أولادي يحبّون فيروز... ومستر بيست

نافع سعدالأحد 2026/08/23
المؤثر يستر بيست (غيتي)
خلف هذا المؤثر شركة توظف 750 شخصاً وتتجاوز قيمتها السوقية خمسة مليارات دولار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سألني أولادي صباح اليوم إن كنت قد التقيت مشاهير. قلت نعم. قابلت رياضيين وشعراء وفنانين، من بينهم مارسيل خليفة في مخيم مطلع الألفية. وقابلت أيضاً سياسيين، ولست فخوراً بذلك. ووقفت في بيت الدين على بعد أمتار من فيروز، وهي تغنّي فوقي على المسرح "بذكّر بالخريف"، فيما كان الضباب ينساب بين الجمهور والخشبة.

 

صاحت ابنتي: جلست مع مارسيل خليفة وشاهدت فيروز؟ حقاً؟

ثم سألني ابني السؤال الأهم: وهل قابلت يوتيوبر؟

ضحكت لبرهة، ثم توقفت. بدا السؤال طريفاً، قبل أن أدرك أنه يقول شيئاً أكبر بكثير عن معنى الشهرة اليوم.

 

الشهرة التي تختار الطفل

ليست المسألة أن الجيل الجديد يحبّ مشاهير سخيفين. الأجيال السابقة أحبّت مشاهير سخيفين أيضاً، والحنين هنا مضيعة للوقت. المسألة أن نموذجاً صناعياً، تقوده بعض أغنى الشركات في التاريخ، يعيد اليوم تعريف النجاح والشهرة.

 

التلفزيون لم يكن بحاجة إلى معرفة من أنا، وجهاز الفيديو لم يعرف أي دقيقة أعدت مشاهدتها، وأين توقفت. في المقابل، يقول "يوتيوب" إن نظام التوصية لديه يتعلّم يومياً من أكثر من 80 مليار معطى يسمّيها "إشارات"، تشمل ما تشاهده وما تتجاهله، وكم دقيقة تصمد، وما تبحث عنه وتشاركه، ثم يقارن سلوكك بسلوك من يشبهونك ليقرّر ما يعرضه عليك تالياً.

جيلنا كان لديه مشاهير. وجيل أولادي لديه أنظمة توصيل مشاهير، مصمّمة على مقاسه.

 

خذوا "مستر بيست"، الرجل الذي يوزّع المال أمام الكاميرا فتنهال عليه المشاهدات. ما يراه ابني رجل يلعب، ويرمي الدولارات يميناً ويساراً، ويجعل أحدهم غنياً. وما لا يراه أن خلف هذا الرجل شركة اسمها Beast Industries، وصفتها "تايم" في نيسان الماضي بأنها تجمّع يوظّف نحو 750 شخصاً وتتجاوز قيمته 5 مليارات دولار. وبلغت كلفة الفيديو الواحد نحو 300 ألف دولار. وفي عام 2024، بحسب "بلومبرغ"، حقّقت ذراعها الإعلامية نحو 250 مليون دولار من الإيرادات، وسجّلت خسارة صافية تقارب 80 مليون دولار.

أي إن الرجل الذي يبدو لطفلك نموذجاً عن "سهولة أن تصبح غنياً" يدير في الواقع، مؤسسة قادرة على خسارة 80 مليون دولار في عام واحد من دون أن يرفّ له جفن.

 

لكن هذا كله لا يظهر على الشاشة. يختفي العمل ومعه الموظفون والميزانيات والمخاطرة والحسابات، وتبقى المكافأة وحدها في الواجهة، مضخّمة ومصوّرة بأربع كاميرات.

 

وتختفي أيضاً أعداد الخاسرين. الدخل الحقيقي لصانع المحتوى لا يأتي أساساً من عائدات المشاهدات، بل من الرعاة والإعلانات. وهناك بالذات يظهر الاختلال. تحليل نشرته هذه السنة منصّة CreatorIQ لمدفوعات العلامات التجارية التي تمرّ عبرها وجد أن أعلى 10 في المئة من صنّاع المحتوى حصلوا على 62 في المئة من مجمل المدفوعات سنة 2025، وأن أعلى واحد في المئة من صنّاع المحتوى استأثروا بـِ 21 في المئة من مجمل العائدات. المال يتجمّع في الأعلى، أما البقية فتراهن على مشاهدات لم تأتِ بعد، وتشتغل سنوات مقابل احتمال.  

 

نموذجان متناقضان

الطفل يشاهد هذا كله في بيت لا يقصّر معه. أبواه يعملان لساعات طويلة، لا لتأمين قسط مدرسة جيدة فحسب، بل لأن جزءاً كبيراً من الميزانية يذهب إلى النادي الرياضي والأنشطة (وما أدراك ما الأنشطة) وكل ما ينمّي مهاراته. وفي هذا السن، تُبنى منظومة القيم أو لا تُبنى أبداً. 

 

أمام طفلك نموذجان متناقضان: واحد يقول إن النجاح يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل، وآخر يوحي له كل مساء بأن المشاهدات على يوتيوب قد تصنع الثروة.

 

وأقرب مثال يومي قد يراه الطفل هو دخل معلّمه في المدرسة، الذي يتقاضى نحو 750 دولاراً شهرياً، أي نصف عتبة 1500 دولار التي تحتاج إليها عائلة من خمسة أفراد للعيش فوق خط الفقر. ابنك لا يقرأ تقارير البنك الدولي ولا البيانات الحكومية. لكنه يرى والديه يعملان ليل نهار، ويرى على الشاشة شخصاً يجني من فيديو واحد ما قد لا يجمعه أبواه في سنوات. وحين يستنتج أن الشهرة أهم من الشهادة، فهو لا يهذي. هو يحسب على طريقته.

 

الطفل في ثلاثة مواقع

اعتدنا أن نتحدث عن الطفل بوصفه مشاهداً. لكن المشاهدة هي أضيق موقع يشغله في هذه المنظومة.

الطفل مشاهد، نعم، لكن الإعلان الذي يصله لا يبدو دائماً كإعلان. تشير الأبحاث إلى أن معظم الأطفال يبدأون بتمييز الإعلان عن البرنامج في حدود سن الثامنة، فيما يتأخر فهمهم للنية الإقناعية الكامنة خلفه. ووجدت دراسة نُشرت عام 2019 على أطفال بين 8 و12 سنة نتيجة أكثر لفتاً للانتباه: الطفل الذي تربطه علاقة قوية بالمؤثر قد يدرك أن ما يشاهده إعلاناً، من دون أن يتغيّر موقفه من المنتج. فالودّ يهزم الوعي.

 

والطفل أيضاً بيانات. سلوكه يغذّي نظام التوصية، وتفضيلاته تساعد المنصّة على معرفة ما يبقيه أمام الشاشة. وقدّرت دراسة من جامعة هارفارد، نُشرت في مجلة PLOS ONE أواخر عام 2023، أن ست منصّات حققت نحو 11 مليار دولار من الإعلانات في الولايات المتحدة عام 2022 من مستخدمين دون الثامنة عشرة، منها ما يقارب مليار دولار من مشاهدي "يوتيوب" دون سن الثالثة عشرة وحدهم.

 

والطفل محتوى. قنوات عائلية عربية بملايين المشتركين، من المحيط إلى الخليج، تصوّر أطفالها منذ سن الحبو. من عيد الميلاد إلى أول يوم في المدرسة، ثم المرض والعقاب والشجار، ثم الهدية والامتحان الراسب. تحوّلت الطفولة بكل مواسمها إلى جدول تحريري لصناعة المحتوى.

 

ولا تحتاج اللقطة إلى أن تكون مزيّفة كي تتحول إلى سلعة، فأصدقها غالباً هو أنجحها. طفل يستقبل أباه العائد من السفر، وجدّة تبكي من المفاجأة، وعريس يباغت خطيبته أمام الجميع. المشاعر حقيقية تماماً، لكن المنصّة تحوّلها إلى مشاهدات وإعلانات وأرباح. ثم تأتي حسابات أخرى فتعيد نشرها والتعليق عليها، وتربح منها مرة ثانية وثالثة. وحين يؤدي الطفل طفولته في غرفة الجلوس أمام مليون متفرّج، يصبح الفصل بين الحياة والعمل أكثر صعوبة.

 

أبوان في مواجهة العمالقة

يقال لنا إن الحل هو تربية سليمة وتعزيز التفكير نقدي، مع مراقبة ما يشاهده الطفل وإشغاله بأنشطة مفيدة. وهذا كله صحيح، ونحن نفعله فعلاً، ونعلم أن التفكير النقدي يبدأ في البيت قبل المدرسة.

 

لكن لنكن واقعيين. في كفّة أبوان متعبان، وفي الكفّة الأخرى بعض أغنى شركات التاريخ، تملك بيانات سلوكية مستخرجة من مليارات التفاعلات وأنظمة توصية تُختبر يومياً، ويعمل فيها علماء نفس ومهندسو سلوك ومعلنون، ويقوم اقتصادها كله على إبقاء الطفل مسمّراً أمام الشاشة.

 

أشهر تحليل في هذا المجال، جمع نتائج 57 دراسة، وجد أن أثر الوساطة الأبوية في سلوك الأطفال محدود إلى حدّ محرج. المنع قد يخفّض وقت الشاشة أحياناً، لكنه قد يرتدّ عكسياً لدى المراهق، فيزيد انجذابه إلى الممنوع.

 

ولست هنا لأقول إن الشاشات "تتلف أدمغة الأطفال". فهذا نقاش علمي لم يُحسم، وهناك باحثون جادّون يرون أن الأدلة على العلاقة السببية بين وسائل التواصل والصحة النفسية أضعف بكثير مما يُشاع، لذا من الجيد التوقف عن استعمال عبارة "Brain rot" كيفما اتفق.

 

لكن هناك ما هو أوضح من ذلك: يُجمع عن أطفالنا قدر هائل من البيانات، ويُصنّفون، ويُستهدفون تجارياً، وكل هذا يحدث بتصميم، لا بالمصادفة.

 

لذلك، فالسؤال ليس: لماذا لا يضبط الأهل ما يشاهده أولادهم؟

السؤال هو: لماذا نقبل بهذه البيئة التقنية التي يُطلب فيها من أب وأم أن يدافعا وحدهما عن انتباه طفلهما، في مواجهة صناعة كاملة تقوم أرباحها على انتزاع هذا الانتباه وإطالته وتوجيهه؟

 

مسودة قانون للمؤثرين

اللافت أن الدولة اللبنانية دخلت على الخط هذه السنة من بابين.

الباب الأول اقتراح قانون تقدّم به النائب طوني فرنجية في شباط الماضي، يمنع المنصّات من إنشاء حسابات لمن هم دون الرابعة عشرة، مع آليات للتحقّق من العمر وعقوبات على المزوّدين المخالفين. والاقتراح يستدعي نقاشاً جدياً. فالتحقّق من العمر نفسه له ثمن، إذ يعني جمع بيانات هوية أو وجه عن الجميع، أطفالاً وبالغين (راجع مقال الطفولة البيومترية). وهذا ليس تخميناً. قبل أيام، منع المجلس الدستوري الفرنسي مشروع قانون يحظر وسائل التواصل على من هم دون الخامسة عشرة، معتبراً أنه ينتهك حرية التعبير، لأن منع القاصرين من الوصول يفرض بطبيعته على كل شخص، حتى البالغ، أن يثبت عمره أولاً، من دون أن يضع المشرّع الضمانات اللازمة. أي أن حماية الطفل قد تُشترى بتوسيع المراقبة على الجميع.

 

والباب الثاني فُتح في 17 آب، حين كشف وزير الإعلام بول مرقص أن الوزارة تعمل على إعداد قانون مستقل للمؤثرين وصنّاع المحتوى والمدوّنين، يتناول تعريفهم ومسؤولياتهم، ويضع قواعد تتعلق بالتضليل والتحريض والخصوصية وحماية القاصرين. وقال بوضوح إن المسودة الأولى لم تُنجز بعد.

 

جاء ذلك بعد ستة أيام فقط من إقرار مجلس النواب قانون الإعلام الجديد، الذي نصّ على أن إنشاء المواقع والصفحات الإلكترونية لا يحتاج إلى ترخيص مسبق. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل سيُطلب ترخيص من شخص لا يحتاج أصلاً إلى ترخيص لإنشاء صفحة، لمجرد أنه أصبح "مؤثراً"؟

المسودة لم تُكتب بعد، وهذه بالضبط هي اللحظة التي يجب أن يبدأ فيها النقاش.

فمن السهل سياسياً أن تقول للمؤثر إنه ممنوع من الكذب والتحريض، وإن عليه أن يضع كلمة "إعلان" حين يتقاضى بدل إعلان. لكن الأصعب بكثير أن تسأل شركة عالمية كيف تستهدف الأطفال اللبنانيين إعلانياً، وما البيانات التي تجمعها عنهم، وكيف تعمل أنظمة التوصية التي تقرر ما يظهر أمامهم.

 

الاتحاد الأوروبي حظر الإعلانات القائمة على تنميط القاصرين. والبرازيل ذهبت أبعد في قانونها الصادر عام 2025، فمنعت بناء ملفات سلوكية للأطفال والمراهقين لأغراض الإعلان التجاري. وفرنسا نفسها، التي رُدّ حظرها العمري قبل أيام، تملك منذ عام 2020 قانوناً خاصاً بالأطفال الذين يظهرون في محتوى تجاري، يحمي جزءاً من دخلهم حتى بلوغهم، ويمنحهم حق طلب محو ما نُشر عنهم، حتى في مواجهة رغبة أهلهم.

 

أما عبارة "حماية القاصرين" في تصريح وزير الإعلام، فلا تخبرنا أي طفل يقصد القانون. الطفل المشاهد؟ أم الطفل الذي تُجمع بياناته؟ أم الطفل الذي أصبح هو نفسه مصدر دخل لعائلته؟

 

إذا انتهى القانون إلى تسجيل المؤثرين ومعاقبتهم من دون أن يطرح سؤال واحد على المنصّات وسياساتها، نكون قد نظّمنا الحلقة الأقل تأثيراً في السلسلة، وتركنا خارج المعادلة من يصمّم السوق ويدير الخوارزمية ويملك البيانات.

 

وسيبقى أولادي يعتقدون أن الشهرة سهلة. وسأبقى أشرح لهم أنها ليست مهمة أصلاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث