الذكاء الاصطناعي يبني نفسه: الخلاف على المنحنى

نافع سعدالأحد 2026/09/20
الذكاء الاصطناعي يبني نفسه (مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
الذكاء الاصطناعي يكتب معظم الشيفرة داخل المختبرات التي تصنعه (AI generated)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينقسم الجدل حول الذكاء الاصطناعي بين سيناريوهات كثيرة، لكن في قلب أكثرها تطرفاً فكرة تقنية محددة: التحسين الذاتي المتكرر (Recursive Self-Improvement). إذا استطاعت آلة ذكية أن تساعد في بناء آلة أذكى منها، ثم استخدمت النسخة الجديدة قدراتها لبناء نسخة أكثر تقدماً، فقد يتحول التطور إلى حلقة تسرّع نفسها. وبما أن هذه الأنظمة تعمل بسرعة الحواسيب، لا بإيقاع الأجيال البشرية، يبرز الخوف من أن تتسارع الحلقة إلى حد تنفلت فيه عن السيطرة.

 

انفجار الذكاء

الفكرة ليست جديدة. طرحت قبل ستة عقود، حين سمّى عالم الرياضيات البريطاني آي. جي. غود عام 1965 نتيجتها المحتملة "انفجار الذكاء". ومنذ ذلك الحين ينقسم النقاش بين من يرى أن الحلقة ستقود إلى قفزة تتجاوز البشر، ومن يرجّح أن تصطدم، كمعظم التقنيات قبلها، بعوائد متناقصة وحدود مادية صلبة: الطاقة، ومراكز البيانات، والشرائح المتقدمة.

 

حجة غود أنيقة، لكنها تقوم على افتراض صامت: أن كل خطوة إلى الأمام تسهّل الخطوة التالية. وهذا ليس بديهياً. ففي معظم ميادين البحث يحدث العكس، إذ يصبح الاكتشاف الجديد أصعب من سابقه.

 

حلقة واحدة أم حلقات متعاقبة؟

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت الحلقة موجودة. إنها موجودة وقابلة للقياس. الذكاء الاصطناعي يكتب معظم الشيفرة داخل المختبرات التي تصنعه. السؤال أضيق وأكثر إلحاحاً: ما شكل منحنى هذا التطور؟

 

أمامنا شكلان: صعود متسارع لا يعرف سقفاً (Exponential)، أو منحنى يتسارع ثم يتسطح عند هضبة تفرضها بنية هذه الأنظمة.

غير أن الحصان بلغ سقفه، ولم يتوقف السفر. جاءت السيارة وبدأت من حيث انتهى، ثم بلغت حدودها، فجاءت الطائرة. وهكذا قد تبلغ النماذج اللغوية سقفها، ويتسلّم الراية جيل مختلف كلياً. عندها تكون كل تقنية، منفردة، منحنى ينتهي بهضبة، فيما تبدو السلسلة كلها، من بعيد، صعوداً لا يعرف سقفاً.

 

لكن ماذا عنا نحن؟

ذكاء البشر ليس نقطة على هذا المنحنى. إنه أشبه بخط أفقي يقطعه. تجاوزتنا الآلات منذ عقود في الشطرنج والحساب، وتجاوزتنا أخيراً في طي البروتينات، فيما لا تزال دوننا في أبسط أحكام الحياة اليومية. ولا أحد يعرف أين ستتوقف إن توقفت. قد تقف قريباً منا، وقد تمضي بعيداً. المنحنى لا يعرف بوجودنا.

 

الجواب هنا غير محسوم. وهذا بحد ذاته يستحق الكتابة عنه، في سوق بات يبيع اليقين بالجملة.

 

لماذا يتوقع بعضهم انفجاراً؟

منطق من يتوقعون انفجاراً بسيط: الباحث البشري واحد ينام ويتعب ويموت. أما الباحث الآلي فينسخ آلاف المرات ويعمل بالتوازي بلا انقطاع. مختبر واحد قد يشغّل جيشاً من الباحثين بكلفة الكهرباء.

التقدير الأكثر انضباطاً في هذا المعسكر ليس الأكثر صخباً. تقول دراسة Forethought إن الأرجح، بنحو 60 في المئة، أن يضغط تسارع برمجي أكثر من ثلاث سنوات من التقدم في أقل من سنة. تحول هائل. لكنه ليس ساعات، وليس أياماً.

