أسماء الأسد خلف تحجيم رامي مخلوف؟

وجيه حداد
السبت   2019/09/07
(انترنت)
منذ الإعلان عن شفائها من مرض السرطان، بدأت "السيدة الأولى" أسماء الأسد، بتعزيز موقعها السلطوي ضمن العائلة الحاكمة في سوريا، وبدأت الأنباء تتسرب عن دور لها في تحجيم منافسين لها في العائلة، ويبدو أن رامي مخلوف هو أحدهم. إلا أن دور أسماء الأخرس، يبدو أكثر عمقاً من الظاهر.

ففي الوقت الذي استقبلت فيه طلاب "الاولمبياد العلمي السوري" كنوع من التكريم لهم، تبدو الصورة ناقصة والخبر الحقيقي في مكان آخر. إذ باتت الاشاعات تقول إن وزير التربية عماد العزب، المدعوم من أسماء، هو المرشح الأوفر حظاً لتسلم رئاسة مجلس الوزراء، عوضاً عن عماد خميس، الذي استنفذت حكومته وفق المنطق الأسدي كل أسباب بقائها، والمؤجل تغييرها إلى الزمن المناسب وفق أجندة النظام.

ولوهلة بدا في ربيع العام 2019، أن حكومة خميس قد انتهى دورها، عندما فتح معظم أعضاء مجلس الشعب، فجأة، النار عليها دفعة واحدة، بمن فيهم البعثيون. ويدل ذلك على إشارة أمنية مركزية. وسبق ذلك انتقادات حادة، وجهها والد أسماء الأسد؛ فواز الأخرس، لحكومة خميس، خلال إحدى ندوات الجمعية البريطانية السورية الذي يترأسها شخصياً. لكن اجتماعاً عقده بشار الأسد مع أعضاء الحكومة بعد أيام من انتقادات مجلس الشعب لحكومة خميس، كان كافياً لنسف فكرة التغيير الوزاري السريع، ما أعاد المجلس إلى صمته العميق. الحديث عن تعيين العزب رئيساً لمجلس الوزراء، عاد مؤخراً كإشاعة قوية في دمشق.

اللافت في الأمر، ليس موضوع تغيير الحكومة الذي لا يتعدى الطابع الإجرائي البحت المتمثل بتغيير أسماء الوزراء، وإنما دخول أسماء الأسد إلى قائمة صانعي رؤساء الحكومة في سوريا، عبر دعمها الشخصي له، وإعداده وترقيته في السلم الوظيفي ووضعه على قائمة المرشحين للمنصب.

فالعزب كان قد مرّ برئاسة "الهيئة الوطنية للاولمبياد العلمي" و"هيئة التميز والإبداع"، قبل أن يتسلم وزارة التربية بمباركة أسماء. "الاولمبياد" كان قد ضم في صفوفه حافظ بشار الأسد، وكريم بشار الأسد، ما جعل اهتمام أسماء بالهيئة ورئيسها، أمراً مباشراً وشخصياً.

تأهيل أسماء الأسد لعماد العزب، وتداول اسمه كبديل محتمل عن خميس، لا يعني وجود نية عاجلة لدى النظام بتغيير الحكومة، وقد لا يحصل العزب رسميا على المنصب في حال جرى التغيير، لكنه يشير إلى تنامي نفوذ أسماء التي باتت على ما يبدو، مع اقتراب الحرب السورية من عامها التاسع، أحد المقررين في تفاصيل السياسة الداخلية.

ورغم عدم امتلاكها لأي منصب رسمي سوى كونها زوجة الرئيس، فإن رئاستها وإدارتها لعدد من الجمعيات المصنفة بالخيرية والتنموية، وأهمها "الأمانة السورية للتنمية"، شكلت لها القناع اليومي لظهورها المكثفة، وغطت على النقص الواضح في ظهور زوجها إعلامياً والكافي لإثارة الكثير من ردود الفعل السلبية.

وحرصت أسماء الأسد منذ تبدل الموازين السياسية والميدانية لصالح النظام بفعل التدخل الروسي، على تكثيف ظهورها الإعلامي، بشكل شبه يومي، ولم تنقطع عنه حتى في أوج أزمتها الصحية، مستغلة جميع الأنشطة ذات الطابع الإنساني كزيارة جرحى الجيش ومصابيه واستقبال ذوي القتلى وأصحاب الاحتياجات الخاصة ورعاية أنشطة الطفولة والمرأة واستقبال المتفوقين في الدراسة، وغيرها من الفعاليات الاجتماعية والإنسانية. كما استغلت صورها أثناء العلاج. وليس من قبيل المصادفة، أن يأتي هذا التكثيف الشديد لظهور أسماء الإعلامي، فقط بعد موت أنيسة مخلوف، والدة بشار، مطلع العام 2016.

وما بين المعلن رسمياً في الصحافة عن نشاطها الإنساني، وبين نشاطها الفعلي في الكواليس، تعزز أسماء موقعها الشخصي ونفوذها عبر إمساكها بالكثير من مفاصل الدولة السورية من خلال وضع المقربين منها والمحسوبين عليها في مواقع حساسة  وإعدادهم لتسلم مناصب مستقبلية. إعادة هيكلة إدارة "جميعة البستان الخيرية"، ووضع شخص مقرب من أسماء على رأسها، يأتي ربما على حساب ابن الخال القوي؛ رامي مخلوف.

تغلغل نفوذ أسماء الشخصي، يأتي بالتوازي مع مد سلطتها إلى عالم الإعلام، وربط العديد من الأسماء الصحافية والمواقع الإعلامية بها مباشرة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لتلك الجهات والأسماء.

ولا يمكن فهم تنامي نفوذها من منطق التعارض مع سلطات زوجها أو على حسابه، وإنما في معرض الألعاب العميقة الخاصة بالنظام بشكل عام، والعائلة بشكل خاص، وتحديدا ضمن الفرع المراد تأصيله واستمرار العمل على تحضيره للتوريث، خاصة بعد الاطمئنان النسبي على وضع النظام وزوال الخطر المباشر عليه.

وتنسجم هذه الرؤية مع تنامي ظهورها في المناسبات العائلية، على ما تتردد الأنباء، وكذلك ظهور أولادها وابتداع المناسبات الخاصة بهم وإبرازهم كمتفوقين، أو مميزين مؤهلين. ويؤكد هذا المنحى ما ذكره ابنها البكر حافظ بشار الأسد، في إحدى مقابلاته الصحافية عن تبدل اهتماماته من غير راغب في السياسة إلى مهتم فيها بسبب الظروف التي تمر فيها البلاد.

النفوذ السياسي لأسماء الأسد، ليس طارئاً في السياسة الأسدية، وليس عاماً أيضاً. فلا تكتسب نساء العائلة الأسدية الحاكمة النفوذ الاستثنائي، بمعناه السياسي، من كونهن مجرد زوجات أو أمهات للحاكم، أو حتى بنات الحاكم كما في حالة شقيقة الرئيس بشرى، وإنما لكونهن حاضنات وحارسات لعملية التوريث، والحريصات على استمرار الفرع المحدد. في هذا السياق، كان لناعسة العجوز الثمانينية الدور المعنوي في كبح صراع الأخوين في اللقاء الشهير بين حافظ ورفعت بحضورها. كما كان لأنيسة، لاحقاً الدور الواضح في تقوية نفوذ آل مخلوف الذي استخدمته كرصيد لقمع مطامح الطامعين بالسلطة أثناء توريث بشار، بمن فيهم أفراد العائلة الأسدية الآخرين، وحصرها في أولادها.

وفي هذا السياق، تدخل أسماء الأسد حلبة الفعل السياسي كحارس مؤتمن على مستقبل الوراثة العائلي للسلطة، فوحدهن حاضنات التوريث في عائلة الأسد مسموح لهن بالنفوذ السياسي الفعلي في المشهد السوري، فيما يقتصر نفوذ باقي نساء العائلة على هامش النفوذ العادي، من واسطة وفساد وامتيازات مادية.

الخلاف المحتمل بين رامي  مخلوف وبشار الأسد، أو أقله توظيف الإشاعة واستثمارها من قبل النظام، يندرج في انتهاء الوظيفة السياسية لآل مخلوف، وربما حصرها بالبعد المالي والاقتصادي. ويبدو أنه يترافق مع ابتداء حقبة أسماء الأسد. ليس من الصدفة أيضاً، أن التحقيقات الفعلية تتركز على أنشطة "جمعية البستان الخيرية"، التي تشكل منافساً للمجال العلني الذي تتحرك فيه أسماء الأسد شعبياً وإعلامياً.