يحيى جابر وآنجو ريحان