آخر تحديث:16:06(بيروت)
الإثنين 15/02/2016
share

"بلدي بلدتي بلديتي":لكي لا نتدهور مجدداً؟

حنين شبشول | الإثنين 15/02/2016
شارك المقال :
  • 0

"بلدي بلدتي بلديتي":لكي لا نتدهور مجدداً؟ هل تكون "البلدية نص البلد" تتمة "بلدي بلدتي بلديتي"؟ (المدن)
لم يكن يوماً إجراء انتخابات في لبنان أمراً سهلاً وبديهياً، كما يفترض أن يكون. فنحن إما في حالة حرب لا تسمح بالانتخابات، كما حصل على مدى أكثر من ثلاثين سنة، وإما تؤجل الاستحقاقات الإنتخابية لأسباب "أمنية/ سياسية"، من نوع آخر، وهذا ما لا يقتصر على الانتخابات النيابية، بل يشمل أيضاً البلدية. على أن المفارقة، في الدورة الحالية من الانتخابات البلدية، أن القلق من تأجيلها أو تجاوزها يشبه ذلك الذي ساد قبل إجرائها لأول مرة منذ توقفها بسبب الحرب الأهلية، في العام 1998، وهذا ما يتطلب عملاً وتحفيزاً يتعدى عمل السلطة السياسية.



بلدي بلدتي بلديتي
في أواخر العام 1997، أطلقت حملة "بلدي بلدتي بلديتي" بمبادرة من "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" (LADE)، التي كانت قد أنشئت في العام 1996 بهدف مراقبة الانتخابات بشكل أساسي، وكي لا تكون الانتخابات النيابية في العام 1996، مثل الانتخابات التي أجريت في العام 1992. وفي حديثه مع "المدن" يقول أستاذ العلوم السياسية في "الجامعة الأميركية" في باريس زياد ماجد إن "الحملة تحولت إلى إطار مستقل يجمع طلّاباً وأفراداً ناشطين في أكثر من جمعية لبنانية وكتّاباً وحقوقيّين وفنّانين تحت مسمّى اللقاء من أجل الانتخابات البلدية والاختيارية".

على أن الهدف المباشر للحملة كان "الضغط على السلطات اللبنانية لإجراء أول انتخابات محلّية في لبنان منذ العام 1963، ورفض الذرائع المُتداولة وقتها والهادفة الى تأجيل الاستحقاق مرةً إضافية"، وفق ماجد، الذي كان أميناً عاماً سابقاً للجمعية وأحد منسّقي الحملة. أما الهدف غير المباشر "أو الأبعد من الانتخابات نفسها فكان السعي إلى تحفيز المواطنين على الانخراط في الشأن العام، ورفض استمرار مصادرة القوى السياسية والزعامات الطائفية لأدوار البلديات وتحويلها الى شبكات انتفاع وتنفيع زبائني".

"بلدي بلدتي بلديّتي" كان شعار الحملة الذي وضعه الصحافي بول الأشقر، وقد تحوّل في ما بعد إلى إعلان عن الحملة مع "جينغل" موسيقي لزياد الرحباني، الذي نظم حفلة موسيقية في البيكاديلي في الحمرا دعماً للحملة، وبقي إسماً للحملة "لجاذبيّته ونجاحه". والمقصود كان إظهار القاسم المشترك بين البلد عامة والبلدة أو المحلة التي تعزز الانتماء المحلي والبلدية كقاسم مشترك أو حيّز تأسيسي للنشاط السياسي ولاكتساب الخبرة في إدارة مصالح المواطنين وحمايتها.


أولى الحملات المدنية
انطلقت الحملة، بعد تحضيرات طويلة، في شهر تشرين الأول من العام 1997 واستمرت حتى عشية اجراء أول انتخابات في أيار من العام 1998. يتفق ماجد وعمار عبود، الذي كان منسقاً للحملة مع LADE، على أن لبنان لم يكن يومها يعرف الحملات المواطنية الواسعة أو الجهود المدنية المعنية بالشأن العام، إذ عدا بعض الندوات والمؤتمرات وبيانات المثقفين وبعض المواقف السياسية التي ميّزت أفراداً ترشحوا للانتخابات النيابية في العام 1996، كانت معظم التحركات المدنية متخصصة بشأن قطاعي أو نقابي أو بشؤون مطلبية معيشية أو بأمور تعني فئات محدّدة في المجتمع"، يشرح ماجد. ويؤكد أن LADE شكلت حين تأسّست حالة خاصة وجديدة، ثم جاءت حملة "بلدي بلدتي بلديّتي" بعد عامين تقريباً لتنقل "الجدّة" هذه إلى مرحلة أعلى "عبر التشابك مع جمعيات وهيئات وأفراد ووسائل إعلامية، وعبر جمع تواقيع 100 الف مواطن، وتنظيم اللقاءات الأسبوعية والتواصل المباشر مع الناس في الشارع، وتنظيم اعتصام أمام المجلس النيابي، كاسرين بذلك قرار حظر التظاهر والتجمع اللا دستوري الذي كانت تعتمده السلطات منذ العام 1992. كلّ ذلك في حقبة كان لبنان فيها تحت وصاية النظام السوري وتحكّمه بالتحالف مع القوى السياسية والطائفية اللبنانية الكبرى بمفاصل الأمور جميعها في البلد".

ويعتبر عبود أنّ ما جرى كان "نموذجاً لانتصار حركات التعبئة الاجتماعية في لبنان وباكورة انتصار إصلاحي للجمعية، فنمط العمل كان جديداً، إذ انتقل عمل الجمعيات من الإغاثة إلى المناصرة والضغط، وتجلى ذلك في أنماط العمل الجديدة التي أتُبعت". وقد سهلت الصيغة التنظيمية المرنة للحملة وشفافيّتها والعلاقات الأفقية فيها تفاعل الكثير من الجمعيات معها. وتجدر الإشارة إلى أن نشاطات الحملة لم تكن مركزية في بيروت، بل في المحافظات اللبنانية كلها، فعقدت ندوات واجتماعات دورية في كل منها، حيث كانت تستضيفهم نواد محلية ومراكز ثقافية وجمعيات بيئية وحقوقية وثقافية ونسائية. وهنا يخص ماجد "إتحاد المقعدين اللبنانيين" بالذكر.


تجاوب المواطنين
يعتبر ماجد أن "تجاوب المواطنين قياساً بتلك الظروف، وانعدام الثقة بأي قدرة على التأثير أو التغيير، كان جيداً ومشجعاً"، إذ كانت ترقى إلى مسامعهم أسئلة مثل من هم هؤلاء؟ وما دوافع إصرارهم على هذه الحملة؟ في المقابل، بدا حماس قدامى العمل الحزبي وحملات مواطنية حصلت في سنوات الحرب الأخيرة دليلاً على العودة إلى العمل العام، لكن المشجع أكثر أن الطلاب والشباب كانوا الأبرز حضوراً في الحملة، التي تعرّضت، بطبيعة الحال، لحملات تهويل وتشكيك بصدقيّتها من قبل وزارة الداخلية ومن قبل بعض الأطراف السياسية. كما جرى تهديد البعض كلامياً أو من خلال محاضر اجتماعات حكومية مسرّبة إلى بعض الصحف. "وفي أحد لقاءاتنا الموسّعة بمشاركة شخصيات سياسية وثقافية في مسرح بيروت في عين المريسة، جرت محاصرتنا من قبل القوى الأمنية وجرى إنذارنا بضرورة إخلاء المكان. لكن تضامن بعض السياسيّين وحصانتهم وفّرت للاجتماع القدرة على الانعقاد والاستمرار ولو أن كثيرين يومها لم يستطيعوا الوصول إليه"، يضيف ماجد.

