آخر تحديث:12:29(بيروت)
الأربعاء 17/05/2017
share

المؤتمر الأدبي: مهمة استنساخ كارلوس فوينتس!

سامر مختار | الأربعاء 17/05/2017
شارك المقال :
  • 0

المؤتمر الأدبي: مهمة استنساخ كارلوس فوينتس! سيزار آيرا: "فلتنزع عن عينيك نقاب الأحلام (وهو جوهر الحقيقة) لتعيش على ايفريست اللحظة"
كيف تعرف أن الروائي الذي تقرأ له حكَّاء ماهر؟ لعلَّ أحد الأسباب الواضحة والبسيطة؛ هي كيف ينحت الكاتب صوته أو صوت الراوي، أو ضمير المتكلم داخل القصة. أي أن تشعر أن شبح الكاتب فوق رأسك، يسرد لكَ حكايته بصوته. لكن في الوقت نفسه، وعند الانتهاء من قراءة روايته، قد ترغب في أن تحكي قصة الرواية لأحد أصدقائك، فتشعر أنك غير قادر على سرد القصة بنَفَس تأثرك بقراءتها، فتقول لهم: حكاية القصة شفهيًا على لساني لن تعجبكم، يجب أن تقرأوها بأنفسكم، وعندها تدرك معنى أن تكون لديك تلك المهارة، بأن تحكي كما لو أنك تكتب، وأن تكتب كما لو أنك تحكي، عندها فقط تدرك حرفية الكاتب الذي تقرأ له. والكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا (1949) يُعدّ من هذا النوع من الروائيين، فروايته المؤتمر الأدبي(*) تعكس هذه القدرة والسلاسة في السرد، هذا إذا ما أضفنا الحسّ الساخر الذي يتمتع به.

تدور أحداث "المؤتمر الأدبي" في فنزويلا، في أثناء زيارته الأخيرة لها، إثر دعوته إلى مؤتمر أدبي سيقام في مدينة "ميريدا". تأخر الكاتب على موعد الطائرة التي ستقله إلى تلك المدينة، ما يتيح له فرصة المرور ببلدة "ماكوتو"، وهي "إحدى البلدات الواقعة على طول الساحل، والمنتشرة تحت أقدام العاصمة كراكاس"، وهناك سيكتشف ما يطلق عليه "خطّ ماكوتو" وهو"إحدى عجائب الدنيا. كنز قديم تركه أحد القراصنة المجهولين (…) وفقًا للأسطورة، فقد صُمِّم الخطُّ لحماية الكنز من الغرق في قاع البحر (…) كان الجهاز بسيطًا بدهاء، فقد كان اسمه "خطّ" أي مجرّد خيط. وهو في الواقع حبلٌ مصنوع من الألياف الطبيعية، يمتد ثلاث يارادات فوق سطح ماء البركة المجاورة لشاطئ ماكوتو".

لكن الكاتب سينهي قصة "خطّ ماكوتو" من الفصل الأول، بعد أن يعترف للقارئ أنه استطاع أن يحلَّ لغز الكنز، واستخراجه. "هذا الخطّ، هذا القوس المشدود منذ قرون، أطلقَ سهمه أخيرًا، واضعًا عند قدميّ الكنز الغارق، جاعلًا مني رجلًا ثريًا في لحظات. كانت لهذه النقطة فائدة عمليّة كبيرة، فأنا رجل فقيرٌ من يوم وُلدت، وخصيصًا في الفترة الأخيرة، بعدما عشتُ سنة كاملة في حالة كساد اقتصادي".

ينجح سيزار آيرا في إرباك قارئه، وإقحامه في عمل روائي مفتوح على أسئلة كثيرة، منذ الفصل الأول. إذ إن ما يمكن أن ينتاب قارئ "المؤتمر الأدبي"، هو الإحساس بأن الكاتب لم يخترع من خياله مكانًا صالحًا لسرد ما هو غرائبي، بقدر ما حملته المصادفة - وهي دعوته إلى مؤتمر أدبي في فنزويلا - وتعثره بأسطورة كان قد قرأ عنها، لكنها اليوم حقيقة تتمثل أمام عينيه. والإشارة إلى حلّ اللغز والعثور على الكنز، في عمقها، تشكل رؤية سيزار للحياة وانعكاسها في الكتابة الأدبية، وهي كما يقول في روايته بأن "تنزع عن عينيك نقاب الأحلام (وهو جوهر الحقيقة)، لتعيش اللحظة في ذروتها، لتعيش على ايفريست اللحظة".

سيعلن الكاتب/ الراوي في أثناء استكماله لسرد قصته، ورحلته إلى حضور المؤتمر الأدبي، عن اشتغاله بمهنة أخرى غير الكتابة، سيزعم أنه عالِمٌ يُجري اختبارات وتجارب حول استنساخ الخلايا، وعنده نوايا جدّية في السيطرة على العالم، من خلال استنساخ "إنسان كامل"، وبعد تفكير وتأمل، سيقرر بأن يستنسخ "نجم مشهور! عبقريٌّ معروف ومُحتفى به، نستنسخ منه عبقريًا آخر"، وسينظف "دبّورة صغيرة" لتأخذ عينة من جسم هذا العبقريّ. وسيقع اختيار سيزار/العالِم؛ على الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس: "في الحقيقة لم ألبِّ الدعوة لحضور المؤتمر الأدبي في ميريدا، إلا بعدما تأكدتُ من حضوره للمؤتمر"، ستنجح الدبّورة من أخذ عينة من كارلوس فوينتس، ليضعها عالِمنا في آلة الاستنساخ، وانتظار النتيجة.

عند هذا الحدث الكبير – استنساخ كارلوس فوينتس آخر – سيأخذ العمل مجرى بعكس توقعات قارئ، لن يحمل هذا التماسك الذي حمله النصّ، وترابط الأفكار – رغم الحفاظ على سلاسة السّرد – في البداية وحتى منتصف الرواية. كانت هناك محاولة لخلق قصص ثانوية، كقصص الحب العابرة، ومسرحية الكاتب التي سيمثلها طلاب ضمن أنشطة المؤتمر الأدبي، والتي لم تكن تحوم حول الحدث الأهم أو منسجمة بشكل أو بآخر معه. وقد تُشعر القارئ بعدم جدواها، وربما لن تشعر القارئ بالزخم الذي أحدثته في البداية.

النتائج التي ستظهر في النهاية من العينة/الخلية المأخوذة كارلوس فوينتس، ستكون مخالفة للتوقعات التي ينتظرها سيزار، إذ يكتشف أن الدبّورة لم تأخذ عيّنة من جسم كارلوس فوينتس، بل من ربطة عنقه الزرقاء المصنوعة من الحرير! وهكذا تصحو المدينة على عدد هائل من الديدان، لونها أزرق برّاق. يُعلق الكاتب على ما حدث: "الآن أرى كل شيء بوضوح: خلية الحرير تحتوي على الحمض النووي للدودة التي أنتجته، وآلة الاستنساخ قامت بوظيفتها بنجاح تام، فهي لم تفعل غير قراءة الشيفرة الوراثية وإعادة نسخها، وها نحن نشهد النتائج المنطقية. هذه الوحوش الزرقاء ليست أكثرَ ولا أقلّ من ديدان قزّ مستنسخة، وإن كانت قد تضخمت إلى هذا الحجم غير المعقول، فذلك لأنني – ببساطة – تركتُ آلة الاستنساخ تعمل على زرّ العَملَقة".

ربما السؤال الذي سيظل يشغل القارئ في النهاية، ماذا لو تمت عملية الاستنساخ بنجاح، وسيطر على العالم جيش من نسخ لا حصر لها من شخص كارلوس فوينتس؟ هل سيقول كما قال سيزار: يا لها من عظَمة أدبية عملاقة، مدمّرة وخطيرة، يمكن إنتاجها عن طريق الاستنساخ؟!


(*) رواية "المؤتمر الأدبي"، للكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا، صادرة عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع – تونس 2017. وهي أوّل رواية لآيرا تترجم إلى العربية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها