آخر تحديث:01:30(بيروت)
الأربعاء 23/04/2014
share

السّبي البابلي: زمن الكنيسة المصرية

شادي لويس | الأربعاء 23/04/2014
شارك المقال :
  • 0

في احتفالات القيامة هذا العام، كما في السنوات الثلاث الماضية, تحولت قاعات الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة، وبوضوح، إلى واحدة من ساحات السياسة ومعاركها. الكاتدرائية التي ضجت جنباتها يوماً بصيحات متفرقة ونافرة عن إجماع روادها: "يسقط يسقط حكم العسكر" في وجه موفدي القوات المسلحة للتهنئة بالعيد بعد مذبحة ماسبيرو، وأسكتها أمن الكنيسة سريعاً وبخشونة، استقبلت هذا العام مرشحي الرئاسة بتصويت انتخابي سابق لأوانه. فبينما قام البابا بتقديم الشكر للضيوف وممثلي الهيئات السياسة والحكومية والمشتغلين بالعمل العام، كما هي العادة في خاتمة قداديس الأعياد, قوبل ذكر المرشح الرئاسي حمدين صباحي، الحاضر شخصياً في القداس، بقدر متواضع من التصفيق من قبل حضور لم يتجاوز في حفاوته ما منحه لوزراء سابقين ذكرت أسماؤهم قبله. ولما جاء اسم المشير السيسي لاحقاً، استقبله الحاضرون بعاصفة من التصفيق، وقام بعضهم من مقعده في إجلال لاسم المرشح الرئاسي الذي لم يحضر القداس واكتفى بزيارة المقر البابوي للتهنئة. اضطر البابا لمقاطعة موجة التصفيق الممتدة، مستكملا ذكر أسماء ضيوف أقل أهمية، في حين أظهرت الكاميرات المركزة على وجه صباحي ابتسامة طويلة، ثابتة، في استياء ضمني يسهل تفهم أسبابه.

تضافر في الواقعة سوء الضيافة بحضور السياسي بقوة، في المحفل المفترض فيه القدسية، بدلالات لا تخفي اتجاه الغالبية الساحقة من الأقباط للتصويت للمشير السيسي. لكنها أيضاً تؤكد، مرة أخرى، مقومات "لاهوت البقاء" الذي تركن اليه الأقلية المسيحية الأكبر عدداً في المنطقة العربية. أقلية لطالما تباهي أبناؤها في ما بينهم بأن واحدة من أعظم معجزات الرب هى بقاؤهم أحياء حتى اليوم، في منطقة تمزقها الصراعات المذهبية والنعرات الطائفية بلا هوادة.

تستلهم جموع الأقباط اليوم لاهوتاً للبقاء، ربما تنهل مصادره من النصوص المقدسة للعهد القديم، عن فترة السبي البابلي، والتي عاش فيها اليهود، شعب الرب بحسب النص المقدس، كأقلية بعد تهجيرهم قسراً من بابل. يقدم سفر أستير، الذي لم يذكر فيه اسم الرب ولو مرة واحدة على خلاف غيره من الأسفار المقدسة، نموذجاً استثنائياً في وضوحه للاهوت البقاء الذي يحتجب فيه الرب، ويرى في الحاكم خلاصاً للأقلية الضعيفة من أهوال الاضطهاد والعسف. فعلى خلاف سفر الخروج، الذي يتدخل فيه الرب بشكل مباشر ضد الفرعون، بالضربات العشر وشق البحر، لنصرة شعبه المستعبد والمغترب، لا يتدخل الرب في سفر أستير بشكل علني لانقاذ اليهود المسبيين في بابل من مؤامرة للقضاء عليهم حاكها "هامان الشرير". بل يأتي الخلاص على يد الملك الفارسي "احشويروش"، الذي يصلب هامان بعد أن تستعطفه إحدى زوجاته، اليتيمة اليهودية أستير، وتكشف له خيوط المؤامرة ضد بني جلدتها.  

يتماهي قطاع غير قليل من الأقباط، والصوت الكنسي الرسمي اليوم، مع لاهوت عهد السبي، ربما بشكل غير واعٍ، في توحد مع الحاكم المخلص الذي تستخدمه العناية الإلهية للقضاء على المتربصين بهم. ورغم أن الدوافع وراء تبني ذلك الموقف اللاهوتي مفهوم في السياق السياسي المهدد لوجودهم، والذي يجد الأقباط أنفسهم فيه، مع غيرهم من الأقليات الدينية، بلا اختيار بعد قيام ثورات الربيع العربي، فإن ما يدعو للأسى هو انجراف مؤسسات الكنيسة القبطية بشكل واضح لا يحتمل المواربة، ليس في تأييد السلطة الحاكمة ومرشح رئاسي ضد آخر فحسب، بل وفي تبرير انتهاكات دموية لحقوق الإنسان وتأييد للقمع السياسي بوصفة ضرورة لا مناص منها، وعلى لسان البابا نفسه.  

تتناسي الكنيسة المصرية، في خضم انشغالها بالسياسة، أن مهمتها لا تقتصر على البقاء، بل أن تحمل رسالة المسيح إلى العالم، أن تكون ملح الأرض ونور العالم، متغافلة في ظل تماهيها مع لاهوت السبي، عن لاهوت أصيل للمقاومة، يمتد عبر النصوص المقدسة من أولها إلى آخرها، بل وعبر تاريخ الكنيسة نفسها. تتناسى لاهوت المواجهة الذي يستلهم قصة الخروج ووقوف موسي أمام فرعون، ولاهوت الشهادة التي ترسمها قصة المعمدان، الصوت الصارخ في البرية، الذي تحدى فساد الحكام فطار رأسه ليكون مثالاً لألوف من شهداء الكنيسة القبطية الذين وقفوا أمام الحكام في سبيل الحق. وتتناسي لاهوت الهروب لأيليا، الذي وقف في تحد أمام أخاب الملك الآثم، ليخبره: "أنت مكدر إسرائيل"، ليهرب بحياته بعدها للبرية تطعمه الأرملة الفقيرة مرة والغربان مرات. لاهوت اتبعه ألوف من الرهبان المصريين في براريها ومغائرها من بعده، في هروبهم من الحكام وتعسفهم. تتناسي الكنيسة أيضاً لاهوت الحقوق، لبولس الذي، ورغم أنه كان يقول "ليا اشتهاء أن أنطلق لأكون مع المسيح, ذلك أفضل جداً"، إذ لم يتنازل عن حقوقه القانونية كمواطن روماني عندما حكم عليه بالموت، ورفع دعواه إلى القيصر نفسه، كما يبيح له القانون الروماني كآخر مرحلة للتقاضي.  

لكن، ورغم الموقف السياسي المخزي للكثير من ممثلي الكنيسة القبطية، ما زال هناك هامش معتبر من الأقباط ومن حركات شبابية قبطية ذات صبغة ثورية، يعلي صوته من حين إلى آخر لأجل أن تعود الكنيسة إلى دورها الروحي، وأن تنتهج خطاباً محايداً حزبياً،  لا ينتصر لفصيل سياسي على آخر، وإن كان غير محايد سياساً في انتصاره إلى قيم الحق والعدل والعيش المشترك. قطاع، وإن كان يكبله الوضع السياسي العام شديد التردي، إضافة إلى الطائفية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع الكهنوتي والسلطوي, فإنه يمنحنا أملاً في يوم تمسي فيه قداديس القيامة تذكيراً لنا بلاهوت المسيح نفسه, الثائر الثلاثيني، الذي تصدى لرياء السلطات الدينية والأرضية و فسادها. وتذكرنا بأنه، وإن صُلب، فقد قام في اليوم الثالث، فالحق حيّ لا يموت. 
شارك المقال :