لم يعد العاشر من أيلول يوماً عالمياً للوقاية من الانتحار فحسب، بل بات لبنان أول وطن عربي يعتبره يوماً وطنياً أيضاً. فقد أقرّ مجلس الوزراء اعتماد هذا التاريخ من كل عام يوماً وطنياً للوقاية من الانتحار والتوعية حول الصحة النفسية، في خطوة تهدف إلى نقل هذه القضية من دائرة الصمت إلى النقاش العام، وتعزيز الوقاية والوصول إلى الدعم والعلاج النفسي.
وفي السراي الحكومي، أعلن القرار في العاشر من أيلول، اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، ضمن نشاط نظّمه البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة، بالشراكة مع جمعية "إمبرايس" ومنظمة "أبعاد"، ليصبح هذا التاريخ محطة سنوية يفترض أن تجمع مؤسسات الدولة والجمعيات والمنظمات العاملة في مجال الصحة النفسية حول برامج وأنشطة توعوية ووقائية.
ويأتي القرار في بلد راكم خلال السنوات الماضية أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وحروباً متتالية، تركت آثاراً على حياة اللبنانيين وصحتهم النفسية، وجعلت الحديث عن القلق والاكتئاب والصدمات النفسية والحاجة إلى الدعم والعلاج جزءاً من واقع يومي، بعدما كان في كثير من الأحيان موضوعاً محاطاً بالوصمة والصمت.
قرار حكومي
بناءً على طلب وزارة الصحة العامة، أصدر مجلس الوزراء، في جلسته الرقم 72 المنعقدة في 3 أيلول 2026، القرار الرقم 3/19، القاضي بإعلان 10 أيلول من كل عام يوماً وطنياً للوقاية من الانتحار والتوعية حول الصحة النفسية.
ويهدف القرار، بحسب المعنيين، إلى وضع الصحة النفسية ضمن أولويات العمل العام، وعدم حصر مسؤولية التوعية والوقاية بوزارة الصحة أو الجمعيات المتخصصة، بل إشراك مختلف الوزارات والمؤسسات الرسمية في برامج وأنشطة مرتبطة بالصحة النفسية.
ويقول وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين لـ"المدن": "قررنا أن نواجه الواقع بصراحة، وفعّلنا برنامج الصحة النفسية، واعتمدنا العاشر من أيلول، كونه يوماً عالمياً، وجعلناه يوماً وطنياً أيضاً، كخطوة أولى".
ولا يرى ناصر الدين أن القرار يقتصر على تسمية يوم وطني، بل يربطه بمسار عمل أوسع، قائلاً إن الوزارة "أعلنت أيضاً الخط الساخن التابع لجمعية إمبرايس، الذي يدعم ويساند، وهو خط ساخن مجاني لكل الناس للاستماع إلى أي مستجد أو أزمة نفسية ودعم الأشخاص".
ويضيف أن الوزارة "تعزّز حضورها مع شركائها والمنظمات المحلية والمؤسسات"، لافتاً إلى أن القرار يجعل "كل الوزارات ومؤسسات الدولة معنية بتفعيل أنشطتها وبرامجها وفق أجندة الصحة النفسية".
ويلفت ناصر الدين إلى أن الهدف في نهاية المطاف هو تحسين الأرقام والمؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية "المسار انطلق، وسنكمل بهمة كبيرة وإرادة".
أرقام مقلقة
وفق المعطيات التي تستند إليها قوى الأمن الداخلي، سُجّلت منذ بداية عام 2026 وحتى اليوم نحو 110 حالات انتحار، أي بمعدل يقارب حالة كل يومين.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة حجم المعاناة النفسية في المجتمع، لأن حالات الانتحار ليست سوى الجزء الأكثر مأساوية من مشكلة أوسع تشمل أشخاصاً يعانون اضطرابات نفسية أو ضغوطاً حادة أو أفكاراً انتحارية ولا يصلون بالضرورة إلى مرحلة الانتحار، أو لا يحصلون في الوقت المناسب على الدعم والعلاج.
تقول رئيسة جمعية "إمبرايس" ميا عطوي لـ"المدن" إن أهمية اعتماد اليوم الوطني تكمن، قبل أي شيء، في "أننا للمرة الأولى في لبنان نتحدث عن موضوع الانتحار بشكل أكبر وعلني، ونقول إن الصحة النفسية حق، ومن الضروري أن يتمكن كل شخص من الوصول إليها".
وترى عطوي أن الأرقام ليست قدراً محتوماً، بل يمكن الحد منها "من خلال الوقاية والعلاج النفسي في الوقت المناسب والدعم".
من الصمت إلى النقاش العام
أما مؤسسة ومديرة منظمة "أبعاد" غيدا عناني فتعتبر أن القرار يأتي نتيجة "خلاصة سنوات من العمل التراكمي وحمل قضايا ناس تعاني بصمت"، معتبرة أن جعل القضية عامة يمثل "تكريماً وإنصافاً وموقفاً محقاً وحقاً".
وتضيف أن الخطوة تعني أن القضية "خرجت من الحيّز الخاص إلى الحيّز العام"، واصفة ذلك بأنه "إنجاز للبنان ولنا جميعاً".
الصحة النفسية ليست ترفاً
في بلد شهد خلال السنوات الأخيرة انهياراً اقتصادياً واسعاً، وأزمات اجتماعية متلاحقة، وحروباً وعمليات نزوح وفقداناً للمنازل ومصادر الرزق، لم تعد الصحة النفسية قضية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الأزمات.
فالآثار النفسية للحروب لا تنتهي بانتهاء القصف، كما أن الأزمات الاقتصادية لا تنعكس فقط على قدرة الناس على تأمين حاجاتهم الأساسية، بل تمتد إلى شعورهم بالأمان والاستقرار وإلى علاقاتهم الاجتماعية والعائلية وقدرتهم على التعامل مع الضغوط اليومية.




