانة أو المسار الدستوري المنبثق عن سوتشي. بالطبع، كانت واشنطن تتوقع صدور الاستغاثات من بشار جراء الانهيار المحتم للاقتصاد، أو جراء ما دمّره هو وحلفاؤه من بنية تحتية. قانون قيصر أتى بمثابة تسريع لعملية الانهيار المحتمة، ومن ضمن التسريع عدم السماح بجرعات تسكين قد تأتي من هنا أو هناك.

نظرياً، ليس من خطر مباشر على بشار جراء المجاعة التي أوصل البلاد إليها. مع آلة القمع التي يسيطر عليها، ومع الميليشيات الإيرانية وقوة الإبادة الروسية، من المستحيل بروز مخاطر عسكرية بالمعنى التقليدي. هذا لا يمنع بشكل قاطع حدوث ما لا يمكن توقعه، بأسلوب يصعب توقعه أو التعامل معه، كأن يحدث انفجار لفوضى لا تنجح معها الأساليب المخابراتية والعسكرية المعتادة، وقد يكون هذا هو التحذير الذي حمله لافروف في جولته الخليجية.

على نحو أو آخر، لسان حال لافروف تحت عنوان التحذير من الفوضى والمجهول: هلمّوا لإنقاذ بشار. عسى أن تكون دول الخليج وسيطاً لدى واشنطن المطالَبة بالتراخي في تطبيق عقوباتها، أو الشروع بمنح استثناءات تفرغها من مضمونها. موسكو غير قادرة على إنقاذ بشار اقتصادياً، وهذه الخلاصة تعني فشل تدخلها في تحقيق الاستقرار، لذا تسعى إلى وضع الآخرين أمام "مسؤولياتهم"، أو إلى التذكير بأن المسؤولية عن الوضع السوري الحالي هي مسؤولية مشتركة.

في الأيام الأخيرة نقل إعلام الأسد تظاهرات مواليه الذين شكّلوا بأجسادهم الدعوة له "بالشفاء العاجل"، الأيام المقبلة ستكشف لنا ما إذا كان السعي الروسي سيُقابل بنوايا طيبة تشبه تلك الدعوات لا أكثر، أم أن صدى الاستغاثة سيلقى اهتمام واشنطن. بشار بحاجة حقاً إلى ذلك الترياق الذي ينقذه، لكن لا كما يوحي إعلانه عن المرض، إذ ربما كانت معالجته من كورونا تقتضي أولاً إرغامه على استنشاق الفيروس.