الأحد 2016/07/31

آخر تحديث: 12:19 (بيروت)

ظلام ديرالزور يُكمل الحصار: لم نعد نرى..

الأحد 2016/07/31
ظلام ديرالزور يُكمل الحصار: لم نعد نرى..
احتملنا الحصار والجوع طويلاً، والآن لم نعد نرى (المدن)
increase حجم الخط decrease
لم يعد ليل ديرالزور كما كان قبل أعوام قليلة. أضواء الجسر المُعلّق أطفأتها الحرب المستمرّة، والمقاهي الكثيرة المنتشرة على امتداد نهر الفرات باتت خاوية ومُدمّرة. أصبح الظلام رُعباً لمَن بقي داخل المدينة المٌقسّمة. أحياءٌ يطغى عليها سواد رايات تنظيم "الدولة الإسلامية"، تستفيق على الرؤوس المقطوعة والجثث المصلوبة، وجانبٌ آخر يخضع لسيطرة قوات النظام، عانى الآلاف فيه من التمييز والمحسوبية والفساد، والآن ينتشر بينهم "العشى الليلي" والتهاب الكبد الوبائي.

أحمد الذي يسكن في حيّ الجورة، يقول بسخرية: "احتملنا الحصار والجوع طويلاً، والآن لم نعد نرى!"، وذلك بعدما أصابه "العشى الليلي"، ولم يعد يُميّز بين الأشياء التي ينظر إليها مع حلول ظلام كلّ يوم.

أحمد وغيره الآلاف من أبناء ديرالزور، أخذت تظهر عليهم بشكلٍ واضح آثار حصارٍ مستمرّ منذ كانون الثاني/يناير 2014، بعدما اعتبر تنظيم "الدولة" هذه الأحياء الخارجة عن سيطرته هي "دار كفر"، واستحلّ دماء مَن فيها، بنسائها وأطفالها الذين يُشكّلون الغالبية بين 120 ألف مدني. لا سبيل لدى أولئك، هذه الأيام، سوى انتظار حصول معجزةٍ قد تُعيد إليهم قليلاً من وهج الكهرباء، علّهم يرون بعضهم البعض من دون أخيلة عملاقة، أو أن تُذكّرهم بالشعور الذي يُرافق شرب كأسٍ باردٍ من مياهٍ مُعقّمة صالحة للاستهلاك البشري.

20 إلى 30 في المئة من المدنيين المتواجدين في الأحياء الخاضعة لسيطرة قوات النظام، يُعانون من العشى الليلي، أي حوالي 30 ألف شخص، بحسب مدير "مرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور" جلال الحمد. ويضيف الحمد لـ"المدن": "بدأ المرض بالظهور خلال الأسابيع الماضية، لكنّ حالات الإصابة زادت بشكلٍ كبير في الأيام الأخيرة". ويعود سبب انتشار العشى الليلي إلى نقص فيتامين "A"، ولا تتواجد سوى كمية قليلة من حقن الفيتامين، وهي لا تكفي أعداد المصابين، ويُضاف إلى ذلك عدم توافر مواد غذائية أو خضار وفاكهة لتعويض النقص.

وأوضح الحمد أنّ "المشافي مليئة بالمصابين بالعشى الليلي، خاصةً من فئة الشباب، مع عدم وجود أيّ طبيب عينية داخل الأحياء المُحاصرة. ومَن يقوم بالفحص والتشخيص هم ممرّضون فقط.

ولا تقتصر معاناة المدنيين في أحياء الجورة والقصور وغازي عيّاش والموظفين وهرابش، فقط على انتشار "العشى الليلي" مُؤخّراً، فالتهاب الكبد الوبائي عاد للظهور مجدداً، بعد تسجيل عدد من الوفيّات خلال الشهور الماضية، بحسب مصدرٍ طبي من داخل الأحياء المُحاصرة.

ومياه الشرب الملوّثة التي يستهلكها الأهالي، تقف وراء ظهور التهاب الكبد الوبائي، إضافةً لتسبّبها بانتشار حالات الإسهال وآلام البطن والتهاب الأمعاء، وهو ما أكّده مدير "مرصد العدالة"، الذي أفاد بتوثيق عشرات الحالات من التهاب الكبد الوبائي من النوعين "A" و"B"، مُشيراً الى أنهم ومنذ أشهر، يناشدون جهات حقوقية ومنظمات دولية لإدخال مادة الكلور اللازمة لتعقيم مياه الشرب، التي تضخّها محطّات التصفية إلى الأحياء المُحاصرة.

وكان تنظيم "الدولة" سيطر في 16 كانون الثاني/يناير الماضي على قرية البغيلية غربي ديرالزور، ما أدى إلى توقّف عمل محطة تصفية وضخّ المياه الرئيسية في المنطقة التي تُغذّي باقي المحطّات في الأحياء المُحاصرة، وهو ما تسبّب بأزمةٍ حقيقية مستمرةً حتى اليوم. الأمر الذي دفع بالأهالي لتعبئة المياه مباشرةً من فرع نهر الفرات عند منطقة جسر الجورة، والعودة بهذه المياه المُلوّثة إلى المنازل بعد قطع مئات الأمتار سيراً على الأقدام أو باستخدام عربات بدائية.

الحمد أشار إلى أنه يتوجّب على قوات النظام إعطاء المدنيين حرية التنقّل، فمَن يرغب بمغادرة الأحياء المُحاصرة، لا بدّ من السماح له بالخروج إلى محافظات أخرى لتلقّي العلاج اللازم. كما ينبغي إدخال كميات أكبر من المواد الغذائية إلى هذه الأحياء، وأن يكون هناك إشراف دولي على عملية إدخال المساعدات وتوزيعها. فعدد كبير جداً من الأهالي لا يحصلون على حصصهم الغذائية، أو أنهم يستلمون كميات أقل بكثير مما هو مُقرّر، إذ تتم سرقة الحصص من قبل قوات النظام والمليشيات المُساندة لها، ليُصار إلى بيعها في الأسواق بأسعار مرتفعة.

عامان منذ دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى محافظة ديرالزور، وعام ونصف العام على موتٍ بطيءٍ يُمارسه التنظيم ذاته بحقّ مدنيين أنهكهم الجوع والمرض. حصارٌ ضمن حصار، وليلٌ واحدٌ يحلّ على مدينةٍ أصبحت تُروى بلسان أبنائها قصّة مدينتين.

"ربّما بعد فترةٍ ليست بالبعيدة، سأتعافى من العشى الليلي، لكن قد أفقد حينها السّمع أو النطق بأمراضٍ جديدة لم يعرف عنها الطبّ ولا العلم"، يواصل أحمد سخريته رغم قساوة واقعه، ويذهب إلى نهر الفرات ليجلب المزيد من الماء.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها