لم تعد الحرب في جنوب لبنان تترك خرابها فوق الأرض فقط. في القنطرة تحرك الجبل وانهار بعد أشهر على تفجير الأنفاق، وفي علي الطاهر اهتزت الأرض تحت وقع تفجير هائل. وبين الموقعين تظهر صورة أخرى للحرب: صخور تشققت، طبقات جيولوجية تفقد توازنها، ومياه جوفية قد تجد لنفسها مسارات جديدة تؤدي إلى انهيار للتربة مستقبلاً.
في القنطرة، بدأت القصة في 28 نيسان، عندما فجرت اسرائيل نفقاً ومنشآت تحت الأرض في منطقة القرية القديمة، مستخدمة نحو 570 طناً من المتفجرات. وأدى التفجير إلى هزة أرضية شعر بها سكان مناطق واسعة من الجنوب. ثم تكررت التفجيرات في منطقة الجنيجل غرب البلدة. لكن في 31 آب المنصرم، تبين أن التفجير لم يكن مجرد صوت واهتزاز انتهيا في لحظتها. فقد انهار جزء من الجبل في الجنيجل، وتحركت كتل من الصخور والتربة باتجاه وادي الحجير. أما في علي الطاهر فما علينا إلا الانتظار لمعرفة كيف ستتحرك طبقات الأرض لاحقاً.
وحول مدى تغير معالم الجبل، يقول رئيس بلدية القنطرة علي حيدر لـ"المدن" إن التفجير في الجنيجل كان كبيراً، وإن معالم كثيرة تغيرت في البلدة، وتحركت الصخور والتربة باتجاه الوادي. ويؤكد أنه بالنسبة إلى أبناء القنطرة، لم يعد الجبل الذي يعرفونه منذ عقود.
الاهتزازات تضرب المناطق الضعيفة
أما حول انهيار الجبل بعد أشهر من الانفجار، فيضع الخبير الجيولوجي الدكتور سمير زعاطيطي ما جرى في سياقه الطبيعي. فالقنطرة تقع فوق هضبة حفرت المياه السطحية في بنيتها، مع مرور الزمن، وادي الحجير. وفي المنطقة طبقة عليا من الصخور الكلسية الصلبة تعلو طبقات مارلية أكثر هشاشة.
المشكلة في الطبقة السفلى أن المارل، الغني بالمواد الطينية، يتغير سلوكه مع المياه. ومع ازدياد الرطوبة يصبح أكثر قابلية للانزلاق. أما الأنفاق، فتخترق الطبقات الأكثر ليونة، بينما تقوم الصخور الكلسية الصلبة بدور السقف. وبين الطبقتين نقاط تماس يمكن أن تصبح شديدة الحساسية إذا كانت الصخور متشققة أو تحوي فراغات.
هنا تدخل التفجيرات على خط الجيولوجيا. فالاهتزازات الناتجة منها يمكن أن تصل إلى مناطق الضعف، فيما تكون الطبقات المارلية، إذا تشبعت بالمياه، أكثر استعداداً للانزلاق. لذلك لا يرى زعاطيطي أن انهيار الجبل يمكن رده إلى عامل واحد، بل إلى تفاعل بين طبيعة الأرض والتشققات والفراغات والمياه، والاهتزازات العنيفة التي تعرضت لها المنطقة.
بعد أيام قليلة على انهيار الجبل في القنطرة، جاء تفجير جبل علي الطاهر يوم أمس. فقد أدى التفجير الكبير إلى موجات ضغط وهزّة أرضية بنحو 4.2 درجة، سجلتها محطات الرصد الزلزالي، وشعر بها سكان مناطق واسعة. وهنا يوضح الأستاذ المحاضر والباحث في الجيولوجيا وعلم الزلازل طوني نمر أن ما جرى لا يعني بالضرورة حدوث زلزال طبيعي.
ويشرح أن الانفجار يولّد خلال فترة قصيرة جداً ضغطاً هائلاً في باطن الأرض. وينتج هذا الضغط موجات انضغاطية تنتشر في مختلف الاتجاهات، وعندما تصل إلى سطح الأرض يشعر بها الناس كهزة أرضية. ويؤكد أنه لم يسجّل زلزال مستحدث بعد التفجير. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم: ماذا تفعل هذه الكمية من الطاقة بالضغوط الموجودة أصلاً داخل الأرض؟
ضرب البنية الجيولوجية
يقول نمر إن تغيير الضغوط، عندما يحدث بالقرب من نشاط زلزالي قائم، يمكن أن يؤثر في الضغوط الموجودة في المنطقة. ويكون الخطر أعلى لحظة الانفجار ومباشرة بعده، ثم يتراجع مع مرور الوقت، من دون أن يختفي تماماً.
ولا يتوقف الأمر عند الزلازل. فالتفجير العنيف، بحسب نمر، يسبب تكسيراً شديداً في الصخور، ويضر بالبنية الجيولوجية للمنطقة التي تصاب مباشرة. وفي مثل هذه المناطق، لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان يمكن إعادة بناء ما هدم فوق الأرض، بل على مدى صلاحية الأرض نفسها لاستقبال بنى تحتية جديدة.
حتى المياه الجوفية تدخل في دائرة التأثر. فالتفجيرات قد تقطع أو تغير مسارات الجريان تحت الأرض، قبل أن تعيد المياه، مع الوقت، إيجاد طرق أخرى.
بين القنطرة وعلي الطاهر، لا تبدو الصورة متشابهة، لكن الرابط واضح. في الأولى تحرك الجبل بعد سلسلة من التفجيرات، وفي الثانية وصلت موجات الانفجار الى سطح الأرض وسجلتها محطات الرصد كهزة قوية.
لا يعني ذلك أن كل تفجير يؤدي إلى انهيار جبل أو إلى هزة ارضية. لكن ما تكشفه الحالتان هو أن أثر الحرب لا ينتهي عند لحظة الانفجار.
في القنطرة، بقي جزء من الجبل في مكان آخر. وفي علي الطاهر، تغير شكل الجبل وعبرت موجة الانفجار طبقات الأرض حتى شعر بها الناس على بعد مسافات.
قد تنتهي الحرب يوماً، لكنها هذه المرة لم تهدم ما بناه الإنسان فقط، إنما تركت بصمتها في الجبل نفسه، وغيرت شيئا من جغرافيا المكان التي بقيت رغم كل الحروب التاريخية أكثر ثباتاً من البشر.




