الموت الذي ينمو في العينين

ناي الراعي
الإثنين   2014/04/28
"حداد" للإيرلندي غلوري غالون
إستيقظت مذعورة. حصل؟ لم يحصل. أعيد قراءة رسائلنا الإلكترونية القديمة. أقرر أن أكتب إليك وأخبرك أنني رأيتُ حلماً مزعجاً، كنت أبكي فيه وأرجوك ألا ترحل.. وكنت تبتسم وتردد أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه "لماذا أبكي"، وان "البكاء لا يليق بي". سأكتب لأسألك إن كان سيحصل أن أنتقل أنا للعيش في جنيف، لتتركني وتعود الى نيويورك. أهذا سبب بكائي في الحلم؟ سأكتب لأسألك كل ما لم أسألك، وأقول أنني أحبك كثيراً، وأنك أكثر الناس صبراً علي وتسامحاً مع قلة إعتباري لكثيرٍ من الأمور. 
 
يُقال أن التحضير للمصيبة غالباً ما يخفف من حدّتها. أنا لم أكن جاهزة لما حصل. لا أعتقد أن أحداً كان جاهزاً لما حصل. الناس تمضي عمرها في التحضير لرحيل الأهل. أبي، الذي يتمتع بصحة ممتازة نادراً ما يمرض، لكنني منذ انتقل للعمل في الخارج وكنت أنا لا أزال مراهقة، أقلق عليه. أترقب هذا الإتصال الذي سيأتي لأُمي لينبئها بأن زوجها في المستشفى. أمضيت سنوات طوال في التحضير النفسي للمكروه الذي سيصيبه وهو بعيد. حين كان يعود لتمضية العطل والصيف معنا، كنت أفيق في منتصف الليل، أسترق النظر داخل غرفة والدي لأرى إن كان صدره ما زال يعلو وينخفض لأطمئن. لا أعرف كيف سيكون وضعي يوم يرحل والدي – الذي لا فكرة لديه عن كل هذه الهلوسات، لكنني أعرف أنني بذلتُ جهداً في التحضير لوقع الخبر. أوهمت نفسي بأنني سيطرت على الوضع. أفكر بأنني سأجتاز لحظة الوقوف أمام القبر وفي التعازي بما أن سنّة الحياة أن يدفن الأبناء آباءهم.
 
لكنني منذ مدة وجيزة، وقفت أمام قبر صديقي، وضعت عليه وروداً بيضاء وبكيت. بكيت كثيراً. هذا صديقي نفسه الذي كان سيمسك بيدي يوم أقف أمام قبر والدي. هو الآن تحت التراب. وفي صباح كل يوم جديد، أتيقن أكثر من أنه ما زال هناك، فيما أهيم أنا على وجهي محاولةً العوم في بحر الدم والخيبة الذي هو بيروت. لم أتفق على ذلك معك يا حياة. وكأنك قصدت ان ترديني. أن تثبتي لي انك تستطيعين كسري فضربتني في نقطة ضعفي. لطالما ظنّ نزيه أنني عصية على الكسر. لكنني الآن إنكسرت. وأشعر أن الحالة هذه أبدية. تلقيت ضربة قاضية في قعر قلبي، فأقعدته وحوّلتني الى كتلة قلق شديدة الحساسية.  
 
لا أعرف من أين نبت كل هذا الخوف الذي تكوّر في داخلي، يسير معي كظلي، يطل من فوق رأسي وأنا أمشي، ويبسط غشاوته أمام عينيّ. منذ مدة، آلمتني يدي اليسرى. فجأة، لم أعد أستطيع تحريكها. كدتُ أبكي من الألم. قصدتُ الصيدلية فسألني الصيدلي إن كان ثمة ما يوّترني أو يرهقني. فأجبته بحدّة. لا يعقل أن يكون التوّتر مصدر كل آلام البشر، لا بد أن يكون سبب العلة جسمانياً، ولا دخل للمشاعر بالموضوع. عند عودتي الى البيت مع علبتي دواء بعد حديث متوتر مع صيدلي مصدوم، نظرت الى المرآة لأتأكد من أن المأساة لم تعطني ملامح جديدة، وان فائض الألم الذي لفظه قلبي الى أطرافي لم يغيّر لون جلدي. وان عينيّ لا تشيان بالموت الذي ينمو داخلي.
 
أتذكر كيف كانت كل نقاشاتنا عن لبنان، تبدأ بإستيائي الشديد وإعتذارك المسبق؟ كنت أعرف أن ليس في هذا البلد ما يشبهك، لكنني أردّتُ أن أثبت لنفسي ولك وللبلد نفسه أننا نستطيع شيئاً حيال هذا الواقع. كنتُ أنا، كلما ظهرت لي أحد مكامن البشاعة في بيروت التي أعرف عن ظهر قلب، حوّلتها الى قضية شخصية. أعذرني، لكنني كنت أستاء لأنني، في قعر نفسي، كنتُ أعرف أن فقدانك الأمل ببيروت سيعني عاجلاً ام آجلاً، إستسلامي أنا لإستحالة الحياة فيها.  
 
أذكر يوم عدتَ في العطلة الأولى من غرينوبل، قلت لي إنني بيروتك. وإنني ما يعلقّك بهذه المدينة. علت قيمتي بنظر نفسي حينها. وكنت كلّما أتيت في زيارة الى بيروت، شعرت أنني حققتُ إنجازاً. كنت أعتبر زياراتك القصيرة تلك انتصارات شخصية. ونحن على كل حال لم نلتقِ إلا في لبنان – في بيروت وطرابلس. أبى القدر إلا أن يجمعنا هنا، حيث نحن في حرب متواصلة ضروس مع كل شيء.

أتذكر تلك الإتفاقية التي عقدناها "بين بيروت وغرونوبل"؟ كنا ننتظر عيد ميلادي الأربعين لننتقل للعيش معاً لبقية عمرنا. وقد كنا جديين جداً بخصوص هذه الإتفاقية. كتبنا فيها إننا، حين نبلغ الأربعين، وإن كان كلانا لم يتزوج بعد، سنعقد ما أسميناه "شراكةً مدنية". يومها كتبنا "العقد"، ووقعنا على المستند، واحتفظ كل منّا بنسخة منه. لكنك ترحل يا نزيه، وانا ما زلت بعيدة جداً عن الأربعين، ولم ينصّ في اي من بنود الإتفاقية على ذلك او على كيفية التصرف في هذه الحالة. ماذا الآن؟ أريدك أن تخبرني كيف سأختار رفيقي الذي سيحل مكانك. لن يستطيع أن يحل مكانك أحد. تعلم أنني سأقارن الجميع بك، عمداً وعن وعي، أو ربما أحياناً عن غير قصد، وهذه بدورها عادة ترافقني منذ بداية صداقتنا وطالما نبهتني منها.  كأنك كنت عالماً برحيلك. أنا خائفة  يا نزيه، خائفة على نفسي من الحياة بعدك، ولا أريد سوى فرصة أخيرة لسماع صوتك.
 
أنا أطيل الحديث عنك، أعرف. لكنني اشتقتُ إليك كثيراً ولا أعرف ما أفعل سوى الكتابة إليك وعنك وعن ذكرياتنا. أستطيع أن أكتب الكثير بعد، لكن يدي تؤلمني وقلبي كذلك.