في صباح 30 آب 2026، حمل صاروخ "فالكون هيفي" من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا أحدث تلسكوبات "ناسا" الفضائية، ودفعه في مسار يستغرق نحو ثلاثة أشهر إلى نقطة لاغرانج الثانية L2، على بعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض. هناك يعمل "جيمس ويب" أصلاً. لكن الوافد الجديد لم يأت ليكرر المهمة نفسها.
قطر مرآة "تلسكوب نانسي غرايس رومان الفضائي" 2.4 متر؛ أي نفس قطر مرآة "هابل" تقريباً. الفرق بينهما ليس في كمية الضوء التي يجمعانها، بل في اتساع ما يمكن رؤيته دفعة واحدة. ويحمل المرصد اسم أول رئيسة لقسم الفلك في "ناسا"، التي التحقت بالوكالة عام 1959، وعُرفت بلقب "أم هابل" لأنها حوّلت فكرة التلسكوب الفضائي الأشهر إلى مشروع يمكن الدفاع عنه أمام الكونغرس. ومن المتوقع أن تصلنا الصور الأولى من "رومان" مطلع 2027.
"هابل" لكن بزاوية أوسع
في قلب "رومان" كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء بدقة تقارب 300 ميغابكسل، هي أكبر مجموعة بصريات من نوعها تُبنى للفضاء. وبحسب المقارنة المعتمدة، تلتقط هذه الكاميرا مساحة من السماء أوسع بنحو 100 مرة من مساحة كاميرات "هابل" البصرية، وأوسع بنحو 200 مرة من مجال قناته العاملة بالأشعة تحت الحمراء.
المثال الأوضح لهذه المقارنات: احتاج "هابل" إلى 400 توجيه ليصوّر منطقة من مجرة أندروميدا، فيما يغطي "رومان" المنطقة نفسها وبالعمق نفسه في توجيهين. وبين اتساع المجال وسرعة الاستدارة والاستقرار، يمسح "رومان" السماء أسرع بما يصل إلى ألف مرة من "هابل".
أما اختيار الأشعة تحت الحمراء فليس تفصيلاً تقنياً. ضوء المجرات البعيدة ينزاح نحو الأحمر بفعل تمدد الكون، حتى يغادر النطاق المرئي كلياً، فلا يُلتقط إلا عند تلك الأطوال الموجية. والأشعة تحت الحمراء وحدها تخترق الغبار الذي يحجب مراكز المجرات. نطاق الرصد هذا هو ما يجعل مهمات "رومان" الثلاث ممكنة أصلاً.
ويحمل التلسكوب أيضاً أداة تجريبية اسمها "الكوروناغراف"، تحجب ضوء النجم لمحاولة تصوير كواكب تدور حوله. ليست هذه قلب المهمة، بل بروفة تقنية لمرصد لاحق تعدّ له "ناسا" باسم "مرصد العوالم الصالحة للسكن".
ثلاثة أسئلة، وثلاثة مسوح
المهمة الأساسية خمس سنوات مقسّمة إلى ثلاثة مسوح كبرى تستهلك نحو ثلاثة أرباع الوقت.
الأول مسح واسع يغطي نحو 1700 درجة مربعة، ويقيس أشكال مئات ملايين المجرات. والفكرة أن الكتلة الواقعة على خط النظر تقوّس ضوء ما خلفها، فتبدو المجرات البعيدة ممطوطة قليلاً. تشوّه ضئيل في المجرة الواحدة، لكن جمعه عبر ملايين المجرات يرسم خريطة لتوزّع المادة التي لا نراها مباشرة، أي "المادة المظلمة".
والتسمية نفسها مضلِّلة قليلاً. "المظلمة" لا تعني السوداء، بل تعني أنها لا تتعامل مع الضوء إطلاقاً: لا تصدره، ولا تعكسه، ولا تحجبه. فهي ليست جسماً معتماً ينتظر تلسكوباً أقوى، بل اسم أطلقه العلماء على شيء نعرف أنه موجود من أثره. لذلك لا يرى "رومان" المادة المظلمة ولن يراها، بل يقيس بدقة أكبر الأثر الذي تتركه على ما نراه.
الثاني مسح زمني يعيد تصوير حقول شمالية وجنوبية كل خمسة أيام تقريباً، وينتج نحو 100 ألف منحنى ضوئي لأجرام عابرة، أبرزها "المستعرات العظمى" من النوع Ia. وقيمة هذا النوع تحديداً أنه ينفجر بسطوع شبه ثابت، فيصلح شمعة معيارية: كلما بدا أخفت، كان أبعد. وبمقارنة المسافات بالانزياح الأحمر، يُقاس معدل تمدد الكون في أزمنة مختلفة.
هنا يدخل السؤال الأكبر. تسارع تمدد الكون منسوب إلى عامل مجهول اسمه "الطاقة المظلمة"، والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت ثابتة، أم أن قوتها تتبدل مع الزمن. الأول يبقي النموذج الكوني القياسي على حاله، والثاني يهزّه. و"رومان" مصمم أساساً لتضييق الهامش في هذه المسألة، إلى جانب "إقليدس" الأوروبي الذي يمسح ثلث السماء بعمق أقل، ومرصد "فيرا روبن" الأرضي. التقاطع بين المراصد الثلاثة مقصود: القياس الذي لا يصمد أمام ثلاث آلات مختلفة ليس قياساً.
المسح الثالث يوجَّه إلى مركز درب التبانة، ويصوّر ستة حقول كل 12 دقيقة. وظيفته اصطياد الكواكب، لكن بطريقة تختلف عن "كيبلر". فبدلاً من انتظار كوكب يعبر أمام نجمه ويخفت ضوءه قليلاً، يترصّد "رومان" ما يسمى "عدسة الجاذبية الصغرى" (Microlensing): حين يمرّ نجم وكوكبه أمام نجم أبعد، تعمل جاذبيتهما كعدسة طبيعية تضخّم ضوء الخلفية لفترة وجيزة.
الفرق أنَّ هذا الأسلوب يرى ما لا يراه غيره. الكواكب الباردة الواقعة خلف "خط الثلج"؛ أي البعيدة ما يكفي عن نجمها ليتجمد عليها الماء. وكذلك الكواكب "الطليقة" التي تسبح في المجرة بلا نجم مضيف أصلاً. ومن المتوقع أن يرصد نحو 1400 كوكب بارد مرتبط بنجوم، ومئات الكواكب الطليقة. لكنها توقعات خارجة من نماذج محاكاة.
المرآة الآتية من عالم التجسّس
في 2012 أعلنت "ناسا" أنها تسلّمت من مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي مجموعتَي تلسكوب غير مستخدمتين، بمرآتين قطر كل منهما 2.4 متر، من مخلفات برنامج استطلاع ملغى. كانت الخطة الأصلية للمهمة تقوم على مرآة قطرها 1.3 متر، فضاعفت المرآة الجديدة مساحة تجميع الضوء أربع مرات.
الجانب التجسسي من القصة مغري: بصريات صُنعت للنظر إلى الأسفل، يُعاد توجيهها إلى الأعلى. لكن الادعاء بأنها وفّرت المال غير دقيق، لأن مرآة أكبر استلزمت بدورها مركبة أكبر وكاميرا أكبر وصاروخاً أقوى. وقد بلغت كلفة عقد الإطلاق مع "سبايس إكس" نحو 255 مليون دولار، وهي أعلى من نظيراتها في مهمات "فالكون هيفي" الأخرى. وفي هذا التوسّع كله وجد الكوروناغراف مكاناً لم يكن له في التصميم الأول. أما الكلفة الإجمالية لدورة حياة المهمة فبلغت نحو 4.3 مليارات دولار. وقد استُهدف المشروع مراراً بالإلغاء في مقترحات الموازنة الأميركية قبل أن يعيده الكونغرس في كل مرة، ثم أُنجز في النهاية قبل موعده بنحو تسعة أشهر. العاملون فيه ينسبون هذا التسارع، إلى سباقهم مع احتمال الإلغاء.
مرصد ينتج بيانات أكثر مما ينتج صوراً
سيرسل "رومان" نحو 1.4 تيرابايت يومياً، وهو أعلى معدل بيانات لأي مهمة فيزياء فلكية لدى "ناسا" حتى اليوم، وقد يبلغ المجموع 20 بيتابايت خلال المهمة الأساسية. لا فريق بشرياً يقرأ هذا الكم.
لذلك تقول "ناسا" إن التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، ومعهما متطوعون من الجمهور، سيشاركون في الغربلة: كشف الأجرام العابرة، ورصد الحالات الشاذة، وانتقاء ما يستحق نظرة بشرية. الخوارزمية هنا تفرز، ولا تكتشف. وحدّها معروف سلفاً: هي تتعلم من المحاكاة، فتجيد العثور على ما يشبه بيانات تدريبها، وقد تمرّ من فوق الظاهرة الجديدة كلياً لأنها لا تشبه شيئاً. وهي بالضبط الظاهرة التي بُني المرصد لأجلها.
في المقابل، ثمة قرار إداري قد يكون أبعد أثراً من أي رقم تقني: بيانات "رومان" تُنشر للعموم فور معالجتها، دون فترة احتكار للفريق الذي جمعها. المألوف في "هابل" و"جيمس ويب" عام كامل من الحيازة الحصرية، وفي مرصد "روبن" عامان لأصحاب الحقوق. هنا لا حجب، وتقديم المقترحات مفتوح أمام الباحثين من أي جنسية وأي انتساب مؤسسي، مع منصة تحليل سحابية متاحة للجميع.
وهنا مفارقة، بُني "جيمس ويب" بالتعاون مع وكالتَي الفضاء الأوروبية والكندية. أما "رومان" فمشروع أميركي إلى حد بعيد: لا شريك دولي يملك فيه حصة مضمونة من وقت الرصد. لكن غياب الشركاء المالكين هو نفسه ما ألغى الحصص والامتيازات. لا أحد يملك أفضلية، فلا أحد ينتظر دوره. عملياً: باحث في جامعة عربية يفتح الملف نفسه الذي تفتحه جامعة أميركية كبرى، في اليوم ذاته.
درس "جيمس ويب"
كتبتُ عن "جيمس ويب" في تموز 2023، بعد صوره الأولى، حين كان السؤال المطروح ما إذا كان يتحدى نظرية "بيغ بانغ". يومها أُعلن عن مجرات مبكرة بدت أضخم مما يسمح به النموذج الكوني، فسارعت العناوين إلى إعلان انكساره. ثم جاء الجواب من تحليل أدقّ للضوء. فكتلة تلك المجرات قُدّرت أصلاً من كمية ضوئها، على افتراض أن مصدره نجومها. لكن تبيّن أن جزءاً كبيراً منه يأتي من مادة تتوهّج وهي تسقط في ثقب أسود مركزي. فهبطت تقديرات الكتلة حتى عشرة أضعاف، وعادت المجرات إلى حدود المسموح. النموذج الكوني لم ينكسر. ما انكسر كان نماذج تشكّل المجرات، وهي مسألة أصغر بكثير ولم تعد مغرية لعناوين الصحافة بعد ذلك.
وما جرى إعلامياً مع "ويب" سيتكرر مع "رومان"، وبوتيرة أعلى لأنه ببساطة يرصد أكثر: نتيجة أولى، ثم عناوين صاخبة، ثم تصحيح هادئ لا يقرأه أحد. وما يقي من ذلك الضجيج أن كل نتيجة أولى عليها أن تنتظر تأكيداً، وكل رقم يخرج من محاكاة يبقى توقعاً حتى يراه راصد.
هناك فرق آخر. عندما كتبتُ عن "ويب" كانت صوره أمامي، أما اليوم أكتب عن "رومان" وهو لا يزال في الطريق. فهذا مقال عن القدرات لا النتائج، وعن وعود لم يُختبر أي منها بعد.
بقيت الآن المشكلة الأجمل: ماذا سنفعل بكل ما سيراه؟




