سوريا بلا مخيمات: بين وعد 2026 وموعد 2027 أين تعثرت العودة؟

سوريا بلا مخيمات اغاثة (عمار الدروبي)
تنظيم قوافل لإعادة العائلات ونقل أثاثها وتقديم مساعدات أولية لها (عمار الدروبي)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أشهر من طرح الحكومة السورية هدف الوصول إلى "سوريا بلا مخيمات" وإنهاء استخدام الخيام خلال العام 2026، برز في أيلول الحالي موعد حكومي جديد أكثر تحديداً، إذ أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن العمل مستمر للوصول إلى سوريا بلا مخيمات في أيلول 2027.


ويأتي الإعلان في وقت تقول فيه الحكومة إنها أغلقت أكثر من 200 مخيم، بينما لا تزال عشرات آلاف العائلات تقيم في مخيمات شمال البلاد، وهذا ما يطرح تساؤلات حول الفارق بين الموعدين، وما إذا كان مرتبطاً بتأجيل الهدف أم بإعادة تعريفه، إضافة إلى العوامل التي لا تزال تحول دون عودة العائلات إلى مناطقها الأصلية واستقرارها فيها.
ووفق أحدث رقم حكومي معلن من الوزير الصالح، لا تزال نحو 141 ألف أسرة سورية في المخيمات، وتتركز الكتلة الأكبر منها في محافظتي إدلب وحلب شمال البلاد.


ويشير الخطاب الحكومي الأخير إلى أن الوصول إلى "سوريا بلا مخيمات" لم يعد مرتبطاً فقط بإغلاق مواقع النزوح أو إنهاء استخدام الخيام، وإنما بتهيئة ظروف تسمح للعائلات بالعودة إلى مناطقها الأصلية والاستقرار فيها بشكل دائم.


تهيئة مناطق العودة
وفي آذار الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرقم 59، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها العمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي، حيث تضم اللجنة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رئيساً، ووزراء المالية والإسكان والشؤون الاجتماعية والعمل، ومحافظي حماة وحلب وإدلب أعضاء فيها.


وتواجه عملية إعادة العائلات إلى مناطقها الأصلية تحديات متعددة، في مقدمتها تضرر أو تدمير المنازل، ونقص الخدمات الأساسية، وضعف فرص العمل، إلى جانب الألغام والأنقاض.


وفي هذا السياق، بدأت الحكومة تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل مناطق العودة، تشمل المدارس ومياه الشرب والصرف الصحي والمراكز الصحية، بالتوازي مع تنظيم قوافل لإعادة العائلات ونقل أثاثها وتقديم مساعدات أولية لها.


قوافل العودة
مدير الدائرة الشمالية للشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب محمد باكير أكد أن قوافل العودة تستهدف الأسر المقيمة في المخيمات والراغبة في العودة إلى مناطقها الأصلية، مؤكدا أن العودة تتم بشكل طوعي. وقال باكير، في حديث إلى "المدن"، إن الأسر العائدة تتم متابعتها من خلال دوائر الشؤون الاجتماعية الفرعية الموجودة في مناطق العودة، مشيراً إلى أن عدداً قليلا من العائلات اضطر إلى العودة إلى المخيمات بعد مغادرتها.


وأضاف باكير أن من أبرز المشكلات التي تواجه الأسر في مناطق العودة عدم تأمين فرص العمل، الأمر الذي يحد من قدرتها على ترميم منازلها وتجهيزها لتصبح صالحة للسكن.


ووفق باكير، نظمت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب 26 قافلة عودة طوعية، ضمت 4088 أسرة، بإجمالي 20975 شخصاً، إلى مناطقهم الأصلية في ريف إدلب، أبرزها منطقة معرة النعمان وأريافها وخان شيخون وسراقب، إضافة إلى ريف حماة الشمالي، ولا سيما كفرزيتا وصوران ومناطق سهل الغاب، ومحافظة حلب وأريافها، ثم حمص ومحافظات أخرى.


وأشار إلى أن برامج دعم الأسر العائدة متعددة، وتشمل مشاريع صغيرة، ودعماً من برنامج الأغذية العالمي، وتدريبات مهنية ضمن مشاريع سبل العيش، إلى جانب مشاريع النقد متعدد الأغراض (MPCA) لفترة محددة وبجولات متكررة.


ولفت إلى أن الاهتمام يتركز بشكل كبير على مشاريع التنمية المستدامة ضمن مناطق العودة، بما يتجاوز المساعدة المباشرة للأسر إلى توفير مقومات تساعدها على الاستقرار.


العودة لا تنهي المعضلة
لكن شهادات النازحين والعائدين تشير إلى أن العقبة أمام إنهاء ملف المخيمات لا ترتبط دائماً برغبة الأسر في العودة، وإنما بقدرتها على تأمين حياة مستقرة بعد العودة إلى المناطق التي نزحت منها خلال سنوات الحرب في سوريا.


وقال رضا الحمود، وهو نازح يقيم في مخيم في ريف إدلب منذ سنوات، إن الحديث عن إنهاء المخيمات يبعث الأمل لدى العائلات، لكن العودة بالنسبة إليهم لا يمكن أن تتم بمجرد مغادرة الخيمة.


وأضاف الحمود في حديث إلى "المدن" أن منزله تعرض للدمار، فيما تحتاج المنطقة إلى إصلاح شبكات المياه والكهرباء وتأهيل الطرق والمدرسة، فضلاً عن توفير مصدر دخل يساعد الأسرة على تأمين احتياجاتها.


وأوضح أن عائلته مستعدة للعودة متى أصبحت قادرة على تأمين حياة مستقرة، قائلا: "نحن لا نريد الانتقال من خيمة إلى منزل مهدم ثم نضطر إلى العودة إلى المخيم".


بدوره، قال أحمد العلي، أحد النازحين المقيمين في مخيم الجبل بريف حلب، إن العودة إلى دياره لا تزال الخيار الذي تتمناه عائلته، لكن الظروف المعيشية تجعل اتخاذ القرار أكثر تعقيداً.


وأوضح العلي في حديث إلى "المدن" أن المنزل يحتاج إلى ترميم، وأن الخدمات الأساسية وفرص العمل ما زالت محدودة، مضيفا أن العائلة لا تستطيع تحمل تكاليف إعادة بناء المنزل وتأمين حاجاتها في الوقت نفسه.


وأشار إلى أن إنهاء المخيمات يجب أن يترافق، من وجهة نظره، مع دعم للعائلات العائدة وتأهيل للمناطق المتضررة، لأن الخروج من الخيمة لا يعني انتهاء النزوح إذا لم تتوفر مقومات الاستقرار.


أما النازحة أمينة الخطيب، فتقول إن حلم العودة إلى منزلها لم يتغير، لكن الظروف المحيطة بالعودة تجعلها أمراً صعباً بالنسبة إلى عائلتها. وأوضحت أن منزل الأسرة تعرض لأضرار كبيرة، فيما تحتاج المنطقة إلى إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه والكهرباء والمدارس، مشيرة إلى أن تأمين مصدر دخل ثابت يمثل تحدياً آخر أمام العائلة.


وقالت الخطيب، إن المشكلة لا تكمن في الخروج من الخيمة، مضيفة: "بل المهم أن نتمكن من البقاء بعد العودة وألا نضطر إلى النزوح مرة جديدة".


وتحاول الحكومة معالجة الفجوة بين إغلاق المخيمات واستقرار الأسر العائدة من خلال ربط ملف النزوح بخطة أوسع للتعافي وإعادة تأهيل المناطق، مع الحديث عن دور للتمويل الدولي والمنظمات الأممية ورجال الأعمال.


ويعني ذلك أن ملف المخيمات بات مرتبطاً بملفات تتجاوز العمل الإغاثي المباشر، لتشمل إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات وخلق فرص العمل ودعم سبل العيش.


وبذلك، يبدو أن أيلول 2027 يمثل، وفق الخطاب الحكومي الحالي، موعداً لإنهاء الحاجة إلى المخيمات، وليس مجرد إخلاء مواقعها أو إنهاء استخدام الخيام. وبين هذا الموعد والهدف السابق المتعلق بنهاية العام 2026، تبقى قدرة الدولة وشركائها على تأهيل مناطق العودة وتأمين الخدمات وفرص العمل ودعم الأسر العائدة عاملاً أساسياً في تحديد مدى قدرة العائلات على البقاء في مناطقها الأصلية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث