واشنطن تنتزع سوريا من موسكو

حسين عبد الحسين
الإثنين   2017/05/22
Getty ©
للمرة الخامسة على الأقل منذ تدخلها العسكري في سوريا، في خريف 2015، تعلن روسيا أنها أحكمت إقفال المجال الجوي لسوريا، فتخترقه الولايات المتحدة او إسرائيل. عندما تخترق صواريخ أميركا او مقاتلاتها المجال الجوي السوري، ترفع روسيا صوتها بالادانة، يلي ذلك عادة إعلان روسي عن إقفال نهائي، اتضح أنه وهمي، للاجواء السورية. أما عندما تغير المقاتلات الاسرائيلية على أهداف داخل سوريا، تعلو أصوات مسؤولي نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالإدانة والتوعد برد لم يأت منذ اربعة عقود.


كما دمشق، موسكو تثرثر. في مؤتمر أستانة، أعلنت موسكو اقامة مناطق "خفض تصعيد"، وأصرّ المسؤولون الروس أنهم اقفلوا المجال الجوي السوري أمام المقاتلات الاميركية. لم تكترث أميركا لما قالته روسيا.

ووسط شلل البيت الابيض بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تولى قيادة القوة العسكرية الاميركية وزير الدفاع جايمس ماتيس، الذي كان ساهم، اثناء عمله قائداً للمنطقة الوسطى للجيش الاميركي، في تعزيز التحالف الاميركي مع كل الميليشيات الكردية، عراقية، سورية أم تركية، المصنفة منها ارهابية وغير المصنفة.

وزارة الدفاع الاميركية كانت أعلنت انها ستتوقف عن اذاعة عديد قواتها البرية في العراق وسوريا؛ والآن، بعيداً عن الاضواء، يبدو أن ماتيس قرر أيضاً فرض منطقة حظر جوي وبري يمتد من قاعدة التنف على الحدود السورية الشرقية مع الاردن والعراق، إلى بلدة عين العرب/كوباني على الحدود السورية الشمالية مع تركيا. هذه المنطقة الاميركية - الكردية الآمنة هدفها قسم قوتين تتصارعان على رقعة تمتد من من شرق دجلة الى غرب الفرات: القوة الشيعية ونظيرتها السنية.

بقسم القوة الشيعية، تكسر الولايات المتحدة "الهلال الشيعي" العتيد الممتد من طهران الى بغداد، فدمشق وبيروت. أما بقسم القوة السنية، فتمهد أميركا لحلفائها الاكراد للانقضاض على تنظيم "الدولة الاسلامية" في الرقة وديرالزور وباقي شمال سوريا الشرقي، وتسمح لحلفائها الشيعة بانهاء "داعش" في الموصل ومناطق غرب الفرات العراقية.

تنبهت طهران إلى نوايا واشنطن العسكرية، وحاولت ان تمتحن جدية الاميركيين، فأرسلت ميليشيات شيعية برية، وأرسل الأسد طائرة استطلاع سوخوي روسية فوق الاجواء الكردية التي تحميها أميركا. طردت المقاتلات الاميركية سوخوي الأسد من الاجواء السورية التي اقفلتها، ورافقتها الى المنطقة المسموح للأسد والروس التحليق فوقها. ثم حذّرت المقاتلات الاميركية القوات الشيعية البرية بالتحليق فوقها على علو منخفض، ولما لم تذعن الاخيرة وتنسحب، دمرتها القوة الجوية الاميركية عن بكرة أبيها.

بسبب المتاعب والفضائح التي يعاني منها ترامب داخلياً، تبدو الولايات المتحدة وكأنها خسرت توازنها عالمياً. لكن ضعف ترامب أطلق فعلياً ايدي الجنرالات التي كان قيّدها سلفه باراك أوباما القوي. هكذا، انقلبت الصورة تماماً في واشنطن من رئيس يثرثر ولا يفعل، هو أوباما، الى رئيس دفعته أميته الى الصمت والى تسليم دفة السياسة الاميركية الخارجية الى وزير دفاعه، الذكي والحازم.

وكما انقلبت الصورة في واشنطن، كذلك انقلب الوضع الروسي، فروسيا في زمن أوباما كانت صورتها مهزوزة مع انها كانت تمسك بالأرض السورية، فأصبحت في زمن ترامب تبدو قوية وممسكة بترامب، بالتزامن مع صعود القوة الاميركية وامساكها فعلياً بالارض السورية، أو على الأقل بالاراضي السورية التي تعتبرها الولايات المتحدة ذات أهمية استراتيجية لها او لحلفائها. هذه الاراضي السورية هي وادي الفرات، حسبما أشرنا أعلاه، والاراضي المحاذية للمنطقة العازلة بين سوريا وهضبة الجولان السورية التي تحتلها اسرائيل.

فعليا، انتزعت واشنطن، التي تنهكها فضائح الداخل، المبادرة من موسكو، التي اعتقدت انها انتصرت بوصول ترامب للرئاسة. والانتصار الاميركي على الروس لا يعني تلقائياً فوز المعارضين السوريين على الأسد، بل يعني أن انتصار أميركا هو انتصار لأكراد سوريا، وفي الغالب انتصار اسرائيل، خصوصاً إذا ما نجحت أميركا في طرد الميليشيات الموالية لايران من سوريا، وهزيمة "داعش"، والابقاء على الأسد ضعيفاً يحكم دويلته، وهو هدف يراود مخيلة الاسرائيليين منذ سنوات.

أما الخاسرين، فهم الذين سيواصلون حربهم المدمرة داخل رقعة سورية أصبحت أصغر من ذي قبل. ومع القضاء على "داعش" واقامة منطقة أميركية كردية آمنة، سيتقلص في الغالب الاهتمام العالمي بالارهاب في سوريا، وستصبح الحرب السورية عبثية أكثر فأكثر، ومرتبطة بغرور شخص وأوهام طوائف.