سبعة وأربعون عامًا من الغياب، والحقيقة غائبة، أو بالأحرى مغيّبة عن اللبنانيين، ولا سيما عن شيعة لبنان.
سبعٌ وأربعون سنة على اختطاف السيد موسى الصدر، الذي أسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان مع نخبة من أبناء الطائفة الشيعية من مثقفين وأدباء وأكاديميين من كل الاختصاصات، ومتابعين للشأن العام وأصحاب الرأي على تنوعه واختلافه الاجتماعي والسياسي، من داخل الطائفة ومن كل المكونات اللبنانية.
تثبيت جذور الشيعة
بدأ السيد موسى الصدر انطلاقته من جبل عامل، وطاف في كل أرجاء الوطن، وصولاً إلى العالم العربي، من خلال الفكر الانفتاحي الذي أبرزه في عمقه العربي، من مصر إلى دول الخليج، ولا سيما السعودية، لتثبيت جذور شيعة لبنان في وطنيتهم اللبنانية، وفي ترسيخ هويتهم القومية العربية.
كان اهتمام الصدر الأول إبراز الهوية الوطنية للطائفة الشيعية، حين كان يطالبها دائمًا في مجالسه وخطاباته بألّا ترتهن لخيارات دول أخرى، إقليمية أو غيرها، أيّاً تكن هذه الدولة، وأن يبقى ولاء الطائفة الوحيد للدولة اللبنانية، رغم غبنها وحرمانها من حقوقها، وأن يبقى واجبها فوق كل اعتبار، وهو واجب الحفاظ على الولاء الوطني قبل أي شيء.
انطلق السيد موسى الصدر بإنتاج أول فكرة مع أبناء الطائفة الوطنيين ومن كافة المكونات اللبنانية، على اختلاف مشاربهم الفكرية، بإطلاق حركة اجتماعية سياسية تحت اسم «حركة المحرومين». وهي غير ما تُفسَّر اليوم على أنها حركة شيعية صِرفة، بل انطلق على أنها حركة المحرومين لكل اللبنانيين، تحت بند أن الحرمان يطال الجميع، والجميع أمام الدولة متساوون في الحقوق والواجبات.
موسى الصدر الرافض للحرب الأهلية
عند انطلاقة شرارة الحرب الأهلية اللبنانية، كان الصوت الهادر في رفضها والدخول فيها، واعتبرها المدخل لإنهاء الوطن وتشرذمه ولضياع مكانة الدولة، ولمحاولات الإصلاح من داخلها.
كما أنَّ موسى الصدر حمل قضية الجنوب، وجال بها على المحافل العربية والدولية لتحييد الجنوب عن قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وكي لا يتحمل وحده عبء هذا الصراع وهذه الحروب على أرضه. وهنا تجلّى موقفه الواضح وتعارضه مع المقاومة الفلسطينية، في أن يصبح الجنوب منصة عسكرية لإطلاق الصواريخ من أرضه نحو الجليل وشمال إسرائيل، وحتى لا يقوم العدو باختلاق الحجج ويصوّب نار جهنم على أهل الجنوب أو يحتل أجزاءً منه.
كان موقفه هذا واضحاً، رغم قوله الشهير: "إسرائيل شر مطلق". وكان واضحاً في ذلك انطلاقاً من قناعته السياسية والفكرية منذ قيام الكيان على أرض فلسطين، ورأى ما جرى للشعب الفلسطيني، ولهذا كان هاجسه الوحيد ألا يتكرر المشهد في جنوب لبنان.
دولة واحدة للجميع
موسى الصدر التقى مع الجميع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وفتح في لبنان باب العلاقات السياسية والاجتماعية مع كل المكوّنات تحت بند "الوطن للجميع في دولة واحدة". فنسج أفضل العلاقات مع اليسار اللبناني كما مع اليمين. ولا ننسى دوره مع القائد الوطني كمال جنبلاط، أو مع زعيم اليمين بيار الجميل.
رغم كل التباينات في الآراء والمواقف، إلا أن موقفًا موحدًا جمع بين كل هذه الأطراف، هو التدخل السوري. وهنا بدأ انزعاج دمشق من دور زعامة موسى الصدر، وبدأ الخلاف مع النظام السوري، وتدحرجت الأمور مع تقاطع المصالح بين السوري والإيراني، وخلاف الصدر الشديد مع النموذج الخميني ونهجه، ومع الدور الفلسطيني في لبنان وجنوبه.
فالسوري الأسدي لا يريد زعامة مستقلة للطائفة الشيعية غير تابعة له، ومنسجمة في الوقت عينه مع خصومها. لا يريد أمثال كمال جنبلاط وبيار الجميل. كما أن الأسد غير قادر على تحمّل فكر الصدر في لبنان في بناء الدولة المستقلة.
جريمة إنهاء دوره
هنا اجتمعت كل عوامل وأسباب إنهاء وجوده وتحييده من المشهد في عملية اختطافه، قبل استكمال نجاح فكرته التي بدأت من فكرة تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ومن ثم حركة المحرومين، التي أسسها مع نخبة، ولاحقًا في حركة أمل، خاصة في رعيلها الأول الذي مثّله الرئيس حسين الحسيني وثلة كبيرة من الأكاديميين والمثقفين ورجال الدين المتنورين، ومن جمهور واسع من الشيعة ومن كل الطوائف.
قبل نجاح هذا الإطار، جاء القرار بخطفه لإنهاء دوره الرائد، كما حصل مع كمال جنبلاط. أما الإخراج والإعداد لهذا السيناريو فكان على أرض ليبيا. هناك، على مسرحها، اجتمع أباطرة الحبكة الإجرامية، ونفذوا جريمتهم. وما زالت ممنوعاً كشف تلك الحبكة، أو حتى الحديث عنها، حتى من أولياء الأمر الآن، ومن يتولون الوصاية.
السؤال التاريخي منذ سبعة وأربعين عامًا: لماذا يتجنبون قول الحقيقة للناس والإعلان عنها؟ من كان وراء الجريمة؟ ومن خطف ومن قتل الشهيد القائد الزعيم الإمام موسى الصدر؟ ولماذا الخوف ما زال مسيطرًا ما دامت أدوات الحبكة سقطت؟ فقد سقطت الأنظمة المسؤولة عن تلك الجريمة، من نظام القذافي إلى نظام الأسد البائد وأعوانه، وصولًا إلى انهيار نظام إيران الخمينية.
بعكس ذلك، كل مرة، تمر الذكرى وتتكرر المشهدية ذاتها، والأسطوانة عينها، من دون الإجابة عن السؤال التاريخي. فهل عدم الإجابة مقصود ليبقى الواقع الحالي مؤبدًا، وتبقى الحقيقة مغيّبة مع غيبة السيد موسى، كما يفضلون دائمًا هذا الوصف؟ أليس هذا تغييبًا قسريًا لإعلان الحقيقة؟
أين هم من الإمام؟
كيف لنا أن نقرأ عظمة الإمام موسى الصدر، ومن بعده الإمام شمس الدين، في حين أنَّ من يخلفونه في المجلس الشيعي لا يمتّون له بصلة؟ ماذا يريدون لنا أن نقرأ، وما يريدون منا أن نقول؟
وراء هذا الغياب والتغييب هو أن نصل إلى هذا الدرك والاستهتار، وصولًا لهذه النكبة التي حذّر منها الإمام الصدر، لا سيما من خلال وجود هذه الأسماء المتربعة على عرش بناه الإمام المغيّب في المجلس، التي تشبه كل شيء، إلا فكر الإمام موسى الصدر.
وتكر سبحة الأسئلة: أين نحن اليوم من فكر ونهج الصدر، ومن قضية الجنوب وحماية أهله وهو وحده من يدفع ثمن قضية فلسطين عبر استعمال أرضه كمنصة صاروخية للغير؟ أين نحن من قضية المحرومين والعدالة الاجتماعية؟ أين نحن اليوم من إرث الزعيم الشيعي الذي خُطف، وهو من عمل ليلًا نهارًا لأن يكون لشيعة لبنان قضية أولى: الولاء للوطن وللدولة اللبنانية لا غير؟ أين موسى الصدر الذي حذّر من نكبة لبنان وشيعته، وها هم الآن في وسط طوفانها؟
خُطف السيد واستُشهد، وهو لا يملك قصرًا أو عقارًا أو سيارة فارهة. خُطف، هو من بنى صروح مؤسسة المجلس الإسلامي، ليتخذ منها الآن سكنًا خاصًا، كأن في نظره هذا هو إرث موسى الصدر.
ولا يسعني أخيراً إلا القول إن من حذّر منهم السيد وخالفوا نهجه، هم من ارتكبوا الفعلة.




