من ترانيم الكنائس وأغاني الحانات إلى "لن تسير وحدك" و"الكرة عائدة إلى موطنها"... كيف صنعت الأناشيد هوية كرة القدم الإنكليزية؟
في الملاعب الإنكليزية، لا تبدأ المباراة دائماً بصافرة الحكم. وفي كثير من الأحيان تسبقها أغنية ترتفع من آلاف الحناجر قبل ظهور اللاعبين على أرض الملعب.
ويختلف النشيد عن الهتاف القصير. فالأول يتحول مع الزمن إلى طقس ثابت وجزء من هوية النادي، بينما يولد الهتاف غالباً من لحظة عابرة، هدف سجله لاعب، أو خطأ ارتكبه منافس، أو موقف ساخر شهدته المباراة. وقد تبدأ كلماته في حانة أو قطار، ثم تنتقل إلى المدرج وتنتشر بين الآلاف خلال دقائق.
من قاعات الموسيقى إلى مدرجات الكرة
تعود جذور الغناء الكروي في إنكلترا إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما تحولت اللعبة إلى التسلية الشعبية الأولى في المدن الصناعية. حمل المشجعون إلى الملاعب ألحان قاعات الموسيقى والحانات والترانيم الكنسية والأغاني العسكرية، ثم أعادوا صياغتها بما يناسب أنديتهم ولاعبيهم ومنافسيهم.
ومن أقدم الأمثلة نشيد نوريتش سيتي "On the Ball, City"، الذي تعود جذوره إلى تسعينيات القرن التاسع عشر، ولا يزال يغنى حتى اليوم. تبدو كلماته مثل تعليمات كروية قادمة من العصر الفيكتوري، حافظوا على الكرة، تقدموا إلى الأمام، ولا تخشوا الخطر. وبقاؤه كل هذه العقود يجعله قطعة حية من تاريخ اللعبة.
وفي عام 1927، أصبحت ترنيمة "Abide with Me" جزءا من تقاليد نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي. لم تكتب الترنيمة لكرة القدم، لكن أداءها الجماعي في ملعب ويمبلي منح النهائي طابعاً مهيباً واحتفالياً، وربط اللعبة بطقس وطني ظل حاضراً في الذاكرة الإنكليزية.
غير أن الشكل الحديث لأهازيج المدرجات تبلور في الستينيات، بالتزامن مع صعود موسيقى البوب. وكان جمهور مدرج الكوب في ليفربول من أبرز من أعادوا تشكيل هذا التقليد، إذ التقط المشجعون الأغاني الرائجة وبدلوا كلماتها بأسماء اللاعبين أو الخصوم. ومن هناك انتشر الأسلوب القائم على لحن مألوف وكلمات بسيطة وروح ساخرة.
أغان لم تكتب لكرة القدم
أشهر هذه الاغاني بلا منازع اغنية "You’ll Never Walk Alone" "لن تسير وحدك" ظهرت الأغنية للمرة الأولى في المسرحية الموسيقية الأميركية "Carousel" عام 1945، ثم سجلتها فرقة قادمة من ليفربول، سنة 1963
.
كان مدرج أنفيلد يشغل قبل المباريات الأغاني المتصدرة لقوائم المبيعات، فالتقط المدرج الأغنية وبدأ ترديدها. وحين خرجت من القائمة وتوقف تشغيلها، واصل المشجعون أداءها من دون موسيقى. عندها لم تعد تعتبر نجاحا تجاريا عابرا، بل أصبحت ملكا للجمهور.
اكتسبت الأغنية معنى أعمق بعد كارثة هيلزبره، التي وقعت في 15 أبريل 1989 خلال مباراة ليفربول ونوتنغهام فورست في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، وأسفرت عن مقتل 97 من مشجعي ليفربول. فقد تحولت إلى وعد بالتضامن مع الضحايا وعائلاتهم، ورمز للسعي الطويل إلى الحقيقة والعدالة. وتكمن قوة الأغنية في قدرتها على مرافقة ليفربول في لحظات الفرح والانكسار والحداد بالصدق نفسه.
الأناشيد الحقيقية يختارها المدرج.
أما وست هام يونايتد، فيرتبط بأغنية "I’m Forever Blowing Bubbles"، التي ظهرت في الولايات المتحدة عام 1919. تتحدث كلماتها عن فقاعات جميلة ترتفع ثم تنفجر، وعن أحلام تتلاشى سريعا. ولهذا بدت كأنها تصف علاقة مشجعي وست هام بفريقهم، أمل لا يتوقف، وخيبات متكررة، ووفاء يبقى رغم كل شيء.
وفي مانشستر، تبنى جمهور سيتي أغنية "Blue Moon" في نهاية الثمانينيات. لم تكتب للنادي، لكنها انسجمت مع اللون الأزرق ومع تاريخ فريق كان النجاح الكبير نادراً في تاريخه آنذاك. وهكذا منح المدرج أغنية عاطفية قديمة معنى كرويا جديدا لم يتخيله مؤلفوها.
المنتخب الإنكليزي الحلم الذي يعود بعد كل خيبة
على مستوى المنتخب، تبقى "Three Lions" الأغنية الأشهر في الذاكرة الإنكليزية الحديثة. صدرت خلال بطولة أوروبا 1996. وسرعان ما تحولت عبارة "Football’s Coming Home" إلى لازمة تتكرر قبل كل بطولة كبرى.
لكن الأغنية لا تقوم على الثقة المفرطة، كما يفهمها بعض المنافسين. جوهرها الحقيقي هو الاعتراف بالفشل ثم الإصرار على الحلم. فهي تستعيد عقوداً من الخيبات منذ الفوز بكأس العالم عام 1966، لكنها تترك دائما مساحة لفكرة أن البطولة المقبلة قد تكون مختلفة.
وليست جميع هتافات المدرجات بريئة. فقد عرفت الملاعب أيضا أهازيج عنصرية، وأخرى تسخر من الكوارث والوفيات. لكن أفضل ما في هذه الثقافة يبقى قدرتها على تحويل آلاف إلى صوت واحد، وحفظ تاريخ النادي بعيدا عن البيانات الرسمية وشعارات الرعاة.
فاللاعبون والمدربون والمالكون يرحلون، وقد تتغير أسماء الملاعب، لكن الأغنية التي اختارها الجمهور تبقى. إنها الدليل على أن النادي ليس فريقا فقط، بل ذاكرة جماعية تجد في الغناء وسيلتها للبقاء.




