مستشفى غندور حلمٌ تحوَّل رماداً: ذاكرة النبطية والملجأ الآمن

نغم ربيعالثلاثاء 2026/09/08
مستشفى غندور في النبطية
لم يقتصر دور مستشفى غندور على العلاج، بل تحول في كل حرب إلى ملجأ (وسيم غندور)
حجم الخط
مشاركة عبر

على مدى نحو 45 عاماً، كان مستشفى غندور في النبطية جزءاً من حياة المنطقة وذاكرتها، وواحداً من الأماكن التي لجأ إليها أهلها في المرض والحرب معاً. تأسّس المستشفى في العام 1981، وبقي طوال عقود يوسّع خدماته وأقسامه، من الولادة إلى جراحة المنظار والأنف والأذن والحنجرة والطوارئ والمختبر والأشعة، "قسمًا تلو الآخر"، كما يقول وسيم غندور، حفيد عبد الحميد غندور والد مؤسسي المستشفى.

لكن في العام 2026، انتهى كل ذلك. المستشفى الذي صمد أمام حروب واجتياحات واعتداءات متتالية، دُمّر بالكامل.

كانت الطبقة الأرضية تمتد على نحو ألفي متر مربع، فيما بلغت مساحة الطوابق الأربعة فوق الأرض نحو 1750 متراً مربعاً. وبحجمه وتجهيزاته وموقعه، لم يكن مستشفى غندور مؤسسة صحية صغيرة، بل كان صرحاً طبياً رئيسياً في المنطقة، ومقصداً للأطباء والمرضى من النبطية ومحيطها والمناطق الحدودية.

يقول غندور لـِ "المدن" إن المستشفى "واكب مرحلة كاملة من الاعتداءات، وعناقيد الغضب، والحروب التي حصلت في المنطقة"، وكان دائماً في خدمة الناس وأهالي النبطية والمناطق الحدودية. إذ لم يكن دوره يقتصر على العلاج، بل في كل حرب تقريباً، تحوّل المستشفى أيضاً إلى ملجأ. طوابقه السفلية الواسعة كانت تتيح إيواء مئات العائلات، وقد استقبل في بعض الحروب نحو 500 عائلة. واستمر هذا الدور بعد التحرير، كما تحوّل بعد حرب 2006 إلى مركز لإيواء أهالي النبطية.

لهذا، لم يكن خبر تدميره بالنسبة إلى عائلته خبراً عن خسارة مبنى فحسب.

"تلقينا الخبر كالصاعقة. لم نكن نتخيل أن يتعرض المستشفى للتدمير الشامل بهذه الطريقة الإجرامية"، يقول غندور. بالنسبة إليه، ما سقط لم يكن حجارة وتجهيزات فقط، بل "هو تاريخ وتعب عمر" لعائلة عملت لسنوات طويلة على بناء هذا الصرح.

كان للمستشفى أيضاً بعد عائلي واضح. فقد كان عبد الحميد غندور يطمح إلى أن يكون أولاده الخمسة أطباء، ومن هذا الطموح بدأ مشروع بناء المستشفى. حتى أن جيلاً جديداً من الأطباء في العائلة كان قد بدأ يفكر في كيفية إعادة إحياء المستشفى وتطويره، "لكن الحلم تدمر"، يعبّر غندور.

 

مستشفى غندور في النبطية

من اجتياح 1982 إلى الحرب الحالية

خلال حرب 2024، وبرغم القصف الذي تعرّضت له المنطقة، واصل غندور تقديم خدماته "بقدر الإمكان". لكن في الحرب الحالية، لم يعد قادراً على الاستمرار، بفعل القصف المركز الذي طال المنطقة، فأقفل بالكامل، وفق ما أعلنته وزارة الصحة العامة.

وبذلك، لم يكن استهدافه في الأيام الأخيرة استهدافاً لمرفق يعمل بصورة طبيعية ويستقبل المرضى، بل لمؤسسة طبية كانت قد أغلقت أصلاً تحت ضغط الحرب.

وهنا تكمن المفارقة التي تثير القلق لدى العاملين في القطاع الصحي: إذا لم يكن إغلاق المستشفى كافياً لحمايته من القصف، فما الذي يمكن أن يحمي المستشفيات التي لا تزال تعمل؟

 

مستشفيات النبطية: ثلاثة في خدمة الحرب

في النبطية خمسة مستشفيات، لكن المستشفيات الفعالة اليوم هي مستشفى النجدة الشعبية، والمستشفى الحكومي، ومستشفى راغب حرب.

ومنذ بداية الحرب، تركز الضغط الفعلي على المستشفيات الثلاثة التي ما زالت تعمل، والتي بات عليها أن تؤدي دوراً أكبر من قدرتها الطبيعية، وأن تبقى مستعدة لاستقبال المرضى والمصابين في أي لحظة.

مديرة مستشفى النجدة الشعبية، منى أبو زيد، تقول لـ"المدن" إن المستشفيات في الجنوب لم تكن بمنأى عن القصف.  "أكثر من مستشفى تعرّض للقصف. مستشفى ميس الجبل دمر، مستشفى جبل عامل تضرّر كثيراً وتعرّض تقريباً لقصف مباشر، كذلك مستشفى النجدة الشعبية في صور تعرّض للقصف وسوّي أرضا".

تضيف: "حتى المستشفيات التي لم تكن فيها إصابات أو نشاط، مثل مستشفى غندور، تم قصفها. الفكرة التي نفّذوها في غزة يمكن أن تحصل في لبنان، وهذا أمر مخيف".

حين يصبح المسعف نفسه هدفاً

فالمستشفيات ليست الحلقة الوحيدة في القطاع الصحي التي تعرضت للاستهداف. من مراكز الرعاية الصحية الأولية إلى المراكز الإسعافية، مروراً بسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، طاولت الاعتداءات معظم مكونات المنظومة الصحية.

ووفق آخر حصيلة تراكمية للاعتداءات على القطاع الصحي والعاملين فيه، تضرر 13 مستشفى، بينها مستشفيان مغلقان هما مستشفى ميس الجبل ومستشفى صلاح غندور. كما تخطى عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية المستهدفة 35 مركزاً، فيما تضرر 40 مركزاً إسعافياً و184 مركبة.

أما حصيلة الشهداء في القطاع الصحي، فبلغت 135 شهيداً، بينهم 130 مسعفاً وخمسة أطباء وممرضين، فيما بلغ عدد الجرحى 416.

ووفق أبو زيد، فإن ما يحصل لا يمكن التعامل معه كأمر عابر. "هذه مستشفيات، وكل ما له علاقة بالقطاع الصحي محمي بموجب القانون الدولي، ومن المفترض أن يكون أمراً أساسياً ومحميّاً. لكن إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل هذه القوانين، وتواصل ارتكاب الانتهاكات".

المشكلة، كما تراها، أن العاملين في القطاع الصحي وصلوا إلى مرحلة يشعرون فيها بأنه "لا شيء يمنع إسرائيل من استهدافهم. ومع مرور الوقت، "يبدو أن الوضع يتجه إلى الأسوأ".

 

مستشفى النجدة: الاستمرار رغم الخوف

لم يسلم مستشفى النجدة الشعبية في النبطية من القصف. تقول أبو زيد إن مباني محيطة بالمستشفى تعرضت للغارات وانهارت، ما ألحق أضراراً غير مباشرة بطواقمها والعاملين فيها.

ومع ذلك، لم يتوقف المستشفى. "نحن تعرّضنا للقصف، وهناك الكثير من طواقمنا تضررت بشكل غير مباشر، لأن مباني محيطة بنا تعرّضت للقصف وانهارت. ونحن لا نزال مستعدين".

والاستعداد، في هذه المرحلة، ليس خياراً مهنياً فحسب، بل هو نوع من التمسك بالدور الذي يفترض أن تؤديه المستشفيات في زمن الحرب. تقول أبو زيد: "أشعر أننا نحاول أن نستمر وأن نقدّم خدماتنا كما كنا في السابق، لكن الأمور أصبحت أصعب الآن. أصبحنا متعبين قليلاً. وفي النهاية، مهما كان الاتجاه الذي نسير فيه ومهما كان حجم ما نحتاج إلى القيام به، علينا أن نستمر".

ثم تختصر سبب هذا الإصرار بجملة بسيطة "لأن لدينا واجباً. نحن علينا أن نقف إلى جانب هؤلاء الناس، وأن نهتم بهم، ونحاول أن نبقى واقفين وندعم بعضنا بعضاً".

ومن النادر، بحسبها، أن يمر يوم من دون أن تستقبل المستشفى أحداً، فيما "الأرقام تزداد، خصوصاً مع استهداف العائلات".

 

المستشفى الذي يجب أن يبقى واقفاً

في المستشفى الحكومي، تبدو المعادلة مشابهة. فحتى حين لا يكون المستشفى في دائرة الاستهداف المباشر، فإن مجرد وقوع ضربة في محيطه يكفي لخلق حالة من الخوف لدى العاملين.