 

وقد انضم إلى هذا المعسكر، من موقع غير متوقع، داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic. ففي مقالة نشرها في 12 أيلول 2026، كتب أن الذكاء الاصطناعي صار يتقدم أسرع بكثير منذ صيف هذا العام، وأن الدافع الأساسي هو قدرته المتنامية على بناء الجيل التالي منه، وأن هذه الديناميكية "بدأت تحدث في القطاع كله، بما في ذلك Anthropic". ودعا، وهو يبيع المنتج نفسه، إلى إبطاء الإيقاع.

ويستحق هذا الوصف تفكيكاً. فالقدرة لا "تنمو" من تلقاء نفسها. وثمة مليارات تضخ عمداً لتوجيه النماذج نحو أتمتة البحث تحديداً، وسباق بين شركات قليلة يجعل هذا الاتجاه أولوية. حلقة التطوير ليست ظاهرة طبيعية، بل خيار استثماري يتخذ.

ويبقى أن من يدعو إلى الإبطاء هو نفسه من يضخ الأموال ويتسابق. وليس أمودي وحده. فقد قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، إنه مستعد للتمهل إن فعل الآخرون مثله. وهو شرط يعرف قائله إنه لن يتحقق، فيمنحه صورة الحريص دون التزام. والسباق ليس على منتج، بل على موقع. رهانه احتكار القوة وبلوغ الذكاء الاصطناعي العام، وحساباته جيوسياسية بقدر ما هي تجارية.

 

ولماذا يتوقع آخرون هضبة؟

في قلب المعسكر المقابل ثمة معادلة تعرف باسم قوانين التوسع (Scaling Laws)، وقد رسّختها أبحاث بين 2020 و2022. خلاصتها أن أداء النماذج يتحسن مقابل الحوسبة والبيانات، لكن وفق "قانون القوة" (Power Law). بلغة بسيطة: القفزة الأولى تكلفك مليوناً، والتالية عشرة، والتي تليها مئة. أي أن الكلفة هي التي تصعد بلا سقف، لا القدرة. وتناقص العوائد مكتوب في المعادلة نفسها، وليس مفروضاً عليها من الخارج.

 

ثم تأتي مشكلة البيانات. تتوقع مؤسسة Epoch AI البحثية أن تستنفد الشركات، بين 2026 و2032، كل ما يصلح للتدريب من نصوص بشرية على الإنترنت، وهو ما يسمى "جدار البيانات" (Data Wall). وقد قال إيليا سوتسكيفر، أحد مؤسسي OpenAI وكبير علمائها السابق، إن البيانات هي "الوقود الأحفوري للذكاء الاصطناعي". الوصف دقيق بشكل ساخر: الوقود الأحفوري ينفد.

ويضيف الاقتصاديون طبقة ثالثة. دراسة نشرها أربعة باحثين عام 2020 بعنوان "هل صار العثور على الأفكار أصعب؟" أثبتت أن إنتاجية البحث تتراجع في ميادين كثيرة، وأن الحفاظ على وتيرة التقدم يحتاج إلى باحثين أكثر فأكثر. فإن كان الذكاء يخضع للقاعدة نفسها، فإن إضافة آلاف الباحثين الآليين تصطدم بها أيضاً.

 

أما الاعتراض الأعمق فيتعلق بالبنية نفسها. يرى يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في شركة Meta وأحد آباء التعلم العميق، أن النماذج اللغوية عاجزة بنيوياً عن بناء "نموذج للعالم" (World Model)، أي فهم الأسباب والنتائج الفيزيائية، لا مجرد ترتيب الكلمات. وقد غادر Meta أواخر 2025، وجمع بحلول آذار 2026 أكثر من مليار دولار لشركة أسسها في باريس باسم AMI Labs، تبني نماذج تتعلم التنبؤ ببنية العالم بدل التنبؤ بالكلمة التالية. رهان بمليار على أن المنحنى الحالي بلغ سقفه، وأن التالي لم يبدأ بعد.

 

وتبقى عقدة أخيرة، وهي الأذكى في النقاش كله: النظام الذي يحسّن نفسه يحتاج إلى مقياس يقول له إن كان تعديله تحسيناً. في البرمجة والرياضيات هذا المقياس متاح: البرنامج يعمل أو لا يعمل، والبرهان يصح أو لا يصح، فتصحح الآلة نفسها دون حاجة إلى البشر. أما في البحث المفتوح، حيث قد تحتاج فرضية إلى سنوات ليتبين أنها كانت وجيهة، فلا مقياس أصلاً. الحلقة تدور بسرعة حيث يمكن التصحيح آلياً، وتتعثر حيث لا يمكن.

 

ما تقوله الأرقام حتى اليوم

أعلنت Anthropic في حزيران 2026 أن أكثر من 80 في المئة من الشيفرة المدمجة في منتجاتها خلال أيار كتبها نموذجها Claude، لا مهندسوها. وأعلنت OpenAI في أيلول أنها بلغت هدفها المتمثل في "متدرب بحثي مؤتمت"، وأنها تستهدف "باحثاً مؤتمتاً" بحلول آذار 2028.

وتقيس منظمة METR المستقلة مؤشراً أذكى: طول المهمة التي ينجزها النظام وحده. وجدت أنه يتضاعف كل ثلاثة إلى سبعة أشهر. لكنها وجدت أيضاً، في اختبار بحثي مفتوح، أن الأنظمة تتفوق على الخبراء البشر بأربعة أضعاف حين يمنح كل منهما ساعتين، ثم يتقدم البشر عند ثماني ساعات، ويضاعفون النتيجة عند 32 ساعة. الآلة تنطلق بسرعة ثم تصطدم بسقف، والإنسان يزحف ويواصل.

ويبقى ما لا يذكر كثيراً: كل مختبر رائد وضع لنفسه عتبة يعلن عندها أن التحسين الذاتي صار خطراً، ولم يعلن أي منها حتى اليوم أنه تجاوزها. وقد فعلوا ذلك في ملفات أخرى، كالأمن السيبراني والبيولوجيا. لكن لا أحد أعلنها هنا.

 

أين تصطدم الحلقة فعلاً؟

كل ما سبق يفترض أن الحد الفاصل سيكون تقنياً. لكن أقرب القيود إلينا ليست خوارزمية أصلاً، بل مالية.

تقدّر تحليلات Epoch AI أن نظام تدريب في 2030 قد يتطلب نحو 770 مليار دولار، وتخلص إلى أن ذلك "على الأرجح لن يحدث فعلاً" ما لم تقابله إيرادات موازية. أما الالتزامات المتراكمة على شركات التكنولوجيا الكبرى في عقود مراكز البيانات والمعالجات فتقدّر بتريليونات، وقد صار تشبيهها بأزمة عام 2008 شائعاً بين المحللين.

بمعنى آخر: قد ينكسر التمويل قبل أن تنكسر الفيزياء. والحلقة التي يخشى الجميع انفلاتها قد تتوقف لسبب بالغ الاعتيادية، وهو أن أحداً لن يدفع ثمن الجولة التالية. أما ما تفعله هذه الأنظمة بأسواق العمل، وهو الأثر الذي لا ينتظر ذكاءً فائقاً ليبدأ، فقد تناولناه في مقال سابق.

 

متى نعرف الجواب؟

مؤشران لا أكثر. في اتجاه الانفجار: أن يعلن مختبر واحد تجاوز عتبته المعلنة بأن التحسين الذاتي صار خطراً، أو أن يوثّق نظام اختار اتجاه بحثه بنفسه وأنتج خلفاً أفضل منه. وفي اتجاه الهضبة: أن يصطدم المطورون بجدار البيانات بلا بديل جاهز، أو أن تتقلص مكاسب كل إصدار جديد مقابل كلفته.

وقيمة السؤال عن شكل المنحنى أنه ليس فلسفياً. سنعرف الجواب خلال سنتين أو ثلاث.

نخشى أن يتفوق علينا الذكاء الاصطناعي يوماً. والحال أن أنظمته تقاس بمقاييس واضعيها، وتمنح شهادة السلامة من البائع، وهو يتسابق ويدعو إلى التمهل في آن. وربما، إن تفوق علينا وأفضى إلى انقراضنا، سيكون ذلك لأننا لم نستعمل ما لدينا من ذكاء. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث