آخر تحديث:13:38(بيروت)
الإثنين 19/12/2016
share

"عين الشرق"لإبراهيم الجبين... مثقّفون عُراة في قلب دمشق

هيثم حسين | الإثنين 19/12/2016
شارك المقال :
  • 0

"عين الشرق"لإبراهيم الجبين... مثقّفون عُراة في قلب دمشق يدين الجبين،ادونيس بوثائق من تاريخه الذي لا يمكنه التبرّؤ منه،
دمشق هي المعشوقة الأزليّة التي لا فكاك من عشقها ولا مهرب من الوقوع في حبالها، هي راسمة المصائر ومسرح التاريخ وجسر الأزمنة والعوالم، ميدان يتبارى فيه المتنافسون اللاعبون بمصائر الشعوب، برزخ بين نيران تحيط بها ومستنقعات تحاول إغراقها، دمشق التي ترسم خرائط تاريخها وواقعها ومستقبلها تظلّ دريئة لأطماع المحتلّين في كلّ زمان ومكان، وتبقى محتفظة بهويّتها ومركزيّتها، دمشق في الشرق هي "عين الشرق" بحسب تعبير الإمبراطور الروماني يوليان الذي استقى الروائيّ السوريّ إبراهيم الجبين منه تعبيره ليطلقه على روايته "عين الشرق"(*).

يقرأ إبراهم الجبين تاريخ دمشق من زاوية النابش بين طيّات التاريخ، الكاشف لخفاياه، الباحث عن صورة دمشقه الخاصة التي يظلّ يحلم بها، يناجي المدينة المكبّلة بقيود الاحتلال، يحرّض حجارتها وأبوابها وأهلها للتشبّث بهويّتها التي يجاهد المحتلّون لتغييرها ومحاولة تطويعها وتطبيعها بطابعهم الطائفيّ الانتقاميّ الحاقد على التاريخ والمستقبل.

تتداخل الأصوات والخطوط والمواضيع والمحاور لدى الجبين، يبادل بين أصوات الرواة، تتصادى الأصوات في أفق المدينة وتاريخها لتكشف الزيف الذي يمارس فيها وباسمها، لتكشف تزوير التاريخ ومحاولة طمسه بغية دفن ما يتناقض مع سياسات الاحتلال ورغباته بصياغة صورة دمشق المناقضة لحقيقتها وتاريخها. كحالة المهندس الطائفي الحاقد سنان الذي هندس ساحة العباسيين والأمويين بطريقة انتقامية.

يختار الجبين عنواناً فرعيّاً "هايبرثيمسيا 21" ويشرح معنى الكلمة في سياق الرواية أثناء شكواه لطبيب نفسيّ من هاجس سيطر عليه ويعتقد أنّه مصاب بالهايبرثيمسيا التي تصفها القواميس والمراجع الطبية بأنها "حالة نادرة بلغ عدد المصابين بها في العالم عشرين شخصاً فقط، تجعل المريض يتذكر كل تفصيل من تفاصيل حياته الدقيقة، مهما تراكمت فوقها ذكريات ومهما مر الزمن". وبالاتكاء إلى هذه الحالة يمكن تمرير الفوضى السردية التي يحاول هندستها في عمله، جامعاً بين السيرة والتحليل والاقتباس والتوثيق والتأويل والتأريخ.


يوحي الروائيّ أنّه بصدد كتابة ما يشبّه اليوميّات والمذكّرات، يستعين بقرين يهوديّ؛ إخاد، يقيم معه في قبو دمشقيّ يتبادل معه الرؤى والتصوّرات عمّا جرى ويجري في المدينة والعالم، يستعيد معه سيَر أشخاص مؤثّرين مرّوا بدمشق ووقعوا في عشقها وحفروا فيها آثارهم الباقية الدالّة على حضورهم المتجدّد.

ينساق الجبين وراء هيامه بالمدينة، يكون العاشق الباحث عن صورة المعشوقة المأمولة، يكشف أسرار كثيرين استوطنوها أو مرّوا بها، وكيف احتضنتهم بصدر رحب لكنّها استعصت على محاولات تشويههم لها، ولم تكن محطّة عابرة في سلسلة الأمكنة بل غدت للجميع تاج المدن والملاذ الأخير والحلم المشتهى.  

يباشر الروائيّ خطوط تحرّكه من التكية السليمانية في دمشق حيث رسّام عجوز في مرسمه كان قد عمل في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) في الخمسينيات، ارتكب كثيراً من الفظائع وكان شاهداً على أخرى. ثمّ يتنقّل بين حقب تاريخيّة متباعدة، يكون الجامع بينها أنّ دمشق هي مركزها، يستحضر مفكّرين مؤثّرين في زمنهم، يساجلهم في آرائهم وأفكارهم، يستدرجهم إلى الواقع ويسبغ عليهم نوعاً من المعاصرة من خلال محاججتهم وتقديم بعض أفكارهم في سياق البحث في حقب المدينة ومحاولة فكّ بعض الألغاز التي تظلّ قابلة للتأويل والقراءة من زوايا مختلفة تصل حدّ التناقض.

ابن تيمية الذي يظلّ موضع تجاذب وسجال يحضر كشخصية روائية لدى الجبين، بالموازة مع آخرين أثّروا في تاريخ دمشق بطريقتهم، كالأمير عبد القادر الجزائريّ، الملك فيصل، عبد الرحمن الشهبندر، ناهيك عن جواسيس وتجّار وأدباء، وصولاً إلى حافظ الأسد الذي استباحها وكبّلها بقيود الاستبداد والطغيان ليورثها لابنه الذي لم يتردّد في الفتك بالبلاد والتنكيل بأهلها وتشريدهم ومعاقبتهم لتجرّئهم عليه ومطالبتهم بالحرّيّة والكرامة.

يدوّن الجبين محطّات من حياة الشاعر علي أحمد سعيد المعروف باسم أدونيس، يدينه بوثائق من تاريخه الذي لا يمكنه التبرّؤ منه، وكيف أنّه بدأ حياته الشعريّة بالتكسّب أثناء مدحه الرئيس شكري القوتلي، ومن ثم خدمته الإلزامية في الشعبة الثانية في المخابرات، وصولاً إلى موقفه الطائفيّ الذي تمثّل بتأييد الإجرام الممارس بحقّ الشعب السوريّ ووقوفه ضدّ الثورة بحجّة أنّها خرجت من الجوامع، وذلك حين كانت الثورة سلميّة في بداياتها وكانت التظاهرات بالورود وأغصان الزيتون وكان النظام يقابل المتظاهرين بعنف منقطع النظير وحقد يستمدّ نيرانه من طائفية مقيتة.

ينقل الجبين جانباً من الممارسات الطائفيّة التي اشتغل نظام الأسد على تكريسها في دمشق، وكيف استعان بالطائفية لتكون أداته ووسيلته لمحاصرة دمشق وتبديل هويّتها، فتكالب عليها مثقّفو الطائفة وأنشؤوا مجموعات بائسة منها "حراس الأرض"، في إشارة رمزيّة إلى حراستهم المتخيّلة للمدينة، وهي حراسة أقرب ما تكون للصوصيّة أكثر منها بالحماية، وأثبتت الوقائع والمستجدّات التالية واقعيّة اللصوصيّة وكان أن أشهر السوريّون شعار "حاميها حراميها" بوجوه أولئك الغرباء من مثقّفي الاحتلال.

ينقل الروائيّ عمّا يوصف بالأراشيف التي وقعت تحت يديه بطريقة أو أخرى، يستقي تارة من أرشيف المخابرات على مدار عقود، لتكون شهادات عن مراحل وشخصيات عاصرها وعايشها، وتارة أخرى يعتمد على أوراق قدّمها إليه المحامي الشهير الراحل هائل اليوسفي صاحب برنامج "حكم العدالة" في إذاعة دمشق.

لعلّ بالإمكان توصيف رواية "عين الشرق" بأنّها رواية التعرية ونشر غسيل المتواطئين مع الأنظمة والأعداء ضدّ البلاد وأهلها وتاريخها، وباعتبار أنّ صاحبها عمل في أروقة الصحافة والإعلام في سوريا، فقد تعرّف إلى الأحداث والشخصيات عن كثب، كما عانى في قاعات المحاكم جرّاء اتّهامات ملفّقة له بعد نشره روايته الأولى "يوميات يهودي من دمشق".

تعجّ الرواية بشخصيات من أزمنة مختلفة تتلاقى وتفترق في دمشق، ومن تلك الشخصيات: ابن تيمية، والرئيس المستبد العجوز، الأميرعبدالقادر الجزائري، كاسر وعبدالله أوجلان، سلمى، ستناي الشركسية، مظفر النواب، حنا يعقوب، يوسف عبدلكي، أدونيس، صبحي حديدي، سليم بركات وغيرهم كثيرون يحضرون بأسمائهم الصريحة أو الروائيّة.

يكتب كذلك مشاهد من حياة الضابط النازي برونر الذي استوطن دمشق، وكذلك الجاسوس الإسرائيلي إيليه كوهين، بالإضافة إلى تفاصيل ووثائق عن أحداث تاريخية في عدد من الأماكن في البلاد. ويثبت سرياليةّ الواقع المعيش بتوثيق أحداثه التي قد تبدو غريبة وصادمة واستفزازية، حيث هناك مسبح للمثقفين العراة، يمارسون التعرّي فيه، يقنعون أنفسهم بحرّيّة شكليّة في ظلّ تكميم الأفواه وكسر الأقلام الحرّة.

يجري الجبين تداخلأً بين الواقع والخيال، بين الرغبة والرؤية، بين ما كان وما صار، وتراه يعتمد خدعة القرين الروائيّ وهي طريقة مكرّرة في الرواية، وخدعة يلجأ إليها بعض الروائيّين لإخراج الرواية من سياقها الشخصيّ والواقعيّ والسيريّ وإدخالها فضاء التخييل، بحيث يكون ذاك القرين صورة الروائيّ الحاضرة بقناع مكشوف.

يشعر القارئ أن تداخل الأصوات يحدث لديه نوعاً من الانفلات في الخطوط، بحيث يجد نفسه أمام خيوط متشعّبة في اتّجاهات مختلفة، وعليه التخمين والتقاط أصداء الأصوات والبحث عن ارتباطاتها السابقة وحضورها الخاطف، وكأنّ الروائيّ يحمل كاميرا يتنقّل بها بسرعة بين بيوت دمشق وأزقّتها ومعالمها ملتقطاً ملامحها، ممارساً نوعاً ممّا يمكن توصيفه بالمونتاج الروائيّ الذي ربّما يتبدّى في نصّه انعكاساً وتأثّراً بتقنيات عمله التلفزيونيّ سابقاً.

(*) صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها