زينب بعد مجزرة آل فرحات: "ليتهم تركوا لي أمّاً"

نغم ربيعالأحد 2026/09/20
Image-1789813773.Jpeg
كان في المنزل 14 شخصاً، استشهد 12 منهم في الغارة، بينهم ستة أطفال
حجم الخط
مشاركة عبر

"نحنا منكون بالبيت، وبتنزل الدرون حدّ الشباك وبتصوّرنا... ما بيعرفوا إنو فيه ولاد؟"

تسأل زينب فرحات، ابنة السنوات العشر، السؤال الذي بقي معلّقاً بعد مجزرة آل فرحات في كفررمان. في فجر الخامس من أيلول، نجت زينب من الغارة الإسرائيلية على منزل عائلتها، لكنّها خرجت من البيت من دون أمّها وأبيها، ومن دون عدد كبير من أفراد عائلتها الذين كانوا، قبل ساعات قليلة، يعيشون معها تحت سقف واحد.

كان في المنزل 14 شخصاً، ثلاثة أجيال اجتمعت في بيت العائلة بعدما دفعتهم الحرب من منزل إلى آخر. استشهد 12 منهم في الغارة، بينهم ستة أطفال، أكبرهم لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وأصغرهم رضيعاً لم يمضِ على ولادته أكثر من 37 يوماً.

لكن سؤال زينب كان، في جانب منه، جواباً على أسئلة كثيرة طُرحت بعد المجزرة: من كان في المنزل؟ ولماذا لم يغادروا؟ 

 

بيت جمع ثلاثة أجيال

كان المنزل مؤلفاً من شقتين فوق بعضهما، تسكن إحداهما عائلة حسن فرحات، والأخرى عائلة شقيقه التوأم حسين. وكان والداهما قد انتقلا للعيش معهما قبل نحو ثلاثة أو أربعة أسابيع، بعدما قُصف منزلهما. وهكذا اجتمعت العائلة في المكان نفسه، 14 شخصاً من ثلاثة أجيال، قبل أن تحوّل الغارة المنزل إلى ركام.

منذ بداية الحرب في عام 2024، كانت العائلة تعيش بين النزوح والعودة. تقول لينا مرتضى، طبيبة الأطفال وزوجة الطبيب داني فرحات، ابن العائلة "منذ عام 2024، منذ بداية الحرب، كانوا يغادرون البلدة ثم يعودون إليها. يتركون البلدة ويعودون، ثم يتركونها ويعودون".

لكن النزوح وصعوبته، كان شاقاً على عائلة فرحات التي كان بينها حمودي، طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويحتاج إلى رعاية خاصة ويتأثر بشدة بتغيير المكان.

تشرح لينا "عندما يكون لديك طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، عليك أن تنقل معه أغراضه كلها. حمودي كان يتعرض للانتكاس مع كل عملية نزوح، أينما ذهب وأياً كان المنزل الذي انتقل إليه، مهما حاولنا أن نؤمّن له وسائل الراحة، لأنه لا يستطيع العيش إلا في المكان الذي اعتاد عليه".

ومع تكرار النزوح، كان الإرهاق يتراكم على أفراد العائلة، إلى أن جاءت الليلة التي سبقت الغارة. ومع تصاعد القصف، "طلبنا منهم مغادرة المنزل والابتعاد عن المنطقة. لكن هبة، التي لم يكن قد مضى على ولادتها أكثر من شهر، كانت مرهقة ولم تعد قادرة على خوض نزوح جديد مع أطفالها. أما زهراء، والدة حمودي، فكانت ترى أن طفلها بدأ أخيراً يستعيد هدوءه ويشعر بالأمان في منزله". تقول لينا.

كانوا يأملون أن تمرّ ليلة أخرى، وأن يهدأ القصف. "قالوا: لا بأس، ننتظر يومين. ربما تتحسن الأمور خلال يومين".

لكن اليومين لم يأتيا.

 

حين عرفت زينب أن أمها وأباها لن يعودا

زينب لا تزال في المستشفى، تخضع لعمليات جراحية، أخبرتها لينا أن أفراداً من عائلتها استشهدوا. أما شقيقها مصطفى، البالغ من العمر ثماني سنوات، فلم يكن يعرف بعد ما حلّ بأسرته.

حين عرفت زينب أن أمها وأباها استشهدا، صرخت. تقول لينا إن تلك الصرخة بقيت عالقة في رأسها وقلبها "صرخت صرخة لم أستطع إخراجها من رأسي، ولا من ضميري، ولا من قلبي، ولن تخرج".

ثم سكتت زينب.

"جلست نحو أربع أو خمس ساعات، والدموع تنهمر من عينيها فقط. لم تكن تجيب".

وبعد الصمت، بدأت الأسئلة. لم تكن تسأل عن الحرب ولا عن السياسة، بل عن أبسط الأشياء التي لم يعد عقلها الصغير قادراً على فهمها: "لماذا؟ لماذا ونحن نيام؟ لماذا لم ينذروا المنزل؟".

وبدأت تستعيد أفراد عائلتها واحداً تلو الآخر، وكأنها تحاول أن تستوعب غيابهم بالاسم.

"حمودي،  لم يرَ شيئاً من الدنيا".

"فاطمة تحب الطبخ، فاطمة تريد أن تكبر".

وعادت إلى أمها وأبيها "ماما؟ هبة؟ ليتهم تركوا لي واحدة من الأمهات لتبقى إلى جانبي. لماذا أخذوهما الاثنتين".

ثم تذكرت شقيقها مصطفى، الذي لم يعرف بعد ما حدث "مصطفى، أخي... كيف سأخبره؟ أصلاً لا أريد أن يخبره أحد غيري".

لكن السؤال الأكثر قسوة كان عن حمودي "حمودي لم يكن يستطيع الهرب. ألا يعرفون أن هناك حمودي لا يستطيع المشي؟".

كانت زينب، وسط الركام والفقد، تحاول أن تفهم بعقل طفلة ما لا يستطيع الكبار تفسيره، كيف لم تكن طفولتها، وطفولة إخوتها وأبناء عائلتها، كافية لكي ينجوا؟

 

"ما بدي يكونوا أرقام"

ترفض لينا أن تختصر حياة الأطفال الستة في رقم يرد في حصيلة الضحايا. تقول "أنا لا أقبل أن يقولوا إن هناك ستة أطفال استشهدوا في كفررمان. لا. هناك حمودي وفاطمة وأحمد ومريم وعبوسة وعبدالله".

تستعيد أسماءهم واحداً واحداً، كأنها تحاول أن تعيد إليهم شيئاً مما سلبته الغارة، فكل اسم، بالنسبة إليها، ليس مجرد اسم في قائمة، بل حياة توقفت قبل أن تكتمل.

"لكل واحد منهم قصة. وكل واحد منهم مثل أولادي. كان يجب أن يكبر ويحقق مستقبله".

كانوا أطفالاً لهم تفاصيلهم الصغيرة التي تجعلهم مختلفين عن أي رقم. بينهم حمودي، الذي كان يحتاج إلى حليب خاص كي ينمو ويحافظ على صحته، وفاطمة، التي كانت تحب الطبخ وتتحدث عن المستقبل، وأطفال ينتظرون المدرسة والألعاب والكتب. كانت لكل واحد منهم عاداته وأحلامه وما ينتظره في الأيام المقبلة.

تقول لينا "هؤلاء ليسوا أرقاماً. كانت لهم حياة، وكانت لهم أحلام، وكان لهم مستقبل".

ومن هنا، لا ترى لينا المأساة محصورة في لحظة القصف أو في أفراد العائلة الذين فقدوا حياتهم. بالنسبة إليها، يمتد الفقد إلى البيت والقرية وكل ما يصنع علاقة الناس بمكانهم وذاكرتهم.

تقول "عندما تقتل إسرائيل الجدة والجد والأهل والأطفال، فهي تزيل كل شيء. عندما تجرف الزيتون في البلدة التي احتلتها، فإسرائيل تزيل الذاكرة. وعندما تدمّر المدارس والمستشفيات، تمنع الوجود. وعندما تقصف المسعفين، تمنع الحياة".

ثم تختصر لينا هذا الشعور كله بجملة واحدة "إسرائيل تقتلعنا من جذورنا".

 

" الله يقدرنا على أن نتمكن من شفاء جرح قلوبهم "

بقي من عائلة فرحات زوج لينا، الطبيب داني فرحات، وأولادهما، كما بقيت شقيقة داني التي غادرت كفررمان قبل الغارة بعدما اشتد خوفها، فيما كان منزلها قد تضرر هو الآخر جراء القصف. وبقيت زينب ومصطفى، طفلان يحملان الآن غياباً أكبر من عمرهما.

تحاول لينا أن تعالج ما يمكن علاجه من جروحهما الجسدية، لكنها تعرف أن الجرح الأصعب لا يظهر على الجسد. تقول "نحاول أن نشفي لهم جروح أجسادهم، لكن الله يقدرنا على أن نتمكن من شفاء جرح قلوبهم".

ومن هنا تأتي صرختها. لا لأنها تعتقد أن رفع الصوت سيعيد من رحلوا، ولا لأنها تتوقع أن يعيد الكلام أهل زينب ومصطفى إلى البيت. هي تعرف أن عائلتها لن تعود، وأن الأطفال الذين فقدتهم لن يكبروا.

لكنها تريد أن تُسمع صرخة العائلة، وأن يعرف الناس أن البيت الذي قُصف كان بيتاً مدنياً، وأن أطفاله لم يكونوا أرقاماً في حصيلة، بل أبناءً كان أهلهم يحلمون بأن يكبروهم ويعلّموهم ويروا مستقبلهم.

تقول لينا "لو كان الصوت عالياً من الدولة ومن الناس، ربما كانوا خجلوا قليلاً وخففوا من المجازر. هم لا يخافون من الله، وطبعاً لن يخافوا من العالم، لكن ربما لو خرج الصوت بقوة، لما أصبحت المجازر ترتكب بهذه السهولة. نحن لا نريد أن يعيش أطفال آخرون كما ستعيش زينب ومصطفى، ولا أن يموت طفل وعمره أقل من شهرين".

وتضيف "نريد أن نطلق الصرخة لكي يتوقف الإجرام. نريد من الجميع أن يعرف أن هذا بيت مدني، فيه أطفال، وكان حلم أهلهم أن يربّوهم ويعلّموهم، وأن يروهم يكبرون أمامهم".

بالنسبة إلى لينا، لا تستطيع الصرخة أن تعيد الموتى، لكنها تستطيع أن تحفظ أسماءهم من أن تختفي خلف أرقام الضحايا، وأن تقول إن وراء كل اسم حياةً كاملة انقطعت.

وربما كانت زينب نفسها قد اختصرت ذلك كله في السؤال الذي طرحته على لينا، بعدما عرفت أن أمها وأباها رحلا:

"إذا إنتوا طلعتوا الصرخة، بيرجعوا ماما وبابا؟"

لم تستطع لينا أن تكذب عليها. قالت لها إن أمها وأباها أصبحا عند الله، لكن ذكراهما ستبقى.

فخلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم عائلة، وخلف كل طفل حياة كان يفترض أن تبدأ وتكبر وتكمل طريقها.

والذين رحلوا لن يعودوا، لكن لا يجب أن يُمحى وجودهم مرة ثانية تحت الركام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث