كان أبو عفيف يراقبني وأنا أصوّر النهر.
يجلس على حافة إسمنتية عند ضفة نهر "أبو علي" في طرابلس، يسند يديه إلى عكازه ويتابع ما أفعله من بعيد.
يشبه ببساطته وشخصيته رجال المدينة وشيوخها في هذه المنطقة النهرية.
كانت ابتسامته نحوي مزيجًا من الفضول واللامبالاة. رجل يبلغ 84 عامًا، عاش عقودًا من أهوال المدينة. يحب الاستماع إلى الحكايا، ولديه الكثير منها.
اقتربت منه. ظنني في البداية سائحة أجنبية أو امرأة غريبة.
أبو عفيف و"سياحة الفقر"
أخبرني عن شيء لا يطيقه: أن يمر زائرون غرباء وأجانب بكاميراتهم، يتحملون الرائحة الكريهة المنبعثة من النهر، ويتوقفون أمام البيوت المتداعية وبسطات البالة والخضار، ويلتقطون كثيرًا من الصور، ويستمعون أحيانًا إلى مقتطفات من تاريخ عريق لهذه المدينة، يرويها لهم دليل سياحي يتقاضى أجرًا.
كأنه، ومن حيث لا يدري، وهو ابن "الحارة البرانية" المحاذية للنهر، يغضب من أنماط "سياحة الفقر". حين تتحول معاناة الناس وتجليات الإهمال والفساد - في نظام رأسمالي قادر على تحويل كل شيء إلى سلعة - إلى مشهد يستهلكه زائرون يمرون ثم يغادرون.
من بداية سلامنا، عرف أبو عفيف أنني لست سائحة ولا أجنبية. أخبرته أنني ابنة هذه المدينة، وعملت صحافية فيها لسنوات، ولم يمض على اغترابي عنها سوى عامين. لكن الانفصال عن مدننا الأولى يدفعنا نحو رغبات غير مألوفة عند العودة إليها. كأن يكون نهر "أبو علي" وجهةً تقصدها.
هو لا يشبه نهر السين الفرنسي مثلًا. الرائحة كريهة. النفايات عالقة في مجراه وعلى جنباته، وكل ما فيه شاهد على عقود من التخلي والإهمال والفساد.
وفي الصيف، يبدو غدير مياهه الشحيح كأنه يقاوم الجفاف داخل قناة إسمنتية ضخمة تشق المدينة إلى ضفتين.
معلقات الأثرياء
ومن حوله تتراصف أبنية متعبة فوق بعضها بعضًا. وقبالة النهر، درج يصل إلى تلة "ضهر المغر"، حيث تتراصف أبنية مهددة بالسقوط، بعدما سقط بعضها بالفعل.
وفي مواسم الانتخابات، كانت تتحول الأبنية نفسها، بواجهاتها وشرفاتها، إلى معلقات تتدلى منها صور زعاماتها وسياسييها وأثريائها، وبعضها أكبر من نوافذ البيوت التي تحملها.
شعارات كثيرة حملتها بيوت يعيش أهلها على هامش الحياة، مقابل أموال زهيدة أو وعود لا تتحقق. "منحبك"، "الله لا يحرمنا هالطلة"، "صوتك فيصل"، "دولة الاعتدال"، "رجل المواقف الصعبة"..
وحين تنتهي الانتخابات، تُرفع بعض الصور، أو تأكلها الشمس، أو تقتلعها الرياح، لتعود، بعد كل موسم، الأبنية وسكانها إلى أسفل قائمة اهتمام من صوّتوا لهم.
أما حيوات الناس فوق الأجزاء المسقوفة من النهر وحوله، ورغم انعدام أبسط حقوق المواطنة، فتسير على نحو عشوائي بانتظام. على امتداد الطريقين المستحدثين بمحاذاة قناة النهر، تنشط أسواق شعبية وبسطات للخضار والملابس والباعة الجوالين، تستقطب سكان المدينة والعابرين، وتتفرع منها مسارات نحو مناطق وأحياء وأسواق طرابلس القديمة: سوق النحاسين، وخان الخياطين، والحمامات والزاهرية وباب الحديد، ومنها إلى القبة وأبي سمراء وباب التبانة وجبل محسن ودوار السلام، وصولًا إلى البداوي.
النهر في قلب كل هذه الحركة. لكن الحياة تبدو كأنها تجري حوله وفوقه، لا معه.
إرث التلوث
أبو عفيف أحد سكان النهر. عاش عمره في الحارة البرانية، الواقعة في أحد زواريب المنطقة النهرية، حيث تتراجع شروط الحياة والصحة والبيئة والعمران.
عمل أبو عفيف خياطًا نحو خمسين عامًا، وتقاعد بعدما لم تعد صحته تسمح له بالعمل. أصيب بمرض في القلب والرئتين، وهو يربط بين ما أصابه وبين سنوات العيش في هذه البيئة.
يقول: "قلبنا يؤلمنا من الروائح الكريهة المنبعثة من النهر والصرف الصحي، لكننا تعودنا على هذا الألم".
زمن شمعون
لكن ذاكرته عن "أبو علي" لا تبدأ من الرائحة. تبدأ من زمن آخر، حين عرف معنى العيش في مدينة "زهر الليمون".
يسترجع الماضي بالقول: "في عهد كميل شمعون عشنا العز فقط، لا قبله ولا بعده. كان إنسانًا منفتحًا، وكانت طرابلس مزدهرة وزارها أكثر من مرة. وكانت هناك محاولات لإصلاح منطقة النهر في عهده، لكنها لاحقًا باءت بالفشل".
وفي ذاكرة أبي عفيف، ثمة نهر آخر أيضًا.
ينحدر قاديشا من المرتفعات الشمالية، وحين يصل إلى طرابلس يحمل الاسم الذي التصق بتاريخها: "أبو علي". وقبل أن تحاصره الخرسانة، كان جزءًا من اقتصاد المدينة وحياتها. وكانت مياهه مصدرًا للري والزراعة، وقامت حوله الجنائن وبساتين الليمون والبرتقال.
ليلة النكبة
ثم جاءت ليلة السابع عشر من كانون الأول عام 1955.
فاض "أبو علي"، وغيّر وجه طرابلس.
تدفقت المياه خارج المجرى واجتاحت البيوت والمحال والجسور. وتوثق بعض الدراسات مقتل نحو 160 شخصًا وتشريد قرابة ألفين.
لكن نكبة النهر لم تنته بانحسار المياه، بل امتدت إلى ما أعقبها. توجهت الدولة إلى إعادة هندسة المجرى السفلي، وحوّلت نهر "أبو علي" إلى قناة خرسانية تفصل المياه عن المدينة بجدران مرتفعة. كان الاعتقاد أن هذا الإجراء يحمي طرابلس من فيضان آخر، لكنه غيّر علاقتها بنهرها أيضًا، فتنامت الكارثة.
ومع الوقت، أضيف إلى الحاجز الخرساني حاجز آخر: النفايات ومياه الصرف وشح المياه صيفًا.
وهكذا صار "أبو علي" حاضرًا في جغرافيا طرابلس إلى حد يستحيل تجاهله، وغائبًا عن حياتها إلى حد يكاد يفقده معنى النهر.
رجل في النهر
وحده رجل كان يقف في قلب المجرى. لمحته من أعلى، وسط المياه الشحيحة والنفايات، يحمل شبكةً ينزلها إلى القاع ثم يرفعها محمّلة بالحجارة، يفرغها عند طرف المجرى ويعود ليكرر ما يفعل.
ظللت أراقبه من بعيد، من دون أن أتمكن من الوصول إليه أو معرفة ما الذي يجمعه تحديدًا، أو لماذا. بدا منهمكًا في عمله، كأن في قاع هذا النهر الملوث ما يستحق أن يقضي نهاره في انتشاله، لقتل الوقت والبطالة.
ملايين لا تعيد النهر
لكن نهر "أبو علي" لم يكن متروكًا بلا مشاريع وأموال.
ولم تُصلح مشاريع الدولة والحكومات المتعاقبة، ولا تلك التي نفذها لاحقًا مجلس الإنماء والإعمار، هذا الانفصال.
منذ مطلع الألفية، دخل النهر ومحيطه ضمن "مشروع الإرث الثقافي والتنمية الحضرية"، الذي بدأ تنفيذه عام 2005 بإشراف مجلس الإنماء والإعمار، ولم تُستكمل أعماله، بتمويل من جهات دولية، وبكلفة خُصص لها نحو 19 مليون دولار أميركي.
أما النتيجة على الأرض، فلم تشبه كثيرًا وعود "الإحياء". سُقفت أجزاء من نهر كان مؤهلًا ليكون أحد أبرز المواقع النهرية والسياحية في لبنان، بينما استمر مجراه مكبًا للنفايات ومصبًا لمياه الصرف الصحي.
مصب المجارير
والمفارقة نفسها تمتد إلى ملف الصرف الصحي. ففي تحقيق أجريته في "المدن" عام 2024 عن محطة تكرير المياه المبتذلة في طرابلس، كان المشهد أكثر مباشرة: عشرات أنابيب الصرف الصحي تخترق الجدار عند ضفتي "أبو علي"، وتلفظ في مياهه، على مدار الساعة، المياه المبتذلة وبقايا النفايات والدماء والجلود الحيوانية.
على بعد كيلومترات فقط، تقع محطة تكرير طرابلس، الأكبر في لبنان وواحدة من أكبر محطات التكرير وأكثرها تطورًا في حوض البحر المتوسط، لكنها معطلة.
مشروع تعود بداياته إلى التسعينات، وناهزت كلفته 100 مليون دولار، وكان يفترض أن يستفيد منه نحو مليون شخص في طرابلس وجوارها.
لكن بعد نحو 17 عامًا على استكمال مشروع بنائها، وما أحيط حولها من شبهات فساد، بقيت طرابلس وجوارها محرومين من عمل المحطة بكامل طاقتها وتقنياتها، بينما استمرت مياه الصرف في الوصول إلى النهر.
وهنا تصبح الرائحة التي يشكو منها أبو عفيف أكثر من تفصيل في حياة رجل يسكن قرب "أبو علي". إنها الأثر اليومي الذي يصل إلى بيوت الناس وأجسادهم، لخلل أكبر لا تختصره محطة شبه معطلة أو مشروع لم يكتمل.
النكبة التي لم تنتهِ
لم تكن نكبة "أبو علي" في ليلة السابع عشر من كانون الأول 1955 وحدها. تلك كانت نكبة الفيضان. أما ما تلاها، فتكشفه نحو سبعة عقود من علاقة طرابلس بنهرها، طبعتها سنوات من الإهمال والمشاريع المشكوك في جدواها.
ويكشف "أبو علي"، بهذا المعنى، حقيقة العلاقة التي ربطت طرابلس بالحكومات المتعاقبة ومجلس الإنماء والإعمار، والأهم بنوابها وزعمائها وأثريائها.
في الشكل، نجحت الدولة في تحصين المدينة من فيضان آخر، لكنها فصلتها عن نهرها، وحرمتها من فرصة أن يكون هذا النهر أحد أهم الوجهات الطبيعية في البلد.
وتعاقبت الحكومات والمؤسسات والبلديات، وأُطلقت مشاريع "الإحياء" و"التنمية"، ورصدت ملايين الدولارات لتأهيل النهر ومحيطه، وأُنشئت واحدة من أضخم محطات التكرير في المنطقة. ومع ذلك، بقيت المجارير تصل إلى "أبو علي"، وبقيت الأحياء المحيطة به من أكثر أحياء المدينة هشاشة.
وما بين النهر الذي يتذكره أبو عفيف والنهر الذي يجلس أمامه اليوم، لم تخسر طرابلس موردًا طبيعيًا فقط. خسرت جزءًا من علاقتها بمكانها، بينما بقي سكان الضفتين يدفعون ثمن هذا الانفصال في بيئتهم وصحتهم وعمرانهم ونسيجهم الاجتماعي والحضري.
نكبة عام 1955 صنعتها الطبيعة. أما النكبة التي استمرت بعد انحسار المياه، فصنعتها عقود من إدارة النهر والمدينة.




