مسيحيو الساحل السوري.. إعادة انتاج الفائض الطقسي

بشار جابر
الأحد   2019/12/22
طقس الميلاد
في ظل أقسى الأوضاع الاقتصادية سوءاً، وأحطها ثقافياً واجتماعياً، تُصعِّد الكنيسة الأرثوذكسية من إشهار وجودها الاجتماعي السياسي في سوريا. حيث شهدت احتفاليات الميلاد المجيد لهذا العام، أحد أهم مراكز الاستقطاب الاجتماعي والسياسي في الداخل السوري واستُتبعت إعلامياً بشكلٍ لافت. وخلافاً لما اعتاده المسيحيون كأفراد، من تزيين بعض أحيائهم وبيوتهم، والاعتراض المتكرر الخجول من الكنيسة على حالات البذخ والتزيين المُكلف. إلا أن العام الحالي والفائت، شهد تغيراً في العملية التعبيرية العامة للمسيحيين، فالكنيسة ومن خلفها النظام السياسي والوجود الروسي المؤثر، يقودان ولادة كيانٍ اجتماعي مسيحي مختلف.

شرعت الكنيسة الأرثوذكسية، على إعادة إنتاج الفائض الطقسي الرمزي لأبناء المنطقة، المتضمّن أصلاً داخل تقاليد الكنيسية الأرثوذكسية، فلا توفر الكنيسة الارثوذكسية، - خاصة في الساحل، أي على مقربة من القاعدة الروسية العسكرية والتواجد الاجتماعي لها -، أي مناسبة دينية رمزية للاحتفال بها رسمياً. وكأنها تقود تياراً لخلق الوجود المسيحي بوصفه وجوداً انفعالياً عاماً، طقوسياً وفنياً فقط، دون محتوى روحي سوي، مرتبط بالضمير الفردي أو الجمعي. حركة طقوسية تستهدف توكيد المسيحيين بوصفهم جماعة احتفالية، من دون ضمير إدراكي لمجتمع ينزف فقراً وبؤساً وتخلفاً. 

وأعادت الكنيسة بناء فرق كشفية استعراضية، لتواكب الاحتفالات الكنسية الرمزية.الاحتفال بعيد قديسة تحمل اسمها كنيسة تاريخية، بات يُشكل حركة احتفالية جمعية، وتغطية إعلامية واسعة. هذه التغطية يُزج الكيان الحكومي فيها بغرابة شديدة، لم يعتدها المسيحيون في حياتهم.

يستتبع هذا أن تُسد الطرقات لمرور موكب كنسي وخلفة جماعة المؤمنين، وأن تصور المواكب والاحتفالات بطريقة حديثة وشديدة التطور. ويُبالغ النظام بإحاطة المسيحيين بآلاف من عناصره الأمنية حينها، موضحاً للمشاهد العام، حالة حماية لا يحتاجها المسيحيون في الأصل. وحينما اقتربت أعياد الميلاد اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات النظام الرسمية، بدعوة عامة إلى المشاركة باحتفالية أعياد الميلاد. ولم يكتف المطران حينها بالحضور وترأس الاحتفال، ووضع أكبر شجرة عيد ميلاد في اللاذقية. بل مُثِّلَ الطاقم الرسمي الحكومي كاملاً بجانب المطران.

وشارك الآلاف من المواطنين في هذه التظاهرة. وبعيداً عن الركاكة التي يمثلها مطران الروم الأرثوذكس في مدينة اللاذقية حينما يتحدث، وعدم امتلاكه أي قدرة معرفية في الخطابة العامة، أو الثقافة الدينية. الحفل خلا من أي بُعد روحي مسيحي لولادة يسوع الذي جاء ليخدم لا ليُخدم. لم تحمل كلمة المطران سوى كلمات ذات سمة شعبوية، على أن "العيد هنا وليس هناك". وأعاد توكيد "وجود العيد في سوريا"، وليس في مكانٍ آخر، ولم يتضح مقصد المطران أبداً من تباين موقع العيد، وأهمية مكان الاحتفال. وقد بدا واضحا من طريقة تصوير الفيديو وإشهاره، ومن طريقة المونتاج التي تُركز على وجود الطاقم الحكومي بجانب المطران وأمام المحتفلين بالشجرة الكبيرة جداً والباذخة الثمن.



 فبعد أن كان الشعور المسيحي العام قائماً على اعتماد الحياد أثناء الثورة على النظام، أو الحرب التي شنها على الشعب، ووجود استثناءات من مواطنين مسيحيين عاديين واجهوا السلطة؛ اختار المسيحيون رسمياً أحد أهم خياراتهم، في المشاركة بالشأن العام والسياسي بوصفهم جماعة. فبعد التدخل الروسي في سوريا، فقد المسيحيون حيادهم، وأعيد تشكيلهم وفق كنائسهم على أن يكونوا جماعة. هذه الجماعة التي تُختزل من محيطها العام، نحو حالة إشهارية تكون فيها الكنيسة متوحدة مع النظام، وكأنها جزء منه، إن لم تكن نصفه الآخر. فأصبح الحياد جُبناً، والإرهاب عدواً واضحاً. فلماذا لا تحتوي الكنيسة السورية عدواً لتتخيله مثل النظام؟ والأهم هو الروسي، الذي لم يتخل يوماً عن خلق هيمنة اجتماعية دينية لحساب حروبه التي أصبحت مقدسة أيضاً.

في هذا السياق، يصل مفتي الجمهورية إلى مطرانية الروم في اللاذقية، ولا يبدو الحديث الروحي موضوعاً بين الرجلين، بقدر ما يبدو أنه تشكيل لنخبة دينية ذات فاعلية اجتماعية لا مفر منها. فلا يملك مواطنو سوريا سوى الانخراط في مشروع الجماعة الدينية، التي تدمج الفرد، وتدفعه للاعتراف بأهليتها للقيام بمهامه وتمثيل مصالحه.


 خُلق هذه الكيان المسيحي حديثاً، منذ وصول المسيحي الروسي. لكن شروط هذا الخلق تشكيل الجماعة النشطة، التي يُمكن التأثير عليها وصنعها دوماً. وتقييد الأفراد فيها ضمن الجماعة التي تتحدد مجالات الأفراد فيها من الأعلى. فتخلي الفرد عن أنانيته المواطنية، وحقوقه المأمول فيها يبدو حتمياً وواجباً. فهو لا ينتمي إلى كيان يُحتمل فيه لأنانيته ومصلحته أن تبدو نشطة ومطلوبة في ظل وطن متعدد للجميع. بقدر ما تظهر وفق جماعة لها رأس يحددها، ويصنع لها طابعا رمزياً تُشاركه فيه سلطة ديكتاتورية هائلة الوحشية والظلم، ويقف خلفها محتل امبراطوري كهنوتي ممثلاً بروسيا الأرثوذكسية. أما آلاف المسيحيين المشردين جراء الحرب، والفقراء المعوزين، فهم ينظرون لآنيتهم السياسية والاجتماعية والبؤس الذي يعيشون فيه، بوصفهم فقراء وبلا كرامة العيش والمسكن والحلم ببلاد عادلة، جراء ذهنية الكنيسة المستجدة، التي دفعت لمهرجاناتها واحتفالاتها ملايين الدولارات، وتركت آلاف المسيحيين عرضة للجوع والذل والبؤس ومن دون أي رعاية. ولهذا السلب نحو الجماعة، ادماج للفرد المسيحي للقيام بمهمة محددة، انصهاره الإيجابي في الجماعة، وتنازل عن مواطنيته وحقوقها، لصالح وجود مسيحي ظاهري بخس روحياً واجتماعياً. تتخيل الجماعة نوعاً من الوجود المُحكم، والمتماهي مع سلطة منتصرة، مع وجود أخ أكبر مسيحي روسي يدعم وجوداً قوياً متخيلاً، يضاف إليه صفة القهر للآخر.


وإذا كانت الكنيسة ومواقفها قبل الثورة تدور في وسط حياد الفعل، والاكتفاء بدور الرعايا، فإن النظام إرضاء للروس نجح في جعلها كياناً كنسياً اجتماعياً إيثارياً. الكنيسة تنازلت بالدور السياسي الذي تحاول لعبه، عن أدنى مقومات التمثيل الروحي. فحتى الاحتفالات تبدو بذلاً من بذخ، من أجل صورة تُنقل لأوروبا وتُرضي الحليف الروسي. وحتى ما كان شائعاً في سوريا، عن محاولات المسيحيين إثبات وجودهم بإطلاق النار في الأعياد بات أمراً مضحكاً، فالمسيحيون اليوم يعتاشون على حالة نمطية من الفخر بالذات، في التوحد بالسلطة، والتماثل بسلوكها. هنا عودة لتاريخ ليس ببعيد عن الكنيسة الأرثوذكسية إبان القرن التاسع عشر، حينما حاول العثمانيون إثر المسألة الشرقية إعطاءهم حقوق المواطنة الكاملة ورفضوها، بعد الضغط الأوروبي على الآستانة، وطلبوا أن يبقوا كرعايا لتحييدهم عن أي انفتاح على المجتمع. أما الآن فيعودون لدرجة أخرى من الفعالية، في أن يكونوا موجودين أكثر وفق السلطة وبجانبها، ليكونوا متحكمين وقاهرين للغير.


فالمواطنة والحقوق وقيمة الفرد، تبدو قيماً لا تحتملها الكنيسة، اللجوء لتماهٍ مع قتلة منتصرين يبدو أفضل. التطور الوحيد هو أن الجماعة المسيحية اليوم تبدو أكثر ثقلاً وأكثر وجوداً، لا بقيمة الروح، ولا مفاهيم المسيح، بل في سلطة لا تُمانع لجماعة أن تفرح وتُهرج فرحاً، بينما يموت مواطنوها جوعاً، لكن ما يكفيهم أن تبدو الشعوذة الاحتفالية دليلاً لوجودٍ ثري لا يملك أي مستقبل لبلاد أفضل.