وحول مدى نجاحها يعتبر ماجد أن الحملة حققت أهدافها الى حدّ بعيد لجهة تسليط الضوء على الانتخابات المحلية ودفع جيلين من اللبنانيين إلى الاهتمام بها، ولجهة التأسيس لسابقة في الحملات المدنية في مرحلة ما بعد الحرب. ولا شك أنه كان لها فضل مهم في الدفع لإجراء الانتخابات بعد مماطلة وتأجيل ثم عودة عن التأجيل. لكنه لا ينفي أن اعتبارات أُخرى سياسية لا علاقة مباشرة للحملة بها دفعت بدورها إلى إجراء الانتخابات في العام 1998.


انتخابات 2016
اليوم، التاريخ يعيد نفسه. فبالرغم من كل التغيرات والتقلبات لا تزال الطبقة الحاكمة هي نفسها، لكن الفرق أننا نقف أمام تمديدين للمجلس النيابي، واحتمال تمديد للمجالس البلدية الحالية، التي تنتهي ولايتها في شهر أيار من هذا العام. يقول عبود أنه في 1998 كنا أمام تمديد للفراغ البلدي، أما اليوم فنحن أمام تمديد للمجالس البلدية. "وفي حال حصل التمديد سيسقط آخر حجر في بناء الدولة"، على ما يؤكد سامر عبدالله، مدير البرامج في LADE، التي كانت قد أطلقت حملة جديدة، قبل أشهر، بعنوان "البلدية نص البلد"، كما لو أنها تذكير، بما تحمله من هواجس، بحملة "بلدي بلدتي بلديتي".

إلا أن عبدالله يعتبر أن "أسباب الحملتين متضادة". فالأولى قامت من أجل إجراء انتخابات لم تجر منذ 30 سنة، أما "اليوم فنحن نطالب بأن لا يتوقف إجراء الانتخابات، بمعنى أن بلدي بلدتي بلديتي كانت تطالب بالانتقال إلى مرحلة جديدة، بينما نحن نطالب بألا نتدهور مجدداً". مع ذلك، يبدو أن حملة LADE تذهب باتجاه يشبه ما ذهبت إليه "بلدي بلدتي بلديتي" من ناحية الاتساع والوصول الى الناس، خصوصاً عبر استعمال أساليب تشبه تلك التي استعملت وقتها لكن بطرق أكثر تطوراً. من جهتها تؤكد يارا نصار، المديرة التنفيذية للجمعية، أن "الظروف الحالية أصعب"، من دون الموافقة على الربط بين الحملتين نظراً لـ"اختلاف علاقات المجتمع المدني اليوم بالأحزاب، ودور الأحزاب نفسها ونظرة الناس إليها، خصوصاً أن الوضع الإقليمي في وقتها كان مساعداً أكثر، لكن هذا لا ينفي فرصة نجاح هذه الحملة".

على أن نصار تربط تفاعل الناس الواضح مع الحملة الحالية بـ"أننا لا نزال في جو الحراك الشعبي الذي جعل الناس أوعى، وكذلك قرب البلديات من الناس وتأثيرها المباشر على حياتهم ومصالحهم الشخصية". لكن العامل المساعد، هذه المرة، هو وجود إمكانات إعلامية وإعلانية أكبر. لكن نصار تؤكد أن الصعوبات الحالية "هي في كذب الأحزاب السياسية. فهم يتحمسون ويعدون ولكن عندما يأتي الوقت يغيرون رأيهم". لكن في مقابل استحقاق لا بد منه مع آخر هيئة منتخبة لديها شرعية شعبية، نقف أمام حراك أعطى زخماً شعبياً، لكن في الوقت نفسه خلق خوفاً وشعوراً بعدم القدرة على تحقيق إنجازات، فهل ستكون "البلدية نص البلد" تتمة "بلدي بلدتي بلديتي"؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها