ليل زحلة ليس كنهارها: عاصمة البقاع خسرت رونقها وجيل الشباب

لوسي بارسخيان الاثنين 2026/08/24
شوراع زحلة في النهار (لوسي بارسخيان)
كأس العرق، الذي كان جزءاً من صورة المدينة، لم يعد قادراً على استقطاب جيل الشباب (لوسي بارسخيان)
حجم الخط
مشاركة عبر

بين مللٍ قاتل يخيّم على ساعات النهار، وصخب المطاعم والمقاهي والمؤسسات السياحية الذي يبدأ مع ساعات المساء الأولى، يتقلّب حال زحلة في أقل من 24 ساعة يومياً، كأننا أمام مدينتين تعيشان في زمن اقتصادي واجتماعي مختلف. 

 

ففي النهار، ترزح زحلة تحت وقع تداعيات الأزمات المتتالية التي مرت على لبنان، بينما ينقلب المشهد ليلًا كأن لا أزمات ولا حروب ولا من يحزنون، وهذا ما يثير المخاوف من قدرة السياحة، إذا ما بقيت وحدها ركيزة أساسية، على الصمود من دون قاعدة تجارية وخدماتية واقتصادية تسندها وتؤمّن للمدينة حركة على مدار العام. 

شوراع زحلة في النهار (لوسي بارسخيان)

بعد تأخر نسبي في بداية أشهر الصيف، بدأت زحلة تشهد حركة سياحة داخلية نشطة، تصفها نورما مرجبا مديرة أحد أقدم فنادق المدينة بالمقبولة منذ شهر تموز. 

 

وأضافت أنها لا تعرف ما إذا كانت حركة طبيعية، "لأننا منذ تسلمنا إدارة الفندق لم نختبر معنى الحركة الطبيعية في الصيف". وبالتالي تأسف مرجبا لكون هذا الواقع لا يسمح لإدارة أي مؤسسة سياحية بأن تضع استراتيجية طويلة المدى، "لأننا قد نستعد جيدًا لفصل الصيف الذي يتطلب استعدادات مسبقة، لنفاجأ بأزمة تعيدنا إلى الوراء وتكبدنا خسائر، سواء في تجهيز اليد العاملة الإضافية أو المستلزمات اللوجستية المطلوبة". 

 

سياحة داخلية

هذا العام، تقول مرجبا، "تفاجأنا بحركة شهري تموز وآب. والبعض لم يكن مجهزًا فلم يتمكن من مواكبتها، بينما من كان جاهزًا حمل أعباء رواتب الموظفين لأربعة أشهر من دون مدخول كاف للمؤسسة".

تشكل حركة الفنادق في المدينة مؤشرًا لاستقطاب الزوار من خارجها. إلا أن معظم هؤلاء، كما يتبين، هم نزلاء محليون، لديهم أسباب مختلفة ليقصدوا زحلة. قد يكون لموسم الأعراس الفضل في ملء غرف الفنادق، بينما معظم الحركة المطعمية في المدينة تبدو مقترنة بسياحة داخلية، كما يؤكد أصحابها، ويُفتقد فيها بشكل أساسي المغترب الزحلاوي الذي بقي حضوره هذا العام محدودًا جدًا. ومع ذلك ثمة انتعاش ملموس في القطاع المطعمي.

 

يربط البعض جانباً من هذه الحيوية بالاستثمارات التي شهدها القطاع في السنوات الأخيرة، رغم الأزمات المتتالية التي مرّ بها البلد. وهذا ما سمح لزحلة بأن تحافظ على موقعها كمتنفّس للباحثين عن المطاعم والمقاهي، ليس فقط لتناول وجبة جيدة، وإنما أيضاً لما توفره من مساحة للترفيه والحرية والابتعاد عن ضغط الحياة اليومية.

لكن الحركة السياحية، حتى حين تكون جيدة، لا تعني بالضرورة أن الدورة الاقتصادية للمدينة عادت إلى طبيعتها. فزحلة لم تعد منذ سنوات قبلة لمتسوّقي المتاجر، إلا أن شوارعها وأسواقها تعيش حاليًا في حالة ركود يصفها البعض بأنها غير مسبوقة.

 

تغير في طبيعة المدينة

يقارن رئيس جمعية تجار وسط زحلة زياد سعادة بين واقع الأسواق اليوم وما كانت عليه سابقًا، معتبراً أن التحول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تغيّر عميق في طبيعة المدينة ووظائفها الاقتصادية والخدماتية.

ففي الماضي، كانت أسواق زحلة تضم أكثر من أربعين عيادة طبيب وأكثر من ثلاثين مكتب محاماة، إضافة إلى عدد كبير من المكاتب والمؤسسات التي كانت تستقطب الناس من مختلف أنحاء المنطقة. وكان قاصد زحلة لإنجاز معاملة رسمية أو لزيارة طبيب أو محامٍ، يتحول بصورة طبيعية إلى زبون في السوق. 

 

أما اليوم، وفق سعادة، فقد انتقلت نسبة كبيرة من هذه المهن والخدمات إلى مواقع أخرى، هذا في وقت تقلّصت أيضاً مركزية زحلة الإدارية. وزادت العطل الأسبوعية وفوضى الدوائر الرسمية من صعوبة الاعتماد على الحركة الإدارية كرافعة للنشاط التجاري. وهذا التراجع في الوظائف المركزية للمدينة انعكس حكماً على التجارة. 

 

ولم يتغيّر دور المدينة وحده، بل تغيّر المستهلك أيضاً. فاحتياجاته وتوقعاته وطريقة بحثه عن السلع والخدمات لم تعد كالسابق، وكانت جائحة كورونا نقطة فاصلة في هذا المسار، بعدما عرّفت شريحة واسعة من الناس إلى التسوق الإلكتروني، ورسخت الاعتماد على الـ "الأونلاين". وزادت الأمور تعقيدًا بعدما ترافق التحول الرقمي مع تدهور مالي ونقدي غير مسبوق، أدى إلى إضعاف القدرة الشرائية وإلى تغيير آليات التعامل نفسها داخل المؤسسات.

 

تصف صاحبة إحدى المؤسسات التجارية الحال بأنه "الأسوأ منذ سنوات طويلة"، مشيرة إلى أن  الشهرين الأخيرين تحديداً كارثيان. وفي بحثها عن الأسباب تقول أنه في السابق كانت الدورة التجارية تسير بصورة طبيعية نسبياً. يكفي تحرير شيك لتأمين المستلزمات المطلوبة ومواصلة العمل. أما اليوم، فقد أصبح التعامل النقدي هو القاعدة، في وقت تراجعت السيولة المتوفرة داخل المؤسسات وتقلصت القدرة على تمويل دورة العمل.

 

في حلقة مفرغة

لا شك أن لتخفيض نفقات المؤسسات تداعيات ظهرت خصوصًا في القدرة على تطوير الخدمات أو تجديد المتاجر أو الاستثمار في التسويق. وهذا ما وضع المؤسسات في زحلة في حلقة مغلقة. فتراجع الحركة يؤدي إلى تقليص الإنفاق، وتقليص الإنفاق يحدّ من القدرة على التطوير، فيما يقود ضعف التطوير بدوره إلى مزيد من تراجع الجاذبية التجارية.

 

يحذر رئيس جمعية التجار من جهته من أن عدداً كبيراً من المؤسسات بدأ ينفق من رأسماله الاستثماري كي يتمكن من الاستمرار. فلا مؤسسات مانحة تؤمّن التمويل، ولا مصارف تؤدي دورها التقليدي في التسليف، فيما الودائع نفسها باتت جزءاً من الماضي بالنسبة إلى كثير من أصحاب المؤسسات.

 

والأخطر أن بعض المؤسسات بدأ يصل إلى مرحلة أقرب إلى الاستسلام أمام هذا الواقع. ولا يعني ذلك بالضرورة الإفلاس، إذ إن بعض المؤسسات لا تزال تتمتع بملاءة مالية، لكن الاستمرار نفسه أصبح قراراً مكلفًا، فيما تتقدم المخاطر وتتراجع الحوافز. 

 

كأس العرق غير كاف

لا شك أن الاعتماد على عناصر الجذب التقليدية في سوق زحلة لم يعد كافياً. وبرأي سعادة "كما أن كأس العرق، الذي كان جزءاً من صورة المدينة، لم يعد وحده قادراً على استقطاب جيل الشباب، فإن الخدمات التجارية والسياحية والترفيهية في المدينة تحتاج أيضاً لأن تتماشى مع التطور الذي طرأ على ذهنية المستهلك".

 

وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف فكرة التسوق في زحلة. فالمطلوب، بحسب سعادة، ألا يأتي الزبون إلى المدينة لأنه يحتاج إلى شراء سلعة، بل لأن التسوق فيها يتحول إلى تجربة بحد ذاتها.

وهذه التجربة، في رأيه، غير متوافرة بالشكل المطلوب اليوم. فما هو موجود يعتمد إلى حد كبير على الحنين إلى الماضي. التجول في بولفار زحلة، واستعادة صورة المدينة القديمة، فيما لم تتمكن المدينة من تطوير هذا الفضاء وخلق أجواء تواكب العصر وتمنح الزائر أسباباً إضافية للبقاء، بما في ذلك تطوير المساحات العامة، وإيجاد مساحات خضراء، وتأمين خدمة الإنترنت، وتحسين البيئة المحيطة بالمتاجر، وإعادة التفكير في العلاقة بين المتجر والشارع والمدينة، أي الانتقال من مفهوم السوق التقليدي إلى مفهوم تجربة الـ  open mall.

 

توفير بيئة مشجّعة

المطلوب برأي سعادة استثمارات جديدة، إلا أنها لكي تتحقق يجب أن تتوفر لها بيئة مشجعة. المستثمر لا يبحث عن محل فقط، وإنما عن مدينة تمتلك حركة، وهوية تجارية، وزبوناً، ومساحة قابلة للتطوير. ومن دون هذا المناخ الإيجابي الجديد، يصبح جذب الاستثمارات أكثر صعوبة. هذا في وقت تفتقد معظم الأسواق الى التخطيط العام، سواء على المستوى المركزي أو المحلي، والذي يربط سعادة ضعفه بعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي وبالمركزية الحادة. 

 

ومع ذلك يبدو الاستثمار في السياحة أكثر قدرة على جذب المستثمرين. ويعيد سعادة ذلك الى كون رأس مال المستثمر في هذا القطاع قادراً على استعادة دورته بسرعة أكبر من قطاعات أخرى.

إلا أن هذا الاستثمار السياحي في المدينة على أهميته لا يقترن حتى الآن بسلاسل عالمية أو امتيازات تجارية كبرى، بل إن أبناء زحلة أنفسهم يطوّرون مفاهيم ومؤسسات جديدة، ولكن من دون أن ينجحوا بعد في تحويل هذه المبادرات الفردية إلى منظومة اقتصادية متكاملة.

 

الجيل الشاب غادر المدينة

ومع ذلك لا يمكن لزحلة الاستمرار بالاعتماد على المطاعم والسياحة وحدهما، خصوصاً أنه مع حلول الشتاء تتراجع الحركة السياحية والاجتماعية. وهذا تحديداً ما يثير القلق بشأن مستقبل زحلة. فإذا كان الجيل الشاب، الذي يفترض أن يشكل قاعدة المستهلكين والمستثمرين الجدد، يغادر المدينة بحثاً عن فرص أكبر، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بمبيعات المتاجر الحالية، بل بمستقبل السوق نفسها.

 

فالمدينة التي تعيش نهاراً على وقع الركود وليلاً على وقع المطاعم والسياحة لا تعاني بالضرورة من غياب المقومات، بقدر ما تعاني من انفصال هذه المقومات عن بعضها البعض. السياحة تحتاج إلى تجارة، والتجارة تحتاج إلى حركة سكانية وخدماتية، والاستثمار يحتاج إلى بيئة حاضنة، والشباب يحتاج إلى فرص تجعل المدينة مكاناً للحياة والعمل لا مجرد مكان يعودون إليه في عطلة نهاية الأسبوع.

 

انطلاقا من هنا قد تحتاج زحلة الى إعادة تعريف وظيفتها في محيطها. وإذا كانت المدينة تريد استعادة دورها كعنوان للمنطقة، فإن التحدي الحقيقي هو أن تجعل الناس يأتون إليها لا لسبب واحد، بل لأسباب متعددة، وأن تجعل الزيارة تجربة متكاملة تمتد من النهار إلى الليل، ومن التسوق إلى الخدمات، ومن السياحة إلى العمل والاستثمار.

عندها فقط يمكن للمدينة أن تخرج من معادلة "زحلة ليلاً" وتستعيد صورة المدينة التي لا تتغير حيويتها مع غروب الشمس.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث