حقائب ثقيلة وجيوب خاوية: العودة إلى المدارس وجع سوريّ

دمشق - كلير عكاويالجمعة 2026/09/25
طلاب مدارس في سوريا (غيتي)
موسم المدارس الحالي يشهد جموداً غير مسبوق مقارنة بالأعوام الماضية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

​يبدو أن المدرسة التي كانت تُشرق في عيني "مريم" الصّغيرة مع كل موسم جديد، أصبحت الآن عبئاً ثقيلاً عليها. فهي اليوم أمّ لأربعة أطفال. وبدلاً من أن تصرخ فرحاً لاقتنائها الدّفتر النهاري كما كانوا يطلقون عليه، باتت تصرخ ألماً، بقولها: "ما حدا داري باللي جرالي.. سقى الله أيام الدّفتر الليلي مو متل هلّق يا عيني ويا سواد ليلي".

 

​لم تكن "مريم" الوحيدة في حسرتها على أيام الزّمن الجميل الذي كان مليئاً بالخيرات، بل تحدّثت بعض العائلات لـِ "المدن" عن "معاناتها الحاليّة في تأمين الحاجات الأساسيّة قبل التفكير في المستلزمات المدرسيّة، حيث أصبح الفرق بين ماضي بعض الأهالي وحاضر أولادهم كبيراً جداً".

 

​ومع انطلاق العام الدراسي، تُواجه الأسر السّوريّة ضغوطاً ماليّة، في مضطرة ظل ارتفاع الأسعار وتفاوتها اليومي داخل الأسواق، حيث أدّى ضعف القدرة الشّرائية للرواتب والأجور إلى شلل واضح في حركة البيع والشّراء داخل الأسواق التجاريّة.


​دفاتر الذكريات!

​استذكرت "مريم" لمسات والدتها التي كانت تُجلّد الدفاتر، دون الاكتراث لأسعار اللوازم المدرسية، على عكسها تماماً. فهي تجد نفسها عاجزة عن شراء أبسط المتطلّبات لأطفالها ومضطرة لاستبعاد أغلبها بسبب سوء أوضاعها المعيشيّة، وخاصّة بعد وفاة زوجها.

 

​وعبّر أولياء أمور لـِ "المدن" عن "استيائهم من هذه الفجوة بين المدخول أو الراتب الشهري والحد الأدنى من متطلّبات التّجهيز. وأشار "معتز" (40 عاماً) وهو ربّ أسرة من دمشق إلى أن "تجهيز الطالب الواحد بات يقارب مليون ليرة سوريّة (قديمة) وسطيّاً؛ أي ما يعادل تقريباً راتب موظّف حكومي".

 

​بدورها، ندى (42 عاماً) موظّفة حكوميّة أوضحت لـِ "المدن" أن "ارتفاع أسعار اللوازم المدرسيّة الأساسيّة أدّى إلى اتخاذها قرارات تقشفيّة، تشمل الاستعانة ببدائل منخفضة الجودة، واستعمال اللباس المدرسي القديم الذي سبق ان اشترته لطفلتها بمقاس أكبر ليدوم ويدوم.

 

​كما تعتمد نظيرتها ربّة المنزل فاديا (37 عاماً) على مبادرات أهليّة لتجاوز الأزمة وتوفير الألبسة والقرطاسيّة والحقائب المدرسيّة.

​وتتّسع قائمة النفقات كلّما ارتفع عدد الأبناء الملتحقين بالمدارس، إذ إن ما يبدو مبلغاً محدوداً عند حسابه لطالب واحد يتحوّل إلى عبء أكبر عندما يتكرّر بالنسبة إلى طالبين أو أكثر في العائلة الواحدة".


​فجوة العجز

​وفي العودة إلى "مريم" التي تحاول تقديم ما تستطيع لأطفالها، وتستذكر الزوّادة (لانش بوكس) حاليّاً، التي كانت تحتوي على تفّاحة وبسكويت وسندويشة ملفوفة بمحبّة، تسعى جاهدة الآن لتقديم ربع ما كانت تنعم به في صغرها حتّى لا يشعر أطفالها بالهوّة مع أصدقائهم.

 

​وأمام هذا الواقع، أبدى بعض الكوادر التدريسيّة مرونة ملحوظة للحدّ من الأعباء الملقاة على عاتق الأهالي؛ حيث أتاحت بعض المدارس خيارات تقسيم الدفتر الواحد لعدّة مواد إن أمكن أو التقليل من المتطلبات الدراسيّة، مع السّماح لمن لا يستطيع شراء اللباس الرسمي، بالاستعانة بما لديه من نفس الألوان.

 

​أما الموظف وسام (48 عاماً) فقرّر شراء المتطلّبات الدراسيّة على مدار الأشهر المقبلة بدلاً من شرائها دفعة واحدة، والاكتفاء حاليّاً بشراء اللباس المدرسي والأساسيات لأبنائه الثلاثة".


​رحمة التكيّف!

​أكد "ملهم" (35 عاماً) صاحب إحدى المكتبات في ريف دمشق لـِ "المدن" أن "موسم المدارس الحالي يشهد جموداً غير مسبوق مقارنة بالأعوام الماضية. وتسبّبت الزيادة المتلاحقة  على الأسعار الناجمة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن وتذبذب أسعار الصّرف وغيرها في تحوّل الحركة التجارية إلى مجرّد استفسارات عن الأسعار دون إتمام الشّراء"، وفق تأكيده.

 

وفي جولة لـِ "المدن" على المكتبات، ثمة اختلاف في الأسعار من سوق إلى أخرى، حيث تبدأ أسعار دفاتر السلك (200 طبق) بين 20,000 و33,000 ليرة سورية، بينما تُحدد دفاتر الـ 100 طبق بـ 9,000 ليرة للسلك و8,000 للعادي، ويبلغ سعر متر التجليد العادي 5,000 ليرة سورية (قديمة).

​وتتدرّج أسعار المحايات من 1,000 إلى 8,000 ليرة، فيما تتنوع البرايات بين 2,500 و8,000 ليرة، وتتوزع المقالم بين 7,500 و40,000 ليرة سورية (قديمة)، بحسب الجودة.

​وبالنسبة للأقلام، يتراوح سعر الحبر الجاف بين 1,500 و3,000 ليرة، والرصاص بين 1,000 و6,000 ليرة سورية (قديمة).

 

​يشار إلى أن بعض الطلاب العاجزين عن شراء دفاتر الرسم والألوان التي يبلغ سعرها من (4000 إلى 40 ألف ليرة سورية قديمة)، يلجؤون إلى بعض المكاتب التي تؤجّر هذه المواد لساعات، أو يستعيرونها من طلاّب الصّفوف الأخرى.


​أسواقٌ مشلولة

​أكد تاجر الألبسة رافي من سوق الحريقة لـِ "المدن" أن "موسم المدارس الحالي شهد ركوداً تجاريّاً غير مسبوق"، مشيراً إلى أن "الإقبال الضعيف أجبر التجّار وأصحاب الورش على خفض الأسعار بشكل حاد ومفاجئ للبيع بأقل من التكلفة أملاً في تصريف البضائع".

 

​وأوضح التاجر أن "أسعار المريول المدرسي هبطت من حدود 100 ألف ليرة لتصل إلى نحو 70 ألفاً بالمفرق، علماً أن رأس مال المريول ذات الجودة العالية يعادل نحو 5 دولارات".

 

وتراوحت أسعار الحقائب المحلية بين 100 و450 ألف ليرة، ووصلت المستوردة منها إلى أرقام قياسية ناهزت 650 ألف ليرة، بينما تراوحت أسعار القمصان والكنزات للمرحلتين الإعدادية والثانوية بين 50 ألف ليرة سورية (قديمة) و200 ألف ليرة.

 

​وأشار رافي إلى أن "غياب الحركة التجارية تسبّب في تراكم كميّات ضخمة من المستلزمات المدرسيّة والملابس لدى الورش والمحال"، كاشفاً عن "خمس ورش في دمشق يتبقّى لديها حالياً من 70 إلى 80 ألف لباس مدرسي غير مباع".

 

​وأضاف: "الورش قصّت البضائع ونفذتها، لكن أصحاب المحال يعجزون عن دفع أجور الخياطة والتصنيع، وهذا ما أدى إلى تداخل الخسائر وغرق أطراف العمليّة الإنتاجيّة في سلسلة ديون معقدة لا تُحصّل".


​منافسة مفقودة

​أوضح رافي أن "المنتج المحلي خرج تماماً من دائرة المنافسة نتيجة الارتفاع الباهظ في تكاليف المواد الخام والأيدي العاملة، إلى جانب التكاليف التشغيليّة التي تلت الارتفاعات الأخيرة في أسعار المحروقات". وقال: إن "البضائع السورية لم تعد قادرة على منافسة المنتجات التركية والصينية من حيث السعر أو الجودة". ​ولفت إلى أن "الأسواق أُغرقت أيضاً بصفقات البضائع المستوردة المجهزة والألبسة المستوردة المخفّضة، والتي سحبت السيولة المتبقية لدى الشرائح القليلة القادرة على الشّراء لصالح تجار كبار يملكون ملاءة ماليّة ضخمة واستحوذوا على حركة السوق".

 

​وقال رافي: "العامان 2025 و2026 سجلا تدهوراً تاريخياً في القوّة الشّرائية للمواطنين مقارنة بالسنوات السابقة، حيث باتت المحال تغلق أبوابها لأيام وأسابيع دون تسجيل مبيعات تذكر. ونوّه أنه "يستمر في تسيير عمله بالحد الأدنى بفضل ملكيّته للمحل، وعبر طرح البضائع الشّتوية الجديدة تدريجياً لتصريف البضائع الرّاكدة من العام الماضي وتأمين القوت اليومي فقط".

 

​وفي حسابات بسيطة أجرتها "المدن"، يتبين أنه إذا أضفنا تكلفة سلة القرطاسية إلى الأدوات الأساسية والألبسة، فإن إجمالي تجهيز الطالب الواحد هذا الموسم يبلغ بين 600,000 و1,150,000 ليرة سورية (قديمة)، وتختلف القيمة بحسب الاختيار بين المصنوعات وجودتها.

 

​ورغم كل هذه التفاصيل، تبقى قلوب الأهالي تصارع لتمنح أبناءها شيئاً من الدفء، والطمأنينة، ليقولوا أولادهم في المستقبل، رغم كل الصعاب: "كانت أيام حلوة!".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث