الحركة"البقائية":أغنياء أميركا يستعدون لسقوط النظام!

دانيال ويلكوفسكي
الجمعة   2020/03/27
© Getty
يحمل فيروس كورونا المستجد أضراراً كبيرة على حياة الدول الاقتصادية والاجتماعية، بدأت تظهر بوضوح في المشهد الأميركي مؤخراً، ناهيك عن ضحايا المرض الرئيسيين. ويتوقع الخبراء الاقتصاديون فقدان أكثر من خمسة ملايين مواطن أميركي عمله قبل نهاية السنة الحالية، وأكبر المتضررين أصحاب الدخل المحدود، الذين باتوا يقلقون على تأمين قوت يومهم ودفع الإيجار.
ولن ينجو ميسورو الحال من الخسارة، فتنخفض قيمة استثماراتهم في البورصة انخفاضاً لم تشهد البلاد مثله منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008. وعلى الصعيد الاجتماعي، يزيد مكوث العائلة داخل البيت، من دون خروج أفرادها للعمل أو الدراسة أو الترفيه. الحالة النفسية العامة تزداد سوءاً وتعقيداً.
في ظل هذه المؤشرات الخطيرة ثبتت صحة المثل العربي: مصائب قوم عند قوم فوائد.
إذ سجّلت بعض الشركات الأميركية أرباحاً كبيرة في الفترة الأخيرة، مثل شركة جلعاد للعلوم التي تنتج دواءً تجريبياً لمعالجة كورونا. كذلك ساهم تفشي الفيروس في صعود حركة فكرية تسمّى ب"البقائية"، وكانت تُعتبر متشددة وموضع تهكم المجتمع الأميركي في الماضي القريب.
الحركة البقائية غير منظمة وليس لديها مؤسسات أو قواعد تضبط أتباعها، الذين يطلقون على أنفسهم اسم "البقائيين" أو "المعدين". يتدرب هؤلاء على المهارات اللازمة للبقاء على قيد الحياة، في حال انهار النظام الأميركي بشكل كامل وتألّب المجتمع على بعضه البعض، وتشمل هذه المهارات الصيد والزراعة والإسعاف الأولي والدفاع عن النفس وغيرها، كما يحرص البقائي على تخزين كميات كبيرة من المواد الأساسية في بيته تحسباً لنهاية الحضارة الأميركية.
اتخاذ بعض الإجراءات الاحتياطية، مثل تخزين كمية من المواد الأساسية تكفي لمدة شهر، أمر عقلاني جداً وقد أثبتت ذلك تجربة الحجر المنزلي في زمن كورونا. ولكن ما يميّز البقائي هو قناعته بالسقوط الوشيك والكامل للدولة، ما يضطره إلى عيش حياته بالطريقة التي تتناسب مع هذا السيناريو البعيد الاحتمال.
وبالإضافة إلى التدرب على المهارات البقائية، يشتري أجهزة تنقية مياه، ومولدات كهرباء، ودراجة نارية لسهولة التنقل بها وتوفيرها البنزين، والسلاح والذخيرة، وقد ينتقل إلى منطقة تتوفر فيها سبل العيش والحماية، والمكان المفضّل عند البقائيين هو شمال غرب الولايات المتحدة لأراضيها الجبلية الواسعة، ومصادر مياهها الكثيرة، وقوانينها اللينة في مجال اقتناء السلاح، التي تسهّل بناء ترسانة شخصية في البيت.
القارئ، وخصوصاً الذي عاش تجربة الحرب أو انهيار النظام في بلده، قد ينظر إلى البقائية كأنها حركة فكرية منطقية. ولكن عليه أن يأخذ في الحسبان أنه لا يوجد أي مؤشرات الآن تشير الى قرب سقوط النظام الأميركي، بل تتصف الحياة السياسية الأميركية، مع وجود مشاكلها الكثيرة، بالتداول السلمي للسلطة حسب رغبة المصوتين، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات الرئيسية، وكل هذه العوامل تعزز الاستقرار. بينما يكمن الخطر الحقيقي على النظام الأميركي في تقويض هذه الركائز الوطنية تدريجياً، من خلال انتشار الفساد وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
لذلك لا تعبّر البقائية عن هشاشة النظام الأميركي بقدر ما تكشف هواجس الفرد البقائي الشخصية. البقائي هو الذي يخاف من انهيار قيمة العملة، ما يؤدي إلى إدخال المجتمع في حالة فوضى، لذلك يخزّن كميات كبيرة من قطعة الخمس قروش لاعتقاده أن التركيبة المعدنية لهذه القطعة بالذات ستجعلها ثمينة عند نهاية الحضارة الأميركية. ربما يعاني هذا النوع من البقائي من ضغوط مالية في حياته اليومية. والبقائي هو الذي يخاف من هجوم كيماوي شامل، لذلك يشتري بزات واقية وحبوباً ضد الإشعاع، وربما تشكّل الهموم الصحية مصدر قلق له عادة. والبقائي هو الملتزم بدينه المسيحي التزاماً شديداً، الذي يؤمن بقرب قيام الساعة، يضم التحضير الروحي إلى المادي في قائمة تجهيزاته ليوم القيامة.
للحركة البقائية أشكال متعددة، لكن الفئة التي تمتلك النفوذ الأكبر هي البقائيون المليارديرات، أكثرهم أصحاب شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون.
قيّم ريد هوفمان، المؤسس المشترك لموقع "لينكد إن" الضخم، أن أكثر من نصف المليارديرات في وادي السيليكون قد اشتروا الملاجئ، إمّا في منطقة نائية في أميركا أو في بلد آخر، خوفاً من نهاية الحضارة الأميركية، حسبما قال لمجلة "نيويوركر" عام 2017. "مروحيتي دائماً فيها بنزين، وعندي قبو محصّن تحت الأرض يعمل على نظام تنقية الهواء" صرّح صاحب بنك استثماري في المقال نفسه.
هاجس البقائيين المليارديرات هو ثورة الطبقة الكادحة عليهم لسببين: الأول تطويرهم الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يحل محل المواطنين العاديين تدريجياً في سوق العمل، وأبرز مثال على ذلك بداية ظهور السيارات ذاتية القيادة في المشهد الأميركي، ما يهدّد لقمة عيش سائقي سيارات الأجرة والشاحنات وعائلاتهم. والسبب الثاني زيادة تفاوت الثروة بين الطبقة الثرية وبين عامة الناس، الذي وصل الى درجات خيالية وبات يسبب استياءً شعبياً واسعاً.
وإذا كان التطور التكنولوجي أمر حتمي، فهناك حلول تخفف من آثاره السلبية، مثلا توفير التدريب المهني لمساعدة الناس على تغيير مهنهم قبل أن يفقدوها. ولكن بدلاً من ذلك، يمعن البقائيون المليارديرات في التجهيزات لإنقاذ أنفسهم في حال سقط النظام الأميركي، كما لا يهتمون بمعالجة أزمة تفاوت الثروة، متجاهلين أن أعمالهم وأرباحهم هي مصدر المشاكل التي يخافون منها.
"مبيعاتها كل أسبوع تساوي مبيعات شهر"، صرّح مؤخراً صاحب شركة مختصة في المستلزمات البقائية لموقع "ويرد" تعليقاً على إقبال الناس على بضاعته في ظل انتشار كورونا. حاله هذا التاجر هو حال أصحاب الشركات المماثلة. تزداد شعبية البقائية مع كل كارثة تصيب الولايات المتحدة، ويبدو أن أزمة كورونا ستدفع المزيد من المواطنين إلى حضن هذه الحركة الفكرية، التي تفضّل الاستعداد لسقوط البلاد، على المساهمة في حل عيوبها.