لم يكن انتقال حسان الأفندي من الحسكة إلى دمشق قراراً اتخذه بحثاً عن مدينة أخرى، بل كان، كما يروي، محاولة أخيرة للعثور على مدرسة لأطفاله الثلاثة، جراء الإغلاق واضطراب المناهج وتراجع قدرة المدارس المتاحة على استيعاب الطلاب، إلى جانب حاجة الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة إلى تعليم يعوض ما فاتهم.
يقول الأربعيني لـِ "المدن"، إن أولاده تأخروا كثيراً في دراستهم، وإن المشكلة لم تعد بالنسبة إليه مرتبطة بوجود مدرسة مفتوحة من عدمه، وإنما بقدرة المدرسة على إعادة أطفاله إلى المستوى الذي يفترض أن يكونوا فيه، بعدما فقدوا خلال السنوات الماضية استقرارهم التعليمي.
القدرة الاستيعابية واللغة الكردية
وتكشف قصة حسان جانباً من أزمة أوسع في المحافظة، حيث لا تتعلق المشكلة بعدد الطلاب وحده، إنما بقدرة الأبنية المدرسية الموجودة على استقبالهم وتأمين بيئة تعليمية مستقرة لهم.
وإلى هذه الأزمات تضاف إشكالية تعليم اللغة الكردية. فقد شهدت مدينة الحسكة احتجاجات شعبية على قرار وزارة التربية والتعليم السورية القاضي بتخصيص ثلاث حصص أسبوعية فقط لتدريس اللغة الكردية، وسط مطالب بتوسيع نطاق تعليمها واعتمادها لغةً رسمية بدل اللغة العربية، إلى جانب التمسك بالمنهاج الذي كان معمولاً به سابقاً وعدم اعتماد المنهاج السوري الجديد.
وتضم محافظة الحسكة 2,211 مدرسة حكومية لمختلف المراحل الدراسية، إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال خارج الخدمة أو يحتاج إلى إعادة تأهيل، فيما لا تتجاوز نسبة المدارس الجاهزة لاستقبال الطلاب، وفق آخر تقديرات مديرية التربية، 30 في المئة.
من جانبه، يوضح مدير التربية في الحسكة، الدكتور عدنان البري، أن المديرية أجرت خلال الفترة الماضية جولات ميدانية للاطلاع على واقع المدارس واحتياجاتها، بالتوازي مع وضع خطة لاستقبال الطلاب للعام الدراسي 2026-2027، تشمل ترميم وتأهيل المدارس وإخلاءها من المظاهر العسكرية، إلى جانب تأمين الكتب والمقاعد والمستلزمات التعليمية.
ويشير البري لـِ "المدن" إلى أنَّ المديرية بحثت احتياجات المدارس مع وجهاء المناطق والمدرسين ومديري المدارس، بهدف تحديد العقبات والأولويات قبل بدء العام الدراسي، مضيفاً أنَّ الخطة تتضمن افتتاح مدارس جديدة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب وتوسيع رقعة المدارس الجاهزة للخدمة.
ويؤكد مدير التربية أنَّ المديرية تعمل على تذليل العقبات التي تواجه العملية التعليمية بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، فيما يبقى حجم الأضرار ونقص التجهيزات أحد أبرز التحديات أمام عودة المدارس إلى عملها الطبيعي.
مدارس تحتاج إلى أكثر من إعادة فتح
في ريف الحسكة، لا تبدو المشكلة مختلفة كثيراً، إذ يقول المدرس محمود سالم إن زيارات ميدانية عدة أُجريت للكشف على أوضاع المدارس وتحديد حجم الأضرار التي لحقت بها.
ويشير سالم لـِ "المدن" إلى أن المنطقة تضم 83 مدرسة، بينها مدارس مهدمة وأخرى تعرضت لأضرار جزئية، ما يجعل إعادة التأهيل وتأمين المستلزمات التعليمية شرطاً أساسياً لعودة الطلاب.
ويضيف أن المنطقة تضم نحو 430 مدرساً في محيط مخيم الهول، لكن وجود الكادر التعليمي وحده لا يكفي، في ظل الحاجة إلى تأمين الكتب المدرسية وبقية المستلزمات الضرورية، موضحاً أن عودة الطلاب إلى الصفوف من دون الكتب ستبقي العملية التعليمية ناقصة وغير مستقرة.
ويرى سالم أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة تأهيل المدارس وتأمين المقاعد والكتب والتجهيزات، بما يسمح للمدرس والطالب بالعمل ضمن بيئة تعليمية مستقرة، بعد سنوات أثرت فيها الحرب والنزوح على انتظام الدراسة.
مستوى التعليم
ولا تنظر الأسر إلى مشكلة المدارس باعتبارها مسألة تتعلق بالمبنى وحده، بل بقدرة المدرسة على تقديم تعليم مستقر يحافظ على مستوى الأطفال، وهو ما دفع بعض الأهالي خلال السنوات الماضية إلى البحث عن مدارس خاصة أو نقل أبنائهم إلى مناطق أخرى.
وتوضح ميسون ريا، لـِ "المدن"، أنَّ قرار الأسرة بشأن مدرسة أطفالها لم يعد مرتبطاً بقرب المدرسة من المنزل فقط، إنما بمستوى التعليم الذي يستطيع الطفل الحصول عليه فيها، مشيرة إلى أنَّ الأهالي يريدون لأبنائهم تعليماً مستقراً يساعدهم على تعويض السنوات التي خسروا خلالها جزءاً من تحصيلهم.
وترى ريا أنَّ الطفل الذي انتقل أكثر من مرة بين مدرسة وأخرى أو بين مناهج مختلفة يحتاج إلى وقت ودعم إضافي، وأنَّ الأسرة قد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن خيار تعليمي خارج منطقتها عندما لا تجد مدرسة قادرة على تأمين الاستقرار المطلوب.
وتلفت ريا إلى أن المشكلة تظهر بصورة أكبر لدى الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم أو تأخروا دراسياً، لأن إعادة فتح المدرسة لا تعني بالضرورة معالجة الفجوة التي نشأت لديهم، وهذا ما يجعل التعليم التعويضي والكادر القادر على التعامل مع مستويات مختلفة من الطلاب جزءاً أساسياً من الحل.
المدارس الخاصة.. خيار يتراجع
إلى جانب المدارس الحكومية، تقلصت خلال السنوات الماضية خيارات التعليم الخاص في الحسكة مع إغلاق عدد كبير من المدارس الخاصة، ما حرم الأسر من بديل كانت تلجأ إليه عندما لا تجد في المدارس الحكومية القريبة ما يلبي احتياجات أطفالها.
وأدى إغلاق أكثر من 60 مدرسة خاصة في المحافظة، إلى جانب إغلاق عشرات المعاهد والمراكز التعليمية، إلى تضييق مساحة الخيارات أمام الأهالي، في وقت تعاني فيه المدارس الحكومية أصلاً من أضرار ونقص في التجهيزات وارتفاع الضغط على المقاعد الصفية.
ووفق حسان، فإنَّ تراجع المدارس الخاصة كان جزءاً من المشكلة التي واجهتها أسرته، لأن الأسرة التي لا تجد مدرسة خاصة مناسبة ولا تستطيع الاعتماد على مدرسة حكومية قريبة تجد نفسها أمام خيارات محدودة، من بينها إبقاء الطفل في المنزل أو البحث عن مدرسة في مدينة أخرى.
ويقول إنَّ كثيراً من الأهالي لا يستطيعون تحمل تكاليف الانتقال إلى دمشق أو غيرها، لذلكَ فإنَّ الحل، بالنسبة إلى الأسر، يجب أن يكون داخل مدنها ومناطقها، عبر إعادة تأهيل المدارس وفتح المدارس المغلقة وتأمين تعليم قادر على استيعاب الطلاب الموجودين فعلياً.
مدارس يسكنها النازحون
في القامشلي، تأخذ الأزمة بعداً آخر، إذ ما تزال 17 مدرسة تستخدم لإيواء عائلات نازحة من منطقة الشهباء، فيما تقيم فيها نحو 210 عائلات، وهذا ما يضع المدارس أمام وظيفتين متعارضتين: التعليم من جهة، وتأمين المأوى من جهة أخرى.
وتقول العائلات الموجودة في هذه المدارس إنها لا تستطيع مغادرتها من دون توفير بديل سكني، فيما لا تملك كثير منها القدرة على دفع إيجارات المنازل، الأمر الذي يجعل إخلاء المدارس مرتبطاً بتوفير حلول سكنية للنازحين.
في المقابل، يؤدي استمرار استخدام المدارس كمراكز إيواء إلى حرمان طلاب الأحياء من مساحاتهم التعليمية، ودفعهم نحو مدارس أخرى، ما يزيد الضغط على الصفوف والكادر والتجهيزات.
غرف صفية رُحّلت
وفي تل براك، تتصل مشكلة الأبنية أيضاً بنقص المساحات الصفية. ويقول أحمد الحسين، المشرف الإداري في مجمع تل براك، إن المجمع كان يعتمد في السابق على 18 غرفة صفية مسبقة الصنع مخصّصة لتدريس الأطفال، إلا أن هذه الغرف رُحّلت جميعاً، ما ترك نقصاً في المساحات المتاحة لاستيعاب الطلاب.
ويوضح الحسين لـِ "المدن" أنَّ المنطقة تحتاج إلى إعادة تأهيل المدارس وتأمين المستلزمات التعليمية، أو إعادة الغرف الصفية المسبقة الصنع التي كانت موجودة سابقاً، مشيراً إلى أنَّ وفداً رسمياً زار المنطقة واطلع على احتياجاتها، وتلقى الأهالي وعوداً بإعادة تأهيل المدارس.
ويؤكد أنَّ المطلوب الآن هو تحويل هذه الوعود إلى خطوات عملية قبل بدء العام الدراسي، لأن نقص الغرف الصفية والتجهيزات يضغط على المدارس القائمة ويحد من قدرتها على استيعاب جميع الأطفال.
وفي تل تمر، تضم المنطقة 115 مدرسة، بينها 11 مدرسة مدمرة بالكامل، فيما تستخدم ست مدارس كمراكز إيواء، إلى جانب مدارس أخرى تحتاج إلى إعادة تأهيل ولا تتوافر فيها التجهيزات الأساسية من مقاعد وطاولات وكراسٍ.
وقد انعكس هذا الواقع على الطلاب، إذ حُرم نحو 1,500 طالب من الوصول المنتظم إلى التعليم، لتصبح إعادة فتح المدارس مرتبطة بإعادة تأهيل الأبنية وتأمين المستلزمات، وليس بمجرد إعلان بدء العام الدراسي.
المناهج واللغة.. تحدٍ آخر
ولا تتوقف أزمة التعليم عند الأبنية، فطلاب الحسكة يدخلون العام الدراسي وسط عملية دمج بين النظام التعليمي الذي كان قائماً في مناطق الإدارة الذاتية ونظام وزارة التربية والتعليم السورية، بما يطرح أسئلة حول المناهج ولغة التدريس وكيفية معالجة الفجوات بين الطلاب.
ويقول محمد حاجو، مدير مجمعات التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية في مخيمات الحسكة، إنه لا يوجد حالياً قرار يتيح استخدام اللغة الكردية لغة رسمية للتدريس، موضحاً أنه إلى حين صدور قرار رسمي ستُدرس المواد الأدبية باللغة الكردية، بما يحافظ على حضورها في العملية التعليمية.
ويوضح أنَّ العام الدراسي سيشهد استخدام المناهج الحكومية ومناهج الإدارة الذاتية، مع توحيد الكادر الإداري والتدريسي، فيما لا تزال آلية تدريس اللغة الكردية بحاجة إلى حسم.
ويشير لـِ "المدن" إلى أن الخيارات المطروحة تشمل تخصيص حصتين أسبوعياً للغة الكردية، أو اعتماد التدريس بها في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع إبقاء العربية ضمن العملية التعليمية. فالخطة الأولية تتضمن ثلاثة مسارات تعليمية، بينها صفوف للطلاب الراغبين في متابعة منهاج الإدارة الذاتية باللغة الكردية، بينما يدمج الطلاب الذين درسوا المنهاج نفسه باللغة العربية ضمن المنهاج السوري الرسمي، مع تقديم دعم إضافي لهم لمعالجة الفجوات التعليمية.
ويلفت إلى أن مدارس المحافظة تحتاج أيضاً إلى إعادة تأهيل واسعة، وإلى نحو 20 ألف مقعد دراسي، فضلاً عن تدريب الكوادر وتوفير برامج للتعليم التعويضي للطلاب الذين تضرر تعليمهم خلال سنوات الحرب.
في الحسكة، تتداخل أزمات المدرسة والأبنية والمناهج والنزوح في مشكلة واحدة، عنوانها الأساسي: هل ستكون هناك مدرسة قادرة فعلاً على استقبال كل طفل؟
بالنسبة إلى حسان، انتهى البحث عن المقعد الدراسي بالرحيل إلى دمشق. أما الأسر التي لا تستطيع الرحيل، فما زالت تنتظر أن يصبح المقعد موجوداً في المدرسة القريبة من منزلها، وأن تتحول بداية العام الدراسي من موعد جديد للقلق إلى عودة فعلية لأطفال الحسكة إلى التعليم.




