من المفترض أن تشهد العاصمة بيروت، في الثالث والعشرين من أيلول الجاري، انطلاق فعالية تضامنية تنظمها مبادرة «حبات القلوب»، تتضمن إقامة مجسم خشبي رمزي وتنظيم كورال إنشادي للأطفال في ساحة الشهداء، إحياءً لذكرى الأطفال الشهداء الذين سقطوا خلال العدوان الإسرائيلي. غير أن موافقة محافظ بيروت المشروطة بنقل النشاط إلى حديقة جبران خليل جبران واقتصاره على يوم واحد، فتحت الباب أمام نقاش إداري وسياسي أعمق. إذ أظهر هذا القرار كيف تسلط الفعاليات الرمزية الضوء على التباينات وآليات اتخاذ القرار بين السلطة التنفيذية والمجلس البلدي المنتخب.
مطر لـِ «المدن»: شروط المحافظ تفريغ للنشاط
في حديث إلى «المدن»، يتحدّث منسق المبادرة الدكتور حسام مطر عن تفاصيل المعاملة الإدارية، موضحاً أنه جرى التقدم بطلب إحياء الفعالية في ساحة الشهداء في 24 أيلول الجاري باعتبار أنّه كان اليوم الأكثر دموية في حق الأطفال (شهد سقوط أكثر من 96 طفلاً شهيداً في العام 2024). وكان المخطط يتضمن إقامة مجسم فني خشبي صغير بمساحة ثلاثة أمتار يمثل غرفة مفتوحة تضم صور الشهداء ويستمر لأيام عدة، إلى جانب تقديم كورال إنشادي للأطفال لمدة ساعة.
ويكشف مطر أن المعاملة تأخرت زهاء أربعة أسابيع استفسر خلالها المحافظ من أجهزة أمنية ووزارة الداخلية، قبل أن يخلص إلى منح موافقة لنقل النشاط إلى حديقة جبران خليل جبران (قرب مبنى الإسكوا) وليوم واحد فقط. ويرى مطر أن هذه الموافقات المشروطة هي بمثابة "منع غير مباشر"، وربما يرجع إلى "قلق أو حذر غير مفهوم"، لكون الموقع الجديد معزولاً عن المارة ولا يحقق الغرض من عرض قضية رأي عام للتوعية بمظلومية الأطفال، فضلاً عن تعذر تركيب وتفكيك مجسم خشبي متكامل خلال ساعات معدودة.
ونفى مطر تقديم المبادرة لطلب إعادة نظر رسمي، مؤكداً في المقابل دخول وساطات من قبل نواب وفعاليات بلدية للوصول إلى صيغ وسط. وشدد على أن الفعالية قائمة ولن تتوقف، قائلاً: «النشاط حكماً مستمر وسنكتفي بالكورال الإنشادي للأطفال وتقديم الكلمات المناسبة بالحد الأدنى من دون تركيب المجسم الخشبي، لكون النشاط لا يحمل أي رموز أو شعارات سياسية ولا يعيق الحركة المرورية، بل يمثل قضية إنسانية تعني الجميع».
موقف المحافظ والمسار الإداري
في المقابل، وفي تصريح لـِ «المدن»، فضّل محافظ بيروت القاضي مروان عبود عدم الدخول في أي سجال إعلامي حول الموضوع، مؤكداً أن بيروت «عاصمة لكل اللبنانيين»، ونافياً وجود أي خلفيات أو مناكفات سياسية تقف خلف الشروط المحددة للنشاط، ومشدداً على أن القرار يتصل بالضوابط التنظيمية المعمول بها.
مصادر إدارية أفادت «المدن» بأن التعامل مع مثل هذه المراجعات يفتح عادة مسارات تفاوضية أو إدارية لتسوية شروط الترخيص؛ حيث يتيح القانون الإداري إمكان الطعن أو المراجعة لدى الجهات المختصة في حال وجود اعتراض على الشروط المكانية أو الزمنية الصادرة عن السلطات التنفيذية.
توزيع الصلاحيات والدورة الإدارية
وتشير مصادر متقاطعة لـِ «المدن» إلى أن هذا التباين يعيد إبراز الطبيعة الهيكلية للقانون البلدي في بيروت، والذي يوزع الصلاحيات بين المجلس البلدي المنوط به السلطة التقريرية والتمثيلية لمدينة بيروت وتحديد اتجاهاتها العامة وإقرار المشاريع، والمحافظ المسؤول حكماً – بصفته السلطة التنفيذية الممثلة لوزارة الداخلية – عن إدارة الأملاك العامة، توقيع القرارات المالية، والإشراف على الأجهزة الإدارية وحرس البلدية.
وتوضح المصادر الإدارية أن العاصمة غالباً ما تشهد إرباكاً نتيجة هذا التداخل الإداري، حيث يسعى المجلس البلدي إلى الاستجابة لتطلعات الأهالي والفعاليات الأهلية، بينما يتحرك المحافظ ضمن أطر قانونية وأمنية فرضتها طبيعة المساءلة والرقابة المالية الصارمة، والتي تدفعه للتأني في إعطاء الموافقات وتحديد استخدام الموارد والساحات البلدية تجنباً لأي تعقيدات أو حساسيات إدارية.
الخدمات والساحات العامة
تؤكد مصادر من داخل بلدية بيروت لـِ «المدن» أن التباين في وجهات النظر يتعدى تنظيم الأنشطة الدورية والموسمية ليشمل الملفات الحياتية والخدمات اليومية التي تمس المواطنين مباشرة، ومن أبرزها:
1. إدارة العقود والملفات الحياتية: يتجلى التباين في الآليات المتبعة لحسم مناقصات الصيانة، جمع النفايات، وإصلاح شبكات الإنارة في الشوارع. ففي حين يحث المجلس البلدي على الإسراع في الصرف والبت بالمشاريع تلبية لحاجات الشارع البيروتي، يحرص المحافظ على تطبيق أعلى معايير الرقابة والالتزام بدقة القوانين المالية لتفادي أي ثغرات إدارية أو مالية.
2. إدارة الموارد البشرية وحرس البلدية: تختلف وجهات النظر حول أولويات توزيع ونشر حرس البلدية وتأمين المرافق، بين رؤية تعتبرها إجراءات تنظيمية وأمنية من اختصاص المحافظ المباشر، ومطالبات بلدية بتعزيز التنسيق لضمان تلبية حاجات مختلف الأحياء البيروتية.
3. فلسفة إشغال المساحات العامة: تتعدد وجهات النظر حول استخدام الساحات والحدائق والمواقع الرمزية؛ إذ يميل اتجاه بلدي إلى تسهيل الأنشطة المدنية والثقافية والأهلية لتنشيط المدينة، بينما ينطلق المحافظ من أولوية الحفاظ على النظام العام، تنظيم حركة السير، ومراعاة مقتضيات راحة الجوار والضوابط الأمنية.
وتخلص المصادر المتقاطعة إلى أن التباين الحاصل في ملف الفعالية يمثل نموذجا مصغراً عن تحديات الإدارة المشتركة بين السلطتين التقريرية والتنفيذية في العاصمة؛ حيث تبقى الحوارات والوساطات الجارية هي الوسيلة للوصول إلى صيغ متوازنة تضمن تسيير الشأن الخدمي وتنظيم الحياة المدنية في بيروت.




