آخر تحديث:13:04(بيروت)
الأربعاء 07/12/2016
share

"رسائل أنسي الحاج الى غادة السمان"... ضجيج البوح

محمد حجيري | الأربعاء 07/12/2016
شارك المقال :
  • 0

"رسائل أنسي الحاج الى غادة السمان"... ضجيج البوح غادة السمان في الخمسينات
ترددتُ في البداية في شراء كتيب "رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان" من معرض الكتاب. رأيت الكتيب بشكله المتقشف في جناح دار الطليعة، تذكرت رسائلها الى غسان كنفاني وما حملته من تعليقات ومقالات بلغت المئات، رأيت الكتب ولم أهتم. قلتُ في ذهني، ما جدوى الانغماس في متابعة الرموز الأدبية والفنية والجدل حولها، هناك أمور أفضل في الحياة، هناك كتب كثيرة ينبغي إعطاؤها وقتاً، في زمن هجمة "فايسبوك". ولم يكد يمرّ يوم حتى حصل الطوفان الفايسبوكي حول الرسائل السبع (وهي ليس تسع رسائل كما ورد في إحدى الصحف) من أنسي الى غادة. الطوفان نفسه حصل حول فيروز قبل أيام، بعد منع بث أغانيها في كافتيريا الجامعة اللبنانية، وقبلها حول سمر يزبك وزياد الرحباني وصادق جلال العظم والكثير من الشخصيات المعروفة. وتفاوتت التعليقات حول "رسائل أنسي" بين المديح والسخرية والاستهجان والشتم والتهكم والادعاء والسخافة والجعدنة والتفلسف والحماقة والمحاكمة الأخلاقية. بل إن الرسائل فتحت باب النميمة على مصراعيه على حد تعبير إحدى الصديقات.

يوم نشرت غادة السمان رسائلها الى الكاتب غسان كنفاني، قيل إنها تحطم أسطورة "الكاتب الثوري"، تخرجه من كادر الصورة المثالية. وكان الاعتراض الأبرز أنها آذت آني كنفاني، زوجة الراحل، مع التذكير بأن غسان كنفاني كان من لحم ودم وليس كهنوتياً. قيل إنه كتب رواية عن مباغي شارع الحمراء، لم تنشر، حرصاً على صورته المرتبطة بالقضية الفلسطينية في بُعدها الأممي. ومع نشرها رسائل أنسي الحاج كان السؤال البارز لبعضهم "هل يجوز الجَهر بالسرّ؟ هل يجوز انتهاك الخصوصية؟" مع بعض الاستنتاجات "لو كان أنسي الحاج موجوداً لرفض نشر الرسائل"، و"هذا تجاوز للخصوصيات"، و"ما فعلته السمان خيانة للموتى"، والكثير من التعليقات ننشرها (في الأسفل) من دون أن ندخل في نقاشها الآن، فهي تنقل صورة ما ما يجري.

لا أدري إن كان نشر رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان (تحتاج إلى قراءة أدبية في مقال خاص) يستأهل كل هذا الضجيج الفايسبوكي وتأويل المشهد بطريقة غرائبية من بعض الشعراء والكتّاب والقرّاء. لا أعتقد أن الرسائل تحمل بُعداً أكثر من انها رسائل أدبية شخصية تنتمي الى مرحلة غابرة وآفلة ويمكن توصيفها بنصوص مجهولة للشاعر الراحل، لا تبتعد عن شعره ونثره المعروفين، وتكشف جانباً من شخصية أنسي الحاج. من يتابع هذا الشاعر في حوارته وكتاباته ونقده وشعره، ومن يعرفه شخصياً، يجد أنها امتداد لما يكتب. فهو، وإن كان يبعث الرسائل الحميمة "السرية" الى صاحبة "كوابيس بيروت"، ففي الوقت نفسه أرسل بعض الرسائل بشكل علني، وقد سبب "مشاكل" لا نريد الدخول في تفاصيلها. حتى في أشعاره، هناك إعلان حب وتولّه، والأوساط الثقافية تعرف ذلك، وتعرف تكوين شخصية الحاج التي تراوحت بين اعلان "الخجل" مرات و"الفجور" مرات أخرى.

وإذا اردنا تقييم نصوص الرسائل، انطلاقاً من شخصية أنسي الحاج وحوراته، فنلاحظ أن جوهرها هلامي. فيمكن إزالة اسم غادة السمان ليظهر كأنه يخاطب امرأة بالمطلق، المرأة لأجل المرأة، مثلما تخاطب أم كلثوم حبيباً هلامياً سرمدياً. فأنسي المتفجع دوماً على رحيل والدته في زمن مبكر، يخاطب غادة كأنها الإله وهو "معبود المرأة" بأشكال مختلفة. في أكثر من نص وحوار، تغنّى أنسي الحاج بأنه أمضى حياته بين المرأة والحرية، أما الكثير من المعترضين على نشر الرسائل، فأحسب أنهم (أمام الرسائل والغرام)، فجأة انتقلوا من موقع الأدباء الذين يتغنون بالفردية، الى موقع الواعظين الاجتماعيين وثقافة العيب، مع التذكير بأن الكثير من المعلقين في "فايسبوك" لديهم مشكلة مع غادة السمان بحد ذاتها، التي تتجرأ في نشر الرسائل وهذا أمر جيد، لكن يا حبذا لو تنشر سيرتها عن تلك المرحلة.

وغادة التي لم تنشر أي صورة جديدة لها منذ سنوات، تكتفي بإبراز صورها القديمة كأنها باقية هناك في الزمن القديم، حتى في الأدب فتبدو شبه متقاعدة، وإن كانت تكتب في جريدة "القدس العربي"... وفي مسارها، يمكن توقُع الكثير من "الخفايا" المعلنة التي تثير فضول الجمهور، من صورتها في منطقة الروشة مع الموسيقار بليغ حمدي، الى قصتها مع الصحافي ناصر الدين النشاشيبي...

المهم القول باختصار، لا شيء يدعو الى الضجيج، لنقرأ الرسائل بهدوء ونتأمل حياتنا ومراهقتنا، فكل شخص لديه تجربته... ولا شيء يثبت بعد رحيل أنسي الحاج، أنه أحب غادة السمان حباً أفلاطونياًن وإن كان في نصه يظهر هيامه وتولهه. لم تبُح غادة السمان بشكل العلاقة، وإن كانت تبدو أقرب الى العابرة بحكم تاريخ الرسائل. وجلّ ما تقوله غادة إنهما كانا يلتقيان في مقاهي بيروت "المنقرضة": "كنا نلتقي كل يوم تقريباً في مقهى الهورس شو - الحمرا أو مقهى الدولتشي فيتا والديبلومات - الروشة أو مقهى الأنكل سام ..."، ولم تكتب غادة توضيحاً لمسار الرسائل وكيف كانت تصلها، ولماذا يكتب لها الرسائل طالما انهما يلتقيان في المقهى. أبقت الأمور في دائرة الالتباس ووضعت بعض الهوامش تشرح الورق الذي كتب عليه أنسي وهو الدفاتر المدرسية، الى جانب هامش عن أنماط كانت سائدة في مقاهي الستينات. "الجلوس على انفراد كان شبه متعذر في مقاهي المثقفين هذه، إذ ما يكاد يرانا من يعرفنا حتى ينضم الى مائدتنا دونما استئذان كجزء من تقاليد تلك المقاهي"... تبدو الرسائل ناقصة من دون قصتها، أنسي الحاج رحل ولم يكتب، وغادة السمان اقتصر فعلها على نشر وثيقة ربما هرباً من البوح بمشاعرها، وتظهر جزءاً من أنانيتها، وربما تظهر شغفها بالرسائل...

اعترض كثيرون على نشر الرسائل لأنها تتعلق بأنسي الحاج. حقهم في ابداء الرأي والتعليق والاستنكار وتوصيف شكل الحب. لكن هل يتذكر أحدهم ماذا فعلت إحدى مقالات أنسي الحاج عن فيروز ذات مرة؟ ماذا لو كان أنسي الحاج أوروبياً؟ هل سنشهد هذا الكم من التعليقات الاعتباطية؟ ماذا لو ان أنسي أصدر الرسائل؟ بعض الشعراء والكتّاب العرب يتابعون بشغف أي جملة تصدر عن حياة رامبو أو كافكا، لكنهم يرتبكون أمام أنسي الحاج؟ أنسي الحاج الذي كان يتبنى المدراس الادبية الأوروبية من السريالية وغيرها، في جانب من حياته لم يكن بعيداً منها، كان يعبد "المرأة والحرية"، فلماذا كل الضجيج والاستهجان؟
مختصر مفيد: ما زال أدب البوح يثير الضجيج!


بعض ردود الأفعال الفايسبوكية:


جبور الدويهي (روائي لبناني): كأنّي بمستنكري نشر رسائل أنسي الحاج الى غادة السمّان (وهم محقّون في استنكارهم) يصنّفونه فوق الشبهات (الوقوع في غرام "عادي" مثلاً) كجزء من "الميتولوجيا" اللبنانية التي ساهم في الترويج لها.


وديع سعادة (شاعر لبناني): عملتُ مع أنسي الحاج سنوات، في "النهار" و"النهار العربي والدولي" في باريس وفي بيروت، وبحسب معرفتي العميقة به أؤكد أنه لو كان حياً لكان حتماً سيرفض نشر رسائله إلى غادة السمان. فهذه رسائل خاصة وشخصية وليست ملكاً للجميع، وكان عليك يا غادة أن تحترمي هذه الخصوصية ورغبة أنسي بالتحديد. لو كانت هذه الرسائل تتطرق إلى قضايا أدبية لشفع بكِ نشرها يا غادة، أما أن تنشري هذه الرسائل لتقولي فقط أن أنسي كان مغرماً بك فليس ذلك لائقاً.


عيسى مخلوف (شاعر) لماذا ننتظر موت العاشق لننشر رسائله؟ لماذا لا ننشرها وهو حيّ، نستشيره في الموضوع، وإذا رفض، ننشرها رغماً عنه، ونرى ما سيكون ردّ فعله؟

هل كان أنسي الحاج سقطَ في جُبّ الرسائل لو عرف أنّ عواطفه الحميمة ستُنشَر يوماً على حبل الغسيل؟ لو عرف غسّان كنفاني أيضاً وآخرون قد يأتي دورهم؟

تتساءل آن بنجو بعد أن نشرت رسائل فرنسوا ميتران الموجّهة إليها: "هل أحسنتُ التصرّف أم لا؟" (أي أنها نشرتها وهي لا تزال في حيرة من أمرها)... هل راودت هذه الحيرة غادة السمّان وهل تساءلت عن الفائدة من نشرها؟ هل فكّرت أيضاً في نشر رسائلها؟

هل كلّ ما يُكتَب يُنشَر؟

آن بنجو واجهتها أسئلة عدّة، منها ما يتعلَّق  بالجانب الأخلاقي والقانوني: "هل يجوز الجَهر بالسرّ؟" و"هل الرسائل مُلك المُرسَل إليه أم أنها مُلك ورثة المُرسِل؟"

ونحن، قّراء هذه الرسائل، أيّ دور هو دورنا وقد أصبحنا، على غفلة منا، كالمتلصّصين من شقوق الأبواب؟ نسعى إلى تقليب الحروف والكلمات لعلّنا نلمح فخذاً عارية من هنا أو شفاهاً ملتهبة من هناك... وهكذا بدل أن يكون الكاتب هو الذي يستعمل الكلمات، تصبح الكلمات هي التي تستعمله، حتى بعد موته.


رنا زيد (شاعرة): غادة السمان، وصمة عار على المشاعر، شخص مخبول، لا يمتلك أي ذوق أو حس إنساني، ونموذج شخصاني مكرور للمرأة العربية الغبية. مشاعر أنسي الأحادية، نمت، في شكل هائل من الأسى وبفردية قاتلة، لأنها لم تعطه ذرة حب، وتستطيع ببساطة، الآن، أن تنتظر موته، لتكتب عن ترجيه وتنشر ضعفه؛ لو أنها أقامت ليالٍ طويلة معه، من الجنس، ليالٍ غير متوقفة، من الجنس والحب والتوق والرغبة والتشظي، ثم نشرت تلك الخصوصية، لكنتُ احترمتها، لكنَّها تدعي العفة والقداسة، حين تنشر مثل هذا التوق الأحادي، والإدعاء أنها المرأة العذراء نصياً، المرأة غير الممتلكة، إنها تقوم بابتزاز مشاعرنا، لتشعر أنها مرغوبة، سحقاً لها كم هي عفنة من داخلها!


منى وفيق (كاتبة): الكثير من الأصدقاء علّقوا على نشر"غادة السمان" لرسائل "أنسي الحاج" إليها و قبلها رسائل "غسان كنفاني"، أغلب التعليقات هاجمت نشرها للرسائل خصوصا بعد وفاة أصحابها ، هنا تعليقي:

لماذ لم يفكّر أحد أنّ نشرها للرسائل نوع من النّدم المتأخّر أو الحبّ الممتنّ المتأخّر ( لا أحد يختار أن يحبّ أو لا يحبّ شخصا يحبّه، لا أحد لا يتمنّى ألا يحب شخصا أحبّه فعلا، لا أحد لم يحاول جادّا أن يبادل من عَشقه عِشقه!)

حتى لو كان نشر غادة للرسائل بسبب إفلاس عاطفيّ أو أدبيّ أو حتى لإشعال حضورها الذي خَفت، هذا يعني أنها بحاجة لأن تشعر بالحب، بحبّها لنفسها، بحبّ من حولها لها، حتى بِحبّ من رحلوا ولم تستطع ربّما أن تحبهم في ذلك الوقت..

شخصيّا سأقرأ الرسائل لا يهمني ما كان الهدف من وراء نشرها لكن أحبّ أن يأخذني الحب المشتعل بين ثنايا الرسائل ويستلبني... يبقى الحبّ فعل مشاركة، إنّنا نحب كي لا نشعر بالوحدة.. وهي الوحيدة، لا تزيدوها وِحدة .


نائل بلاوي (كاتب): ثمة رائحة ذكورية فجة ومعتلة في حكاية ردود الفعل التي انفجرت، رفضاً واحتجاجاً، في وجه غادة السمان، اثر نشرها لرسائل انسي الحاج اليها .

وكانت تلك الرائحة ذاتها قد انتشرت حين اقدمت المذكورة على نشر رسائل غسان كنفاني اليها ايضاً!

هي ذات الرائحة، ذات التظرة المتسلطة واللئيمة التي لا ترى الى الجانب الانساني الشفيف في الرسائل الجميلة ولا تتلمس دوافع اصحابها عند الكتابة، بل تذهب على الفور في مهمة محاكمة المرأة التي استقبلتها.. المعشوقة، وهي غادة السمان هنا، وبحجة اقدامها المتأخر على النشر!

تبدو ردود الفعل {مفهومة هنا ومنتظرة} حين توضع في سياقها العليل والمسكون بروح ثقافة المسكوت عنه، والمطلوب منه ان يبقى، لغير سبب وسبب، متوارياً والى الابد. ثقافة الذكر العربي الذي يملي ويشرط ... يرفض ويستجيب كما يحلو له ولا يقبل بحضور الانثى، المعشوقة، المشتهاة الا في القصائد والنصوص.. القصائد والنصوص التي يكتبها هو بالطبع. فالقاعدة المقدسة عربياً تقضي، عند الاكثرية ممن يشتغلون في حقول الابداع قبل سواهم، بأن تغيب المرأة في الواقع وتحضر في المجاز!

المجاز هو السر في متن الحكاية.. وفي القلب من هذه الثقافة التي تخفي كل ما تود ان تقوله خلفه. هكذا يكون على {السيدة العربية المعشوقة} ان تختفي وأن يظهر الذكر المقدس... غسان او انسي لا فرق!

عليها ان تتراجع خطوات طويلة عن خشبة المسرح/ الحياة عموماً. وعليها ان تتلاشى تماماً حين تكون الثيمة هي هذه المتوترة والغامضة عربياً: الحب والجنس، فذاك هو مسرح الذكر {لعبته التي ورث} وعلى الانثى ان تتوارى خلف الكواليس، ان تبقى مجازاً!

هل خدشت غادة السمان هذا التابو؟

ممكن؟ ثم، والسؤال في مكانه الآن: ماذا لو اقدم احدهم، شاعر او كاتب عربي، على نشر رسائل عشيقاته اليه؟

اجزم ألان، جواباً، بأننا سنعثر على الكثير من الردود المادحة لفنون الرسائل وأدب البوح والاعتراف وغير ذاك !

اعرف بأن السمان مطالبة بنشر ما لديها من رسائلهم اليها... ولكن، من يدري، ربما اوصت بنشر ما لديها لاحقاً. وربما لا يزال لديها المزيد من الرسائل، فقد كانت فتاة جاذبة وجذابة انذاك ولم يتوقف عشاقها عند الحاج وكنفاني كما نعرف؟

شخصياً، وقد لا يروق هذا الراي للبعض: احببت غسان كنفاني العاشق في الرسائل اكثر من حبي لغسان الروائي والقاص. كما زاد اعجابي بالحاج الشاعر/ العاشق اثر قراءة بعضاً من رسائله اليها اليوم. اما السمان فلا تزال عندي كما كانت في السابق: مجرد كاتبة عادية لم تثر اهتمامي ابداً.

ردود الفعل الغاضبة على نشر السمان لرسائل الحاج هي نافذة جديدة، في نهاية المطاف واوله، تطل من خلالها على هذا المرض العربي المزمن: الذكورة. المذكر... والثقافة الذكورية المرعبة عموماً. الى جانب حقيقة ان الرسائل ذاتها هامة المعنى، ادبياً وفنياً، ولا يجوز لها أن تدفن مع أصحابها.

ياسر الزيات (كاتب): ليس عيبا أن يحب أنسي الحاج من طرف واحد. العيب هو تباهي غادة السمان بأنه أحبها من طرف واحد، والعيب هو نشرها للرسائل بعد موته، بدون إذن منه في حياته. والعيب كذلك هو أنها لا تنشر رسائلها هي للذين أحبتهم، رغم أنني أشك في أن هذا النوع من النساء يعرف الحب، فهو نوع يهوى جمع العشاق والتباهي بهم. هذه امرأة مريضة نفسيا، وهي على الأغلب غير متحققة جنسيا. هي مشغولة بنفسها، مشغولة بتحقيق أسطورتها الشخصية على حساب لحظات صدق أحسها اخرون.

تيما سلام (كاتبة): غادة السمان تنشر رسائلا غرامية وصلتها من أنسي الحاج سنة 1963!

الرسائل (ما قرأته منها إلى الآن) رائعة أدبيا، وتضعك في سياق "قصة" ذاتية، يخاطب فيها أنسي نفسه أكثر منه "معشوقته"، ويستلّ صوتها أحيانا ليخلق حوارا، ضروريا للاسترسال، قال إنها بخلت عليه به.

الأمر تؤكده السمان، فتقول إنها لم تردّ على رسائل الحاج، أي لن يكون هناك ما يلومها عليه القراء كما حدث مع رسائل غسان كنفاني، عندما نشرت رسائله إليها (سنة 1992) دون رسائلها له "لأنها ضاعت" وتحسرت عليها كما صرحت في حينه.

لكن، غادة، لما لم تنشري رسائل أنسي وهو حي؟! أنت غير الحاضرة في حياته لاحقا أو بين كلماته المُعلن أصحابها! في المقابل أليس من الجميل قراءة هذا الجانب من أنسي بلغته البديعة.

أيضا ألم يرتبط اسم غادة السمان أكثر من "الصحي" بالرسائل؟ بدون أن نبخسها قدرها الأدبي، كثيرون جدا يعرفون عنها من كنفاني، وآخرون الآن سيعرفون عنها من أنسي، أين هو اسمها الثقافي! كان ربما ليكون تواتر إبداعه "المفاجأة" الحقة في معرض بيروت الدولي للكتاب لا "مفاجأة" رسائل الحاج !


لميا مقدم (كاتبة): 
ماذا في رسائل انسي الحاج لتعتبرونها فضيحة وكشف مستور وخيانة من غادة السمان؟! حب؟ ما به الحب؟ هل الحب فضيحة؟ ضعف؟ انسي الحاج لم يخف ابدا هشاشته وضعفه في الحب ونصوصه شاهدة على ذلك، أين المشكل اذن، والحال ان الكتب التي تتناول علاقات الكتاب والفلاسفة والشعراء هي الأكثر رواجا في كل مكان من العالم؟ الرسائل كانت ستظهر في كل الأحوال بعد وفاتها، ويبدو انها فضلت ان تنشرها بنفسها، على ان تتركها لمن يتولى امر تأويلها، وهي عمل ادبي مدهش، يضيف لأنسي الحاج ولا يقلل منه. شخصيا سعيدة بأنني اقرأ لهذا العاشق الابدي نصا جديدا بهذا الجمال، حتى وهو ميت. عاش انسي الحاج!


إسلام أبو شكير (شاعر): 
كاتبة مثل غادة السمان لا تنقصها الشهرة.. على العكس فهي ممن يهرب من الأضواء، وأنا لا أذكر انني رأيتها على التلفزيون يوماً، أو حتى سمعت صوتها..

لا ينقصها المال أيضاً في حدود ما هو معروف عنها..

ليست مراهقة..

ليست ممن يهوون خوض المعارك وإثارة الزوابع..

إذاً لا بد من سبب وراء نشرها لرسائل أنسي الحاج إليها..

جميع الاحتمالات تداولها الفيسبوكيون، باستثناء احتمال واحد.. القيمة الأدبية..

لم ير معظم من كتب في الموضوع جمال هذه النصوص.. ما نشره عبده وازن منها على الأقل.. رسائل شكلاً، لكنها في الجوهر جزء من تجربة أنسي الحاج في الكتابة والحب والحياة.. تضيف إليه وتغني رصيده..

لقد أوصى كافكا بحرق أعماله، لكن ماكس برود لم يفعلها.. من يلوم ماكس برود اليوم؟..

ورسائل كافكا الخاصة جداً إلى حبيبته ميلينا وإلى أخته وأبيه هي اليوم جزء من تراث كافكا، والتراث الأدبي العالمي..

أعتقد أن غادة السمان لم تكن أنانية في نشرها لرسائل أنسي الحاج، ومن قبلها رسائل غسان كنفاني.. الأغلب أنها كانت واقعة تحت تأثير سحر الكلمة.. غواية الأدب..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"