الذكاء الاصطناعي لم يفشل في ميتا: المسألة أعمق

نافع سعدالأحد 2026/08/30
مارك زوكربيرغ (غيتي)
الذكاء الاصطناعي لم يضاعف إنتاجية الشركات كما تظهر الدراسات والإحصاءات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ليلة 19 أيار الماضي، وقبل ساعات من تنفيذ موجة تسريح في شركة ميتا (Meta)، ألغى مارك زوكربيرغ التخطيط لموجة ثانية كانت مقررة في تشرين الثاني. جرى تنفيذ الموجة الأولى في اليوم التالي، وطالت نحو عشرة في المئة من العاملين.

الحكاية وردت في تحقيق نشرته وكالة رويترز في 26 آب الجاري، واستند إلى وثائق داخلية ومنشورات وتسجيلات. يدور هذا التحقيق حول مشروع اسمه Project OT، أي التحول التنظيمي، وقد انطلق خلال خلوة القيادة السنوية في كانون الثاني. كان هدفه تحويل ميتا لتصبح شركة AI-Native: وكلاء ذكاء اصطناعي يتواصلون فيما بينهم، وسير عمل مؤتمت، وبناء جديد يبدأ من الذكاء الاصطناعي لا ينتهي إليه.

ثم ظهرت الأرقام. وهي لا تسند أياً من المقولتين الجاهزتين: لا "الذكاء الاصطناعي يضاعف إنتاجية الشركات"، ولا "الذكاء الاصطناعي فشل في ميتا".

 

ثلاثة أضعاف من الكود

وفق منشور داخلي لمدير التكنولوجيا في الشركة أندرو بوزوورث، ارتفعت التعديلات البرمجية على منصات ميتا الداخلية وبنيتها التحتية بنسبة 220 في المئة مقارنة بالعام السابق. أما الميزات الجديدة أو المحسّنة التي وصلت فعلاً إلى المستخدمين، فلم ترتفع إلا 36 في المئة.

في الفترة نفسها، صعدت الحوادث التقنية والأمنية الكبرى نحو 40 في المئة، وارتفع الوقت الذي أمضاه الموظفون في إصلاحها نحو 70 في المئة. ميتا رفضت التعليق على هذين الرقمين لرويترز.

وهنا يبرز أمرٌ قلّما يُقال صراحة: الفارق بين الإنتاج والقيمة. فقد رفعت الشركة حجم إنتاجها من الكود إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف، لكن ما وصل إلى الناس لم يرتفع بالمقدار نفسه.

وللدقة، لا شيء في كل هذا يعني أن ميتا تراجعت عن الذكاء الاصطناعي. فهي رفعت توجيه إنفاقها الرأسمالي لعام 2026 إلى ما بين 125 و145 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف إنفاق العام السابق.

فالسؤال ليس: هل تستثمر الشركات في الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل تتحول زيادة القدرة على الإنتاج تلقائياً إلى قيمة؟

 

الطرف المقابل: شركة من شخص واحد

بينما كانت ميتا تكتشف حدود الأتمتة المتسرّعة، كان الطرف المقابل من القطاع يعيش النقيض تماماً.

فبناء منتج أولي كان يحتاج سابقاً من ستة أشهر إلى سنة، وصار يُنجز خلال أسابيع. وفي آذار 2025، قال جاريد فريدمان، الشريك الإداري في Y Combinator، إحدى أشهر حاضنات الشركات الناشئة في العالم، إن نحو ربع الشركات التي انضمت إليها حديثاً تعتمد على شيفرة يكتب الذكاء الاصطناعي 95 في المئة منها. وتبدو Midjourney، التي تولد الصور بالذكاء الاصطناعي، شاهدةً على هذه المعادلة؛ إذ بلغت إيراداتها السنوية نحو 200 مليون دولار مع نحو 40 موظفاً فقط ومن دون تمويل مغامر.

وهذا ليس استثناءً بل اتجاهاً واضحاً. فبحسب Stripe، المعروفة بخدمات الدفع الإلكتروني عبر المنصات، ارتفعت نسبة الشركات ذات المؤسس الواحد إلى 63 في المئة من الشركات التي تأسست عبر منصتها Atlas في مطلع الربع الثاني من 2026، وهو أعلى مستوى مسجّل. وتظهر بيانات Carta الاتجاه نفسه: صعود حصة هذا النوع من الشركات من 23.7 في المئة عام 2019 إلى 36.3 في المئة في النصف الأول من 2025.

والأهم يظهر عندما نفصل بين مجموعتين داخل البيانات نفسها. إذا رتبنا كل شركات Atlas وفق إيراداتها ونظرنا إلى الشركة التي تقع في منتصف الترتيب تماماً، أي الحالة النموذجية، نجد أن إيرادها خلال أشهرها الستة الأولى ارتفع 39 في المئة في 2025.

لكن عند النظر إلى الشركات التي أسسها شخص واحد وحدها، تنقلب الصورة. فالشركة التي تقف في المنتصف تراجع إيرادها 23 في المئة، بينما ارتفع إيراد أنجح عشرة في المئة منها بنحو 19 في المئة. وقبل أربع سنوات، كانت هذه القمة تحقق ما يقارب 34 ضعف ما تحققه الشركة النموذجية. أما اليوم، فصارت تحقق 61 ضعفاً.

الشكل الذي مكّنه الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره هو نفسه الذي تراجعت حالته النموذجية. يبدأ عدد أكبر، وتتّسع المسافة بين من يبدأ ومن ينجح.

 

المال يصل أسرع، ويغادر أسرع

إذا انخفضت كلفة التنفيذ، إلى أين تنتقل الندرة؟

لقد انتقلنا من "كيف نبني هذا؟" إلى "ماذا نبني؟"، إلى السؤال الأصعب: لماذا ينبغي أن يوجد هذا المنتج أصلاً؟

في مراجعتها لعام 2024، وجدت CB Insights المتخصصة في تحليل الأسواق أن 43 في المئة من الشركات الناشئة الممولة تفشل بسبب ضعف ملاءمة المنتج للسوق. ولم يتغير هذا الرقم عملياً منذ 2014، وثباته طوال عقد هو المعلومة الأهم: العائق الأول لم يكن يوماً القدرة على البناء.

وحاولت Stripe قياس الفارق بصورة مباشرة. فقد حللت آلاف الشركات ذات المؤسس الواحد التي تأسست في 2022 و2023، أي التي مضى عليها وقت كاف لقياس النتائج، ثم قارنت بين أنجح عشرة في المئة منها والشركات الواقفة في المنتصف. وأول ما ميّز شركات القمة لم يكن الكود ولا سرعة الإطلاق، بل عودة العملاء: نحو 30 في المئة من عملاء الشهر الأول عادوا في الشهر التالي لدى شركات القمة، مقابل ثمانية في المئة فقط لدى الشركات الواقفة في المنتصف. كما كانت شركات القمة أكثر ميلاً إلى بيع منتجاتها للشركات لا للمستهلكين الأفراد.

المسألة إذن تتعلق بالقيمة وباختيار العميل المناسب، لا بسرعة كتابة الكود.

 

الكود وحده لم يعد ميزة تنافسية

السؤال الذي يطارد كل منتج يعتمد على الذكاء الاصطناعي اليوم: هل هو شركة فعلاً، أم ميزة ستضيفها منصة أكبر لاحقاً؟

السوابق هنا شديدة القسوة. فـChegg، منصة المساعدة الدراسية المدفوعة، خسرت نحو 99 في المئة من قيمتها السوقية خلال 39 شهراً. وفي يوم واحد من أيار 2023، هبط سهمها بنحو 48 في المئة بعدما أقر رئيسها التنفيذي بأن ChatGPT يؤثر في نمو المشتركين لديه. وفي هذا السياق تشير تقديرات إلى أن الميزات التي أطلقتها OpenAI داخل منتجاتها التهمت خلال عام واحد أكثر من 200 شركة ممولة.

لكن للصورة زاوية نظر أخرى. فشركات مثل Harvey التي تخدم مكاتب المحاماة، وAbridge التي تفرغ محادثات الأطباء مع مرضاهم، تبني ما لا تستطيع منصة عامة إضافته بتحديث: خبرةً قطاعية، وامتثالاً تنظيمياً، وبياناتٍ خاصة، وتكاملاً عميقاً داخل سير عمل يصعب تجاوزه. الفارق هنا ليس في جودة الكود، بل في ما تملكه من معرفة متخصصة وبيانات، وهو ما لا يستطيع النموذج الأساسي تقليده غداً.

 

في نقد السرعة

ماذا بعد كل هذا التحليل وهذه الأرقام؟ هنا ينبغي التمهل قبل الوصول إلى استنتاجات مريحة.

في تموز 2025، نشرت METR، وهي منظمة بحثية تقيس قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، تجربة عشوائية محكمة على 16 مطوراً خبيراً يعملون على مشاريع برمجية مفتوحة المصدر يعرفونها منذ سنوات. وخلصت التجربة إلى أن المطورين احتاجوا وقتاً أطول بـ19 في المئة عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. والأغرب أنهم، بعد انتهاء التجربة، اعتقدوا أن الأدوات زادت سرعتهم بـ20 في المئة. صحيح أن العينة صغيرة، وأن النتائج لا تصلح للتعميم على المشاريع الجديدة، لكنها تقيس شيئاً واقعياً: الإحساس بالسرعة شيء، والسرعة نفسها شيء آخر.

ولخّص آدي عثماني، المهندس الرئيسي في Google، الأمر بما أسماه "مشكلة الـ70 في المئة": الذكاء الاصطناعي ينجز 70 في المئة من المشروع بسرعة مذهلة. أما الـ30 في المئة المتبقية، أي الحالات النادرة غير المتوقعة، والأمن، والدمج في بيئة الإنتاج، فما زالت صعبة كما كانت. لقد صار بناء النموذج الأولي رخيصاً، لكن بناء منتج موثوق وقابل للتوسع ومربح ليس كذلك.

فما الذي غدا نادراً إذن؟ ليس الكود، ولا رأس المال، ولا المهارة التقنية بالمعنى الضيق.

النادر اليوم هو ما لا يمكن توليده بأمر نصي: فهم المشكلة قبل الحل، ومعرفة ما يحتاجه الناس حقاً لا ما يمكن بيعه لهم مرة واحدة، والتوزيع، والثقة المتراكمة، والقدرة على قول "لا" أمام عشرة أفكار سيئة كلها قابلة للتنفيذ.

عندما يصبح البناء رخيصاً، تصبح الميزة الحقيقية هي معرفة ما لا ينبغي بناؤه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث