الغندورية حكاية الوجع والركام: العائدون يصنعون من الضعف قوة

حسين سعدالأربعاء 2026/09/30
الغندورية والدمار (حسين سعد)
من آخر برج قلاويه وحتى مدخل فرون مسحت الطائرات الحربية الإسرائيلية البيوت كلها (حسين سعد)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا صوت في الغندورية يعلو على أصوات آليات رفع ركام المنازل والشاحنات المحملة بالحديد، وأبواق سيارات جمع الخردة، والتفجيرات المتنقلة في القنطرة والطيبة ودير سريان وبني حيان.

 

يحدث ذلك كله، بينما يتألم العائدون إلى قريتهم، المشرعة بيوتهم على البرد والمطر المقبلين. ويتألم الغائبون عنها قسراً بعدما فقدوا منازلهم ومحالهم ومصدر لقمة عيشهم، جراء العدوان الإسرائيلي المستمر.


على جانبي الطريق، ابتداء من آخر برج قلاويه وحتى مدخل فرون، مسحت الطائرات الحربية الإسرائيلية بيوت بلدة الغندورية في قضاء بنت جبيل، المطلة على ينابيع وخضرة وادي الحجير، الذي يعبث به جنود الاحتلال الإسرائيلي، تجريفاً وحرقاً.

الغندورية والدمار (حسين سعد)


الحياة في هذه البلدة شبه معدومة: لا كهرباء، ولا مياه، ولا فرص عمل. يصنع العائدون إليها من الضعف قوة. والبلدية "فازت" بغرفة جاهزة يتيمة، واستبدل حسين حمود محلاته الواسعة بخيمة لتعريب الفحم، وحولت فاطمة مرعي دكانها الوحيد في القرية مكاناً لإيوائها، ومصدراً بسيطاً للعيش والصمود.

 

تحولت الغندوية من بوابة للتحرير، بعدما عبرها أبناء القنطرة ضهيرة الحادي والعشرين من أيار العام ألفين إلى قريتهم عبر وادي الحجير، ومثلهم أبناء الطيبة ودير سريان، إلى سجن، يفتح فضاءاته على وجع دائم.

 

حكايات البلدة مع الاحتلال الإسرائيلي طويلة ومؤلمة جداً. فقد حل فيها الدمار الشامل أكثر من مرة، ابتداء من العام 1972، مروراً باجتياح 1978، الذي محا كل أثر لبيوتها، وصولاً إلى حرب تموز 2006، وعدواني 2024 و2026، اللذين نالا من بشرها وحجرها وزرعها.

 

من عيديب إلى الغندور

عرفت الغندورية، قبل اسمها الحالي، نسبة إلى مؤسسها علي غندور الذي يتحدر من النبطية الفوقا، باسم "عيديب". وينسب الاسم إلى عائلة عيديبي، التي كانت تقيم في المزرعة، قبل أن يشتريها آل الغندور، قبل أكثر من مئة عام.


ويذكر الشيخ سليمان ظاهر في "معجم قرى جبل عامل" أن القرية سميت بهذا الإسم نسبة إلى غندور، وهو لقب أسرة مؤسسها الحاج علي غندور. وكان اسم القرية قبل أكثر من عشرة عقود "عيديب"، وكانت من أملاك الشيخ محمد خاتون ثم اشتراها آل غندور. ومعنى الاسم بالسريانية "غندور" تدحرج وتكور، فيما يذكر أنيس فريحة في معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية، أن المعنى هو رقص وتمايل وتبختر.

 

الغندورية المعدومة  

بحسب رئيس البلدية محمد علي نادر، فإن جذور عيديب ما تزال قائمة على أرض البلدة، إذ يوجد نبع مياه، يطلق عليه نبع "عيديب" وأيضاً مقبرة قديمة تحمل الاسم نفسه.


ويؤكد نادر لـ"المدن" أن الوضع في البلدة صعب للغاية، وأن العائلات  العائدة تعاني الأمرين، في ظل غياب التيار الكهرباء والمياه، ما يدفع الأهالي إلى شراء صهريج المياه ب 20 دولاراً، بينما تتوزع العائلات الأخرى، التي خسرت منازلها، على بيوت مستأجرة في البلدات المجاورة.


ويلفت نادر إلى ان بلدته تحتاج إلى مؤازرة ودعم لأهلها الصامدين والنازحين عنها، لناحية تأمين المياه، من خلال حفر بئر إرتوازية، وترميم البيوت على أبواب فصل الشتاء، مؤكداً أن البلدية قامت بجولة من الزيارات والاتصالات على عدد من الوزارات ومجلس الجنوب، لكنها لم تسفر عن نتيجة إلى الآن، كما أن وضعها على المناطق التجريبية لم يسعفها بأي خدمات.

 

وأضاف أن العائدين يبيتون في بيوت مشرعة على الشمس، حيث لا يوجد زجاج للنوافذ والأبواب، وهم يخشون من الشهر القادم، المحمل بالأمطار. 

 

ولفت إلى أن البلدة قدمت عدداً من الشهداء، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة، أكثر من 95 وحدة، وقد عاد من عائلاتها حوالى ثمانين عائلة. أما الباقون الموزعون في قرى الجوار، مثل ديركيفا وبرج قلاويه وصريفا، فإنهم يحضرون إلى البلدة نهاراً لمواكبة رفع الركام من منازلهم ومعاينة حقولهم التي تضررت خلال العدوان.


وحول مقومات العيش للأهالي، يقول مرعي إن أبناء الغندورية يعملون في غالبيتهم في المجال الزراعي، لا سيما زراعة التبغ والزيتون والحبوب، إلى جانب الخدمات العامة.

 

الغندورية والدمار (حسين سعد)

دكان الضيعة الوحيد

بمحاذاة الطريق العام، لم يبق من منازل آل مرعي سوى دكان صغير كان قائماً قبل الحرب. لكن هذا الدكان أصيب بأضرار كبيرة، ووضعت على نوافذه قطع من النايلون لرد الشمس الحارقة.
 

تصر فاطمة مرعي، التي تتخذ من هذا الدكان سبيلاً للعيش، على مواصلة صمودها، في مواجهة كل التحديات والفقد والدمار.
لا تخفي وجعها، وتقول: "هنا كانت ماكينة تحضير القهوة الصباحية للزبائن، لكنها أصيبت بشظايا القصف الإسرائيلي، وأصبحت غير صالحة للعمل".


رغم هذه المعاناة، فإن فاطمة متعايشة مع هذا الواقع المستجد، فتحضر طعامها البسيط داخل هذا الدكان، وتضيف بعضاً من المشتريات، لتلبية حاجات الزبائن، بالرغم من القلة المادية. وتختم: حياتي هنا، ولن نتزحزح من هذه الأرض المخضبة بدماء الشهداء وعرق وتعب الفلاحين.

 

من أربعة محلات إلى خيمة

على الجهة المقابلة لدكان مرعي، ووسط أصوات الآليات التي تستكمل رفع الانقاض من البيوت المدمرة، نصب حسين حمود خيمة صغيرة، غطاؤها قطع من القماش. يعمل حمود في هذه الخيمة، مع بعض العمال، على تكسير قطع الفحم يدوياً، لفرزها وتعريبها. وبحسرة بالغة، يؤكد  أن هذا المكان كان يضم عدداً من المحلات، مكدسة بأنواع الفحم، وفوقها عدد من الشقق تعود له ولأبنائه، قد أصبحت جميعها ركاماً، بفعل غارات همجية إسرائيلية.
 

لا بيت في الغندورية يأوي حمود وعائلته، فهو يقيم حالياً في ديركيفا، ويحضر مع ساعات الصباح إلى "خيمته". وأكد حمود أن الأهالي في الغندورية متروكون لمصيرهم. ورغم انقضاء شهور على الهدنة، لم يسأل عنهم أحد.

 

3 عائلات في منزل

عاد علي محمود قدوح إلى الغندورية، مع بداية سريان الهدنة، فوجد المنزل متضرراً بشكل كبير. فرضت الظروف والأوضاع المادية الصعبة على قدوح، السكن في هذا البيت الصغير، بسبب عدم تمكنه من استئجار منزل، وهو يضم حالياً ثلاث عائلات تفترش الأرض، وتتناوب على آلام ومخلفات الحرب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث