تقف "أم يونس" امرأة خمسينية أمام محل الخضراوات للعم "أبو غسّان" في أحد أحياء دمشق، حيث اعتادت الشّراء منه منذ سنوات، تفاضل بدقّة بين خيارتين، وتشتري البندورة "بالحبّة" لتدبير صحن سلطة متواضع يرافق طبق "المجدّرة".
بينما على بُعد بضعة الأمتار، يجلس الجار مع ابنه، يفاضلان بين صالتي زفاف لحجز واحدة منهما بملايين الليرات لليلة واحدة.
يُظهر هذا المشهد المفارقة الكبيرة بين الجيران، ويعكس الحالة الاجتماعيّة المعقّدة التي تعيشها سوريا، التي شهدت تفاوتاً طبقيّاً كبيراً نتيجة الأزمات المتتالية.
مجاراةٌ مكلفة وفرحٌ مستعار!
من جهة، هناك فئة المقتدرين الذين يدفعون بلا حساب قبل الزواج، ولا يعرفون الطّريق إلى المطبخ بعده لأن خيارهم اليومي هو المطاعم. ومن جهة أخرى، هناك من عزف عن الزواج بسبب وضعه في خانة "المعترين"، العاجزين عن تأمين حاجاتهم الأساسيّة قبل أن يفكّروا بمائدتهم الأسريّة المستقبليّة.
وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة، نجد أن بعض أبناء الطبقة المتعبة يحاولون إقامة "عرس مطنطن"، مما يدفعهم إلى المجاراة، وتحمّل ما لا طاقة لهم به لإحياء يوم زفاف مميّز.
ويتذرّع هؤلاء بعبارة "هو مرّة وحدة بهالعمر"، رغم أن النتيجة قد تكون الوقوع في فخ الديون التي يصعب الخروج منها، وغالباً ما يكون هؤلاء أنفسهم من يقفون في المطبخ بعد أيام، يتساءلون: "كيف سنؤمّن ثمن الطبخة؟".
وتجسّد هذه الحالة الصراع الداخلي الذي يعيشه كثيرون بين الرغبة في الزواج والاحتفال، وما يتكبّده ذلك من تكاليف لا يستطيعون تحمّلها وسط واقع معيشي قاس، ما يحوّل الفرح إلى عبء ثقيل، يخطف منهم أعمارهم في المستقبل، بسبب ما ترتّب عليهم من ديون.
"لكلّ حصان كبوة" والصحوة متأخرة!
مثلما حدث تماماً مع العروس "رهام" (27 عاماً)، التي دخلت إحدى صالات الأفراح في دمشق على أنغام أغنية الفنانة ماجدة الرومي.. "عحصان أبيض جاية يخطفك منّي.. إن شاء الله بتنالي بهالدني كل شي بتتمنيه"، ثم استقبلها العريس فارس (35 عاماً) وسط زغاريد ورقصات المعازيم، لتكون تلك الليلة استثنائية في حياتهما لا يمكن نسيانها أبداً.
لكن عندما انتهت الموسيقى وانطفأت أضواء الصالة، استيقظ العروسان المدينان على استحقاقات اليوم التالي، غارقان في ورطة كبيرة، حيث تحدّثا لـ"المدن" عن تكاليف الزفاف التي أرهقت ميزانيتهما.
وقال "فارس": "دفعت أنا وزوجتي كل ما نملك، واستنفرت العائلتان وتداينت ليخرج العرس بشكل "يبيّض الوجه" أمام الناس، واليوم أدفن نفسي بالديون لأجل ليلة واحدة، وأحسب مع زوجتي ألف حساب قبل إعداد طبخة في المنزل!
وأضافت "رهام": "لقد كلّف حفل زفافنا، الذي يعتبر مقبولاً نسبياً، مبلغاً تراوح بين 10 و12 ألف دولار، ونصف هذا المبلغ هو دين، للأسف، فقد تدهور عمل زوجي أكثر من السابق، ولم يعد يكفي لتغطية نفقات معيشتنا وسداد ديوننا".
بورصة الزفاف.. بالدولار!
في جولة لـ"المدن" حول الأسعار لإقامة حفل زفاف في دمشق، تبيّن أن التكاليف تختلف من منطقة إلى أخرى، فقد بلغت تكلفة الصوت والإضاءة حوالي 1500 دولار وما فوق، بينما يبدأ سعر الزهور من 1500 دولار أيضاً، أما بالنسبة للتصوير، فتبلغ تكلفته 1500 دولار أو أكثر، مع إمكانية الحصول على أسعار أقل بقليل بعد التفاوض.
وبالنسبة لسيارة العروس، يتراوح سعرها بين 150 و200 دولار، في حين تحدّد تكلفة بطاقة الدعوة بناءً على الشكل والعدد المطلوب، وغالباً ما تتجاوز 150 دولاراً لـ 135 دعوة، أما طقم العريس، الذي يشمل "البابيون"، و"الجيلي"، القميص، بالإضافة إلى الحذاء، فتبدأ تكلفة ذلك من 300 دولار وما فوق.
ولا يمكننا أن نغفل تكلفة الإقامة في غرفة الفندق بعد الزفاف، والتي تبدأ من 200 دولار حسب تصنيف الفندق ونجومه. أما شهر العسل، فتختلف أسعاره بناءً على مكان الإقامة والوجهة، وإذا كان العروسان يرغبان في السفر خارج البلاد، فإن التكلفة تبدأ من 4000 دولار وما فوق.
ضريبة المظاهر و"بقرة جحا"
لا يمكننا أن ننسى قصّة جحا وابنه وحماره، حيث لم يسلموا من انتقادات الناس مهما كانت الظروف، هذا ما حدث في زفاف "رهام وفارس"، حيث قال الأخير: "في اليوم التالي، سمعت بعض المعازيم ينتقدون العشاء بأنّه كان قليلاً، والصالة كانت صغيرة، وسمعت تعليقات مثل: "كان هيك حلو بس لو!"، أو "كأنو مو سخيانين!"
وأضافت رهام: "لقد استسلمنا للمظاهر في ليلة واحدة، وخفنا من كلام الناس إذا اختصرنا الحفل، لكن كل ذلك جاء على حساب استقرارنا المالي لعدّة أشهر، ورغم ذلك لم نرضِ الجميع".
ولأن إرضاء الناس "غاية لا تدرك"، من المهم أن نحتفل بزفافنا بالطريقة التي تناسبنا، لكن دون "بروزة"، كان يجب علينا أن نختار البساطة، وعدم الانجرار وراء الظهور بمظهر مبهر لا نستطيع تحمّل تكاليفه، فقط من أجل هذه الليلة و"القيل والقال"، بحسب تعبيرهما.
دعوة الزفاف.. كابوس!
تعود الجارة "أم يونس" إلى الواجهة، التي كانت تفاضل بين خيارتين وحبّة بندورة، لتقول لـ"المدن": "لا تقتصر الضغوط على العروسين فقط، بل تمتد أيضاً إلى الضيوف أنفسهم، فباتت دعوة الزفاف غير مفرحة".
وتتحوّل هذه الدعوة إلى كابوس، لدى "أم يونس" إذ لم تستطع الاعتذار عنها وسط هذه الظروف الاقتصادية المتدهورة، فتلبية الدعوة تكلّف تقريباً راتب شهر كامل لموظف واحد. لذا، اعتذرت "أم يونس" وابنتها عن حضور حفل زفاف "فارس ورهام"، لأنّها عاجزة عن تأمين "طبق المجدرة"، فكيف تؤمّن أجور الشّعر والمكياج والفساتين الجديدة والهدايا وما إلى ذلك؟
وحتّى طبق "المجدرة" الذي ارتبط تاريخياً بالبساطة تحوّل تحضيره اليوم إلى حسابات معقّدة، حيث أصبحت هذه الوجبة الشعبية تحتاج ميزانية تفوق قدرة أسر كثيرة.
حسبة "المجدرة"
وعن الطبخة المقدّرة، تحتاج ربة المنزل لصنعها لخمسة أشخاص نصف كيلو عدس يصل سعره إلى 8 آلاف ليرة سورية (قديمة) في دمشق، وتحتاج أيضاً إلى البرغل الذي يصل سعر النصف كيلو منه إلى7 آلاف ليرة وفيما إذا طبختها مع الأرز فتحتاج إلى نصف كيلو أيضاً يتراوح سعره 7 آلاف ليرة.
وبالانتقال إلى "غندرة" الطبخة، فلا بدّ لربة المنزل من إضفاء البصل وزيت الزيتون، في حال لم تستبدله بنوع آخر من الزيوت في ظل ارتفاع سعره، فهي بحاجة إلى كأس صغير من زيت الزيتون يصل سعر اللتر الواحد منه إلى ما يقارب 50 ألف ليرة إضافة إلى نصف كيلو بصل يبلغ سعره 2500 ليرة.
ولا يمكنا الاستغناء عن طبق السلطة في حضرة المجدرة، فيصل سعر نصف كيلو البندورة إلى 2500 ليرة ونصف كيلو الخيار إلى قرابة 6 آلاف ليرة. كما تحتاج السيدة إلى خسّة سعرها 3 آلاف ليرة.
وتحتاج أيضاً إلى القليل من النعنع اليابس والملح وسعر الظرف منهما 2000 ليرة، وتحتاج إلى الليمون الذي وصل سعر الكيلو منه إلى20 ألف ليرة. كما تحتاج لتشتري أيضاً رأساً من الثوم اليابس بما يقارب 2000 ليرة.
ضحكةٌ على الوجع
ويحدّثنا العم "أبو غسّان" (58 عاماً) صاحب محل الخضراوات، قائلاً: "قبل سنوات، كان الزبون يشتري الخضار بالسحّارة دون أن يرفّ له جفن، اليوم، يتكرّر أمامي مشهد أليم؛ فقد بات يشتري ما يسدّ رمق وجبة اليوم فقط، ويقول: "صار بدها ميزانية!".
وفي الحديث عن الميزانية، اختتم العريس "فارس"، وهو يحسب تكلفة الطبخة الواحدة يومياً، بقوله: أرخص طبخة أصبحت تكلفتها "هيديك الحسبة"، وطبق المجدرة مع صحن سلطة، الذي كان يُعتبر طبق الفقراء، أصبح يكلّف حوالي 50 ألف ليرة سورية.
وفجأة وضع "فارس" يده على كتف "رهام" وتساءل بابتسامة: "شو رأيك يا عروس، تعمليلنا مجدرة؟




