مجازر العدو بحق الأطفال: أسماء وذكريات.. لا أرقام تمحى

نغم ربيعالخميس 2026/09/24
وقفة لأهالي الشهداء الأطفال (المدن)
أكثر من 770 طفلاً من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين قتلتهم إسرائيل، منذ العام 2023 (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ساحة الشهداء، اجتمع أهالي أطفال قتلتهم إسرائيل في مناطق لبنانية مختلفة، يحملون صورهم وأسماءهم، ويستعيدون أمام المارة وجوهاً كان يفترض أن تكبر، لا أن تُعلّق على اليافطات. أمهات يعانقن صور أبنائهن، وآباء يمسكون بصور أطفال لم يعودوا بينهم، وعلى اليافطات أصوات أطفال آخرين تقول ما بقي من خوفهم: "أنا ما بدي إسرائيل تدمر البيت فوق راسنا"، و"أنا ما بدي إرجع عالمدرسة وما لاقي رفقاتي يلي قتلتهم إسرائيل".

بين الصور، أُضيئت الشموع، ووُضعت ألعاب وأغراض كانت لأطفال لم يعودوا قادرين على لمسها، فيما صدحت الموسيقى في المكان، وحمل الأهالي أبناءهم مرة أخرى، لكن هذه المرة في صور.

اجتمعوا في الذكرى الثانية لبدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، بدعوة من مبادرة "حبّات قلوب". ففي يوم 23 أيلول 2024، مع بداية العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان قتل 96 طفلاً في يوم واحد، فيما قُتل 207 أطفال خلال شهر أيلول وحده.

 

"اشتقت لأبي وإخوتي"

تقف أسيل شرارة بين الأهالي. في الرابعة عشرة من عمرها، كان يفترض أن تكون واحدة من أولئك الأطفال الذين يركضون في الساحة، لا واحدة ممن يروون كيف نجوا. أسيل هي الناجية من مجزرة بنت جبيل في أيلول 2025، مع والدتها. فقدت والدها شادي شرارة، وشقيقتيها سيلان، وسيلين، وشقيقها هادي، في لحظة واحدة. خرجت أسيل من المجزرة بجسد مثقل بالإصابات، وذاكرة لم تستطع أن تترك ما رأته خلفها، "لا أتذكر شيئاً من الحادثة".

تضيف لـِ "المدن": "عانيت من وجع جسدي ونفسي كبيرين". لا تزال آثار الإصابة في جسدها، في عينيها ورأسها. ويقول الأطباء إن علاجها يحتاج إلى وقت طويل.

لكن أسيل لا تريد أن تختصر قصتها في كونها ضحية. تعبّر: "الانتقام الوحيد هو أنني أقف على رجليّ من جديد، أتعلم رغم أن لا يمكنني أن أبصر بعينيّ كثيراً، وأتحدى الكل وأن أكون قوية".

تقولها كما لو أن الوقوف نفسه صار فعلاً من أفعال المقاومة اليومية. أن تمشي. أن تتعلم. أن تتحدى جسداً لم يعد كما كان. ثم، حين تتوقف عن الكلام عن المستقبل، تعود إلى الذين غابوا. "كل اللحظات معهم عالقة في رأسي. اشتقت لأبي وإخوتي".

 

"كانت تمسح التعب عن وجهي بيديها الصغيرتين"

أكثر من 770 طفلاً من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين قتلتهم إسرائيل، منذ العام 2023  لا يمكن اختصارهم في رقم، تماماً كما لا يمكن اختصار طفولة كاملة في كلمة "شهيد". كان لكل واحد منهم  حياة كاملة في بدايتها. وهذا ما يحاول الأهالي تأكيده.

في كلمتها، تقول أم رينا، التي استشهدت طفلتها ذات السنوات الست.  تتحدث عنها كطفلة كانت تملأ البيت حركةً وضحكاً، وتترك وراءها في كل زاوية شيئاً منها.

تتذكر دفاتر الرسم والتلوين التي كانت عالم رينا المفضّل، ورسوماتها التي ما زالت تحتفظ بها حتى اليوم، إلى جانب ثيابها وأغراضها التي تقول إنها ما زالت تفوح برائحتها. 

تضيف أمها إن رينا كانت، في البيت، "بهجة" لا تهدأ، تضحك كثيراً، وتملأ المكان بحركتها.

لكن أكثر ما تستعيده أمها، أنّه حين كانت تتعب أو تبكي، كانت الطفلة تقترب منها وتمسح الدموع عن وجهها بيديها الصغيرتين، "وكأنها هي الأم وأنا الطفلة".

تقول الأم إنها كانت تتمنى أن ترى ابنتها تكبر أمام عينيها، أن ترافقها إلى المدرسة ثم إلى الجامعة، وأن ترى أين ستصل بها الحياة. لكن الحرب اختصرت كل ذلك في السادسة من عمرها.

وتختم، بصوت أم لا تريد أن تتحول ابنتها إلى رقم آخر "نحن لن ننسى، ولن نسمح للعالم بأن ينسى هوية القاتل".

 

مطالب للدولة

من هنا جاءت مطالب "حبّات قلوب" إلى الحكومة اللبنانية ومجلس النواب، داعية إلى ألا تبقى جرائم قتل الأطفال مجرد وقائع موثقة في الأخبار.

دعا الأهالي الحكومة  من خلال هذه الوقفة إلى إعداد ملف قانوني موثق حول الجرائم الإسرائيلية بحق أطفال لبنان، وحفظ الأدلة والشهادات والتقارير الطبية والصور ومقاطع الفيديو وإفادات الشهود، وفتح المناطق المستهدفة أمام الوفود الحقوقية والإعلامية الدولية المستقلة.

كما طالبوا بتحرك دبلوماسي لرفع هذه الجرائم إلى المحافل الدولية والحقوقية والقضائية المختصة، وتأمين الرعاية الطبية والنفسية والتعليمية والاجتماعية للأطفال المتضررين وعائلاتهم.

وبإشراك أهالي الضحايا في المسارات الرسمية المتعلقة بأبنائهم، وضمان حقهم في معرفة الحقيقة والمساءلة، وعدم السماح لأي تسوية أو مسار سياسي بإعفاء مرتكبي الجرائم بحق الأطفال من المسؤولية.

أما مجلس النواب، فطُلب منه مساءلة الحكومة، ولا سيما وزارة الخارجية، عن أداء الدولة في مواجهة هذه الجرائم، وإقرار إجراءات وتشريعات تعزز حماية الأطفال والمدنيين وتحفظ حقوق الضحايا، إلى جانب تعزيز التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق أطفال لبنان وتأكيد اختصاص القضاء اللبناني في ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث