بعد التوحد والانفصال: "الزنكي" في مواجهة "تحرير الشام"

عقيل حسين
الأربعاء   2017/09/13
الزنكي فصيل يسعى الجميع إلى كسبه، أو على الأقل، لعدم خسارته وجعله عدواً (انترنت)
صحيح أن انشقاق "حركة نور الدين زنكي" عن "هيئة تحرير الشام" مع بداية هجوم الأخيرة على "حركة أحرار الشام الإسلامية"، منتصف تموز/يوليو، لم يكن له أي تأثير على نتيجة المواجهة عسكرياً، إلا أنه وجّه ضربة لـ"الهيئة" لا يمكن تجاهلها، عدا عن نتائجه وانعكاساته السلبية على العلاقة بين الفصيلين. ولهذا السبب توقع الكثيرون منذ ذلك الوقت، وعلى نطاق واسع، أن تكون المواجهة القادمة بين "الهيئة" و"الزنكي".

تصريحات القيادي في "حركة نور الدين زنكي" حسام ابراهيم الأطرش، الذي كان عضواً في "مجلس شورى هيئة تحرير الشام"، كانت زلزالاً كبيراً، اتضح تأثيره على "الهيئة" التي استنفرت كل طاقاتها الإعلامية للرد، خاصة بعد سلسلة تسجيلات صوتية تم تسريبها لقادة عسكريين وأمنيين في "الهيئة" عززت من مضمون تصريحات الأطرش، التي رأى فيها الكثيرون لحظة صدورها، بمثابة إعلان حرب وقطع لكل طرق العودة.

ما من تفاصيل كثيرة تتضمنها سلسلة تغريدات القيادي في "الزنكي"، التي نشرها في "تويتر" بصيغة شهادة عن الفترة التي كانت فيها "الحركة" جزءاً من "هيئة تحرير الشام". وليس بين الاتهامات التي ساقها ضد قادة "الهيئة"، وخاصة كتلة "جبهة فتح الشام" ما هو غير مسبوق. وباستثناء كشفه عن حصول "الجبهة" على مبلغ مئة مليون دولار مقابل توقيعها على ما بات يعرف بـ"اتفاقية المدن الخمس"، فإن أهمية ما تبقى من "الشهادة" تنبع فقط في كونها صادرة عن طرف يفترض أنه يتجاوز في اتهاماته، بحكم وجوده السابق في "الهيئة"، مستوى التكهن والاستنتاجات، إلى مستوى التأكيد، وإن لم يقدم الدليل.

فالحديث عن علاقة تنظيم "القاعدة" بإيران، وسعي قيادة "جبهة النصرة" إلى الاستفادة منها وتعزيزها، هو حديث قديم يتجدد من قبل خصوم "التنظيم" في كل مناسبة. كما أن هيمنة أبو محمد الجولاني، ومجموعته من قيادة "الجبهة"، على القرار في "هيئة تحرير الشام" لا يعتبر كشفاً، مع وصول الجميع تقريباً إلى القناعة بذلك. بل أن اتهام قادة التنظيم بالمجمل، والجولاني شخصياً، بالعمالة لاجهزة الاستخبارات الدولية، أصبح روتينياً. وإن وُجِد من يهتم بالرد على تلك التصريحات من قيادات "تحرير الشام"، فذلك فقط لأن حسام الأطرش ذكر اسماءً، ونسب إليها اعترافات وأقوال من أجل تعزيز روايته.

إشارة الأطرش إلى صورية "المجلس الشرعي" في "هيئة تحرير الشام"، واستخدام القادة المهيمنين فيها لشعار "تطبيق الشريعة" وسيلة من أجل السيطرة وتحقيق أهدافهم، ما كان ليعتبر شيئاً يستحق الوقوف عنده، فضلاً عن أن تستنفر "الهيئة" كل طاقاتها الإعلامية من أجل الرد عليه، لولا التسجيلات الصوتية التي تم تسريبها من داخل "الهيئة" بالتزامن مع نشر الأطرش لشهادته، والتي تظهر استخفاف قادة عسكريين وأمنيين بالمرجعية الشرعية للهيئة، والتهجم اللفظي على اسماء بعينها، على خلفية معارضة العديد من أعضاء "المجلس الشرعي" هجوم "الهيئة" على "حركة أحرار الشام" في تموز/يونيو. وكان مجمل ما تريد قوله هذه التسجيلات: "على المشايخ أن يكونوا في خدمة القادة والتنظيم، أو أن يكون مصيرهم السجن أو الخروج من الهيئة".

الردّ الأقوى والشامل على شهادة حسام الأطرش، جاء من رئيس "المجلس الشرعي" في "هيئة تحرير الشام" عبد الرحيم عطون، الذي اعتبر أن ما جاء على لسان الأطرش إما ملفق أو مختلق، من أجل تشويه صورة "الهيئة" ورجالاتها، رافضاً دعوة الأخير إلى "المباهلة على صحة ما قاله"، وداعياً إياه إلى محكمة يقدم فيه الأدلة على ما ادعاه.

ومثل شهادة الأطرش، لم يقدم عطون في تعليقه عليها ما هو جديد أيضاً، لكن اللافت في المقال المطول الذي نشره عطون في "تليغرام"، رداً على تصريحات الأطرش، هو اللهجة الهادئة والخطاب الذي لم يخرج، رغم ما فيه من حسم، عن اللغة الديبلوماسية. فكان واضحاً حضور العبارات المنتقاة، وغياب أي تهجم انفعالي، إلى درجة يمكن القول إنه، وعلى عكس الشهادة التي كانت مليئة بالتحدي والتهجم، كان رداً تصالحي اللهجة، وبشكل لافت للنظر.

مثل هذه اللهجة، لم تكن "هيئة تحرير الشام" قد استخدمتها من قبل مع أي من خصومها، الذين تعاملت معهم في خطابها الإعلامي من منطلق القوة والحق المطلق، حتى عندما كان يستخدم هؤلاء الخصوم من الفصائل الأخرى لغة التودد، ويقدمون التنازلات التي لم تعف أكثرهم في النهاية من بطشها. الأمر الذي يجعل من السؤال عن سر هذه المعاملة الخاصة لـ"حركة نور الدين زنكي"، رغم كل ما شاب العلاقة بينهما من توتر خلال أقل من شهرين، سؤالاً جديراً بالطرح، حتى وإن كانت الإجابات عليه معلومة للكثيرين.

فعلى عكس جميع فصائل الجيش الحر والمعارضة العسكرية في الشمال، برزت "الزنكي" كفصيل منظم بشكل كبير، بفضل وجود خبرات فنية وتكنوقراطية متخصصة، في المجالات السياسية والعسكرية والإدارية، تخضع لقيادة متماسكة، لم تعرف الانقسام أو الخلافات إلا ما ندر، على الأقل في العلن، وعلى رأس هذه القيادة، مؤسس "الحركة" وقائدها الدائم الشيخ توفيق شهاب الدين. الأمر الذي انعكس انضباطاً داخلياً منقطع النظير على صعيد الكوادر والتشكيلات، إلى الحد الذي لم يسجل في صفوفها أي انشقاقات تذكر، على الرغم من الظروف القاسية التي مرت بها "الحركة" مادياً، بسبب انقطاع الدعم والتمويل عنها، وخاصة في الفترة التي سبقت انضمامها إلى "هيئة تحرير الشام"، وهو التحالف الرابع الذي تخرج منه "الزنكي" خلال خمس سنوات.

فمن "جبهة الأصالة والتنمية" 2012-2013، إلى "تجمع فاستقم كما أمرت" في العام التالي، وصولاً إلى "الجبهة الشامية" في العام 2015، سلسلة من التحولات وتغيير الاصطفاف، ظلت رغم ذلك مقبولة لدى الجمهور طالما أنها تدور في فضاء "الجيش الحر". وذلك قبل أن يشكل تحالف "الزنكي" مع "جبهة فتح الشام" والقوى الجهادية الأخرى "هيئة تحرير الشام" صدمة كبيرة، لكنه مع ذلك، لم يؤثر على تماسك بيت "الحركة" الداخلي، الذي بقي صلباً خلف خيارات قيادتها، حتى وهي تغادر هذا التحالف أيضاً.

وكما أثارت شهادة حسام الأطرش الأخيرة حول "تحرير الشام" وأسباب الخروج منها ضجة إعلامية كبيرة، فإن شهادة القيادي نفسه حول دوافع الانضمام لـ"الهيئة"، نهاية كانون الثاني/يناير 2017 كانت قد أثارت ضجة مماثلة مع كشفه حينها رفض جميع الفصائل الأخرى مطالب "الزنكي" بالتوحد والاندماج، بما فيها "حركة أحرار الشام". وقال الأطرش حينها: "إن قيادة الزنكي لم تترك تنازلاً إلا وقدمته من أجل ذلك"، لكن من دون أن تحظى مساعيها بالقبول".

تلك "الشهادة" على ما احتوته من تفاصيل، وما كشفته من وقائع، عانت في ذلك الوقت من ثغرة أخلاقية، إن صح التعبير، إذ جاءت متزامنة مع قضاء "جبهة تحرير الشام/النصرة" على خمسة من فصائل الجيش الحر في الشمال. العملية التي اتُهِمَت الزنكي وبقوة بالمشاركة فيها، قبل الإعلان عن تأسيس "هيئة تحرير الشام". لكن الأهم على الإطلاق، كان قيام "الزنكي" بمساعدة مقاتلي "الجبهة" على تدمير فصيل "تجمع فاستقم كما أمرت" في مدينة حلب، في أوج الحصار الذي كان مفروضاً على المدينة، وفي ذروة هجوم النظام وحلفائه عليها، قبل سقوطها بالفعل خلال أيام نهاية العام 2016.

أمر لم يكن من السهل تبريره أو نسيانه على ما يبدو حتى الآن، رغم كل الخطوات السريعة والمكثفة التي اتخذتها "حركة نور الدين زنكي" خلال الأسابيع الماضية التي أعقبت خروجها من "هيئة تحرير الشام". فـ"الزنكي" أعادت اعتمادها علم الثورة، وتبنيها للمظاهرات الشعبية في مناطق سيطرتها في ريف حلب الغربي، واستضافتها لشخصيات وناشطين بارزين، واستعادة خطاب الثورة في تصريحات قادتها، الذين سجل أكثرهم تماهياً مغرقاً مع خطاب التيار الجهادي، حتى في الفترة التي سبقت دخولهم "هيئة تحرير الشام"، وعلى الرغم أيضاً من الترحيب الواضح بانفصالها عن "الهيئة" من قبل التيار الثوري الوطني.

ولعل أبرز ما يمكن الإشارة إليه بخصوص عدم قدرة "الزنكي" على إصلاح كل شيء حتى الآن، هو الموقف المتشكك أو الهجومي الذي واجه به البعض قرارها الأخير بالخروج من "الهيئة"، وكذلك تعليقاً على تصريحات القيادي فيها حسام الأطرش، الذي اُعتبر من جانب أصحاب هذا الموقف، مجرد خطوة انتهازية أخرى، وتبريراً لخطأ لا يمكن تناسيه.

القيادي في "تجمع فاستقم كما أمرت" المهندس ملهم عكيدي، اعتبر في هذا الصدد "أن ‏من يقرأ كلام حسام الأطرش يظن أن قيادات ‫الزنكي مجموعة من الدراويش الذين انساقوا وراء خطاب الجولاني، ثم تفاجأوا بجرائمه وكذبه" بينما هم شركاء له في بعض ما قام به.‬
وذكّر العكيدي بهذا الصدد بالعديد من الحوادث التي تؤكد كلامه، لكنه مع ذلك، شدد على أن هذا لا يعني مساواة "الزنكي" بـ"جبهة فتح الشام" في المعايير الثورية.

والواقع، أنه مهما كان حجم العداء بين "حركة نور الدين زنكي" وأي طرف في المعارضة، فإنها تبقى، بما تمثله من ثقل عسكري وقوة منظمة وقبول اجتماعي في المناطق التي تنتشر فيها، فصيلاً يسعى الجميع إلى كسبه، أو على الأقل، لعدم خسارته وجعله عدواً. وهو ما يجمع عليه تيارا المعارضة؛ الثوري والجهادي. وهو أمر تدركه قيادة "الزنكي" بطبيعة الحال، ومن هنا تعرف أنها تستطيع أن تجد لها مكاناً وترحيباً في كل مرة مهما ابتعدت أو خاصمت.

وعليه، فقد مثلت مبادرة "المجلس الإسلامي السوري" لتشكيل "جيش وطني موحد" من فصائل الثورة، يتبع لوزارة الدفاع في حكومة المعارضة المؤقتة، فرصة للجانبين من أجل إعادة المياه بينهما إلى مجاريها، أي بين التيار الثوري وبين "حركة نور الدين زنكي"، التي سارعت لتأييد "المبادرة" بعد طرحها فوراً، على الرغم من أن هناك من قرأ في هذه الموافقة العاجلة، محاولة للهيمنة على المبادرة، أكثر منه سعياً لإعادة تقديم أوراق اعتمادها لدى التيار الثوري. وإلا كيف يمكن فهم هذا التحول السريع، من تأييد مبادرة "هيئة تحرير الشام" لتشكيل إدارة مدنية في المناطق المحررة، إلى تأييد مبادرة "المجلس الإسلامي" المعاكسة تماماً؟.

سؤال يطرحه أصحاب هذه القراءة، وفيه وجاهة، خاصة إذا ما كانت الإجابة عليه تقوم على فرضية أن "الزنكي" تعرف تماماً أنها مع مبادرة "تحرير الشام" ستكون الطرف المُهيمن، بينما في المبادرة الثانية، فستكون شريكاً أساسياً على أقل تقدير، ناهيك عن تعزيز موقفها بمواجهة احتمال سعي "تحرير الشام" للقضاء على "الحركة" في أي وقت. وهو الأمر الذي لاحت بوادره أكثر من مرة منذ خروجها من "الهيئة" في الأمس القريب.

توتران على الأقل شهدتهما العلاقة بين "هيئة تحرير الشام" و"حركة نور الدين زنكي" خلال الأسابيع السبعة المنصرمة؛ الأول في اقتحام "الهيئة" لأحد مستودعات الصواريخ التابعة لـ"الزنكي" في ريف حلب الغربي أواخر تموز/يوليو، والثاني في المواجهات بين منتسبي الفصيلين في قرية تلعادة من ريف إدلب، والتي سقط فيها ضحايا من الطرفين. الجانبان تمكنا من احتواء الموقف، مرتين، وهو أمر لم يكن ليحصل بالتأكيد لولا معرفة كل منهما بأن الطرف الآخر ليس سهلاً. وعليه، فإنه مهما كانت الآراء في تحولات "الزنكي" وتغيير اصطفافاتها باستمرار، فهذه الأراء تبقى استنتاجات وتقديرات، بينما الحقيقة الثابتة هي أن "الحركة" تمثل رقماً صعباً جداً في المعادلة السورية، يسعى الجميع للظفر به.