العصور الحجرية تعود إلى بلدات المرج في الغوطة

منتصر أبو زيد
الأحد   2018/11/18
مقاتلون من "جيش الإسلام" خلال معارك على جبهة المرج (المدن - أرشيف)
يعيش أهالي بلدات المرج شرقي الغوطة حياةً أشبه بحياة الكهوف، بعد سماح ميليشيات النظام لهم بالعودة إلى قراهم المعفّشة لأول مرة منذ سيطرتها على المنطقة مطلع عام 2013، وتركها خالية من السكان.

نسبة الذين عادوا إلى بلداتهم لا تتجاوز 10 في المئة من عدد السكان الإجمالي، وهم بضع عائلات كانت محاصرة وفرّت من جحيم الغوطة خلال الحملة العسكرية عليها في مارس/آذار الماضي إلى مراكز الإيواء.

أهالي تلك البلدات الذين كانوا يعيشون في مناطق سيطرة النظام تريثوا بالعودة، إذا لم يألفوا الحياة في هذه الظروف القاسية وفقدان كافة متطلبات الحياة، وظلوا يترقبون عن بعد وعود النظام بإعادة تأهيل البنى التحتية.

محافظة ريف دمشق أشركت بلدات المرج بانتخابات الإدارة المحلية والبلديات، على سبيل إعادة الحياة إلى طبيعتها، إلا أنه لم يكن شغل هذه المقاعد متاحاً للجميع، حيث فرضت الأجهزة الأمنية تعيين أعضاء المجالس البلدية حصراً من الذين كانوا يعيشون في مناطق سيطرة النظام. ومن المفارقات باشر معظم أعضاء المجالس البلدية أعمالهم قبل عودة المهجرين.

الأهالي العائدون من مراكز الإيواء شعروا أنهم انتقلوا من حياة الحصار في الغوطة إلى حياة العصور الحجرية، بسبب تعفيش ميليشيات النظام المنازل والأحياء السكنية والبنى التحتية وتركها أثراً بعد عين، إذ تعد حياة الحصار في مدن القطاع الأوسط بالغوطة رغم المصاعب، أفضل بكثير من الوضع الجديد، لأن إقامتهم كانت في منازل بمعناها الحقيقي ويتوفر فيها الأثاث والأدوات المنزلية.


لم تكتف المليشيات بسرقة الأثاث المنزلي والأبواب والكابلات النحاسية، إنما تعدت سرقاتها إلى قطع الاشجار وقص أعمدة الكهرباء وسرقة أغطية فتحات الصرف الصحي من الشوارع.

الأهالي وقفوا عاجزين في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة، وانعدام وجود البنى التحتية وتقصير حكومة النظام بإعادة تأهيل المرافق العامة المنهوبة، فلا يتوفر في المنطقة كهرباء ولا ماء ولا شبكات اتصالات، ما دفع الأهالي إلى استخدام الطرق البديلة لتأمين لوازم حياتهم اليومية مثلما كانوا يفعلون خلال سنوات الحصار، وعادوا لشحن مدخرات الطاقة للحصول على الإنارة، وفي أحسن الأحوال ألواح الطاقة الشمسية أو أدوات توليد الكهرباء المبتكرة يدوياً.

وللوصول إلى شبكات الاتصالات، عاد الأهالي إلى استخدام أغطية الطناجر الموجهة التي استخدمت خلال حصار الغوطة، أو الصعود إلى أسطح المنازل، والحاجة لتعبئة الرصيد قد تدفع الناس إلى قطع مسافة 15 كيلومتراً للوصول إلى المناطق المحاذية للمطار، والتي لا تزال تعيش حياة طبيعية.

عدم توفر شبكات المياه واستحالة استخدام المضخات في الوقت الراهن، دفع الناس إلى حفر الآبار، للحصول على الماء بالدلو واستخدام هذه المياه السطحية للشرب والنظافة معاً، فيما أفران الخبز غير متوفرة في المنطقة، بعدما دمرتها طائرات النظام سابقاً. وقلما تباع ربطات الخبز في المنطقة  بسبب بعدها عن مدينة دمشق، ما دفع الناس إلى صناعة الخبز اليدوي باستخدام الصاج أو التنّور الطيني.

وتنتشر الحواجز الأمنية في القرى وعلى الطرقات الواصلة بينها، ويبلغ متوسط عدد الحواجز في كل قرية أربعة حواجز، وتختلف تبعية الحواجز للأفرع الأمنية والتشكيلات العسكرية،  وتجبر المارّة على إبراز بطاقاتهم الشخصية ومنها من يقوم بالتفييش الأمني. ولا زالت تعتبر المنطقة عسكرية ويمنع تحرك الناس ليلاً.

أما المواصلات العامة، فهي معدومة تماماً ويعاني الناس من صعوبات في التنقل، خاصة عند التوجه إلى مدينة دمشق، إذا يتوجب الوصول إلى البلدات القريبة من طريق المطار لاستخدام المواصلات الرسمية.

معظم مدارس المنطقة مدمرة أو معفشة من الاثاث، وتم افتتاح مدرسة واحدة في بعض القرى وجُمع في الصف الواحد تلاميذ بأعمار متفاوتة بسبب قلة عدد الطلاب وعدم توفر الكوادر التدريسية.

من الناحية الصحية، لا يوجد في المنطقة مرافق طبية، فجميع المستوصفات مدمرة ومستشفى النشابية الوحيد في المنطقة تم تدميره بالبراميل المتفجرة عام 2016، وتحركات سيارات الهلال الأحمر الخجولة لا يمكن أن تغطي احتياجات أهالي المنطقة، لا سيما الحالات الإسعافية الطارئة.

ويواجه السكان بطالة خانقة  وانعداماً في مصادر الكسب، خصوصاً وأن غالبية الموظفين الحكوميين فقدوا وظائفهم خلال سنوات الحصار، ولم يبق على رأس عمله إلا قلة ممن عادوا إلى منازلهم من مناطق سيطرة النظام السابقة؛ أما الفلاحين فقد خسروا أشجارهم وأدواتهم الزراعية خلال عمليات التعفيش، ويعمل بعضهم كعمال مياومين في القرى المحاذية لمطار دمشق الدولي والتي لم تتأثر بأحداث الثورة.

ومن أهم الأسباب التي تعيق حركة السكان بشكل عام وأعمال الفلاحين بشكل خاص الألغام المتفجرة التي زرعها حزب الله خلال عملياته العسكرية في المنطقة، إضافةً إلى السواتر الترابية التي لا زالت تقطع أوصال المنطقة حتى الآن.

ولا تزال الألغام في مساعات واسعة، أهمها منطقة ميدعا - ضمير، التي كانت طريقاً لتسلل عناصر المعارضة إلى القلمون الشرقي بين 2013- 2015، كما تنتشر الالغام على أطراف سكة القطار التي كانت خطاً فاصلاً مع المعارضة على طول بلدات السكا ونولة ودير سلمان والبلالية والقاسمية  والبحارية وميدعا، وأيضاً في مزارع مرج السلطان وحرستا القنطرة ومنطقة الفضائية السورية، وأراضي بلدة العبادة من جهتي الفروسية وتل حمّار. ولم ينزع حزب الله الألغام المزروعة في المنطقة عند انسحابه منها عام 2017 بعد تسليمها للنظام، الذي اكتفى بتحذير الأهالي من الاقتراب من هذه المنطقة حتى أجل غير مسمى.

وتعتبر منطقة المرج البوابة الشرقية للغوطة، وكانت تعدّ شريان التذخير الرئيس لها، وبدأت ميليشيات النظام حصار الغوطة بسيطرتها عليها عام 2013، انطلاقاً من بلدة حران العواميد، ثم بلدات العتيبة والعبادة والجربا والبحارية فأطبقت الطوق على الغوطة تماماً.

ولمنطقة المرج أهمية استراتيجية حيث تمتد بين مطار دمشق الدولي ومطار الضمير العسكري، وفيها مطار مرج السلطان المروحي والمطار الاحتياطي، بالإضافة إلى مركز بث لقناة الفضائية السورية، وعدد كبير من الثكنات العسكرية بمختلف الاختصاصات.

وفي المرج مركز الفروسية الذي اعتمده حزب الله معسكراً رئيسياً وقاعدة لإدارة عملياته العسكرية في الغوطة خلال تواجده فيها، نظراً لوجوده في النسق الخلفي للعمليات العسكرية، ولاحتوائه على عدد كبير من الشقق السكنية والهنغارات الواسعة الصالحة لتبييت العتاد العسكري وإخفائه عن الاستطلاع الجوي.