يقول مدير المستشفى، حسن وزني لـِ "المدن" إن "أي ضربة لمستشفى، بشكل أو بآخر، ترمز إلى انعدام الأمان، حتى لو كان المستشفى خالياً من العمل، وحتى لو كان بحجة أن هناك أشخاصاً موجودون فيه". واستهداف مركز طبي "خبر مقلق جداً بالنسبة إلينا كقطاع صحي"، لأنه ينعكس مباشرة على العاملين والأطباء ويخلق لديهم ردود فعل نفسية ومهنية. "هذا الأمر غير طبيعي بطبيعة الحال. وأحياناً الناس لا يعرفون الظروف والأسباب، ومهما كان السبب، يبقى استهداف مؤسسة صحية أمراً غير مبرر". ويشير إلى أن استهداف مستشفى "بالتأكيد أدى إلى خلق حالة من القلق والخوف".

لكن في المقابل، يحاول المستشفى الحكومي أن يفعل ما يستطيع فعله: الاستعداد:"اليوم، المستشفى أصبح أكثر جهوزية من السابق. خلال الفترة التي أتيح لنا فيها الوقت، عملنا على إعادة التجهيز، وجهّزنا غرف العمليات والطوارئ بشكل أوسع، كما قمنا بإصلاح الأضرار التي لحقت بالمستشفى، من الأبواب وغيرها". الهدف واضح: أن يبقى المستشفى قادراً على أداء دوره إذا جاءت اللحظة التي يحتاج فيها إليه الناس. "هدفنا أن نكون جاهزين لأي طارئ، وأن نستطيع القيام بدورنا في استقبال المرضى وتقديم الرعاية المطلوبة، مهما كانت الظروف".

 

الأطباء بين إنقاذ الناس ومواجهة الموت

لا تقتصر الحرب على الأضرار التي تصيب المبنى أو الخوف من القصف. الحرب تدخل أيضاً إلى غرف الأطباء، وتبقى في ذاكرتهم مع كل حالة تصل إلى الطوارئ.

المدير الطبي والطبيب شفيع فوعاني، من مستشفى النجدة الشعبية، يستعيد لـِ "المدن" مشهداً من غارة كفررمان، حين وصلت إلى المستشفى جثامين أطفال شهداء. كان من بينهم طفل يبلغ من العمر شهرين، وكان فوعاني طبيبه.

"كان المشهد صعباً جداً. ما بين يدي ليست لعبة، بل هو أمر مؤذٍ جداً".

لا يملك الطبيب دائماً رفاهية إظهار ما يشعر به. عليه أن يعمل، وأن يستقبل، وأن يعالج، وأن يبقى متماسكاً أمام المرضى وعائلاتهم. لكن ذلك لا يعني أن المشاهد تمر من دون أثر. "نحن لا نظهر كل ما نشعر به، ولا نُظهر حزننا، لكن ما يحصل ليس سهلاً. الأطفال لا يجب أن يموتوا بهذه الطريقة".

ورغم كل ما تعرض له المستشفى ومحيطها، ورغم استهداف عدد من المسعفين، يقول فوعاني إن العاملين ما زالوا متمسكين بدورهم: "تعرض المستشف للعديد من الغارات، والعديد من المسعفين استُهدفوا، ولكننا ما زلنا زامطين، وواجبنا أن نكون مع أهلنا".

غندور سقط، لكن السؤال بقي

في النبطية، لا تزال ثلاثة مستشفيات تحاول أن تبقى واقفة. مستشفيات تعرف أن عليها استقبال المرضى والمصابين، وأن أبوابها يجب أن تبقى مفتوحة، وفي الوقت نفسه لا تملك ضمانة بأن القصف لن يصل إليها.

وهنا يعود هاجس غزة إلى أحاديث العاملين في القطاع الصحي. فالمخاوف ليست من استهداف مستشفى واحد، بل من أن يتحول استهداف المرافق الصحية إلى مسار يطال المنظومة الصحية بأكملها.

في بلد أنهكته الحرب، يصبح بقاء المستشفى واقفاً أكثر من مسألة طبية. إنه يعني أن يبقى هناك مكان يمكن أن يُنقل إليه الجريح، وطبيب يمكن أن يستقبله، ومسعف يمكن أن يصل إليه، وغرفة طوارئ يمكن أن تفتح أبوابها.

أما غندور، الذي كان يوماً ملجأً للناس في الحروب، فقد أصبح هو نفسه شاهداً على حرب لم تحمِ حتى المكان الذي كان يفترض أن يحميهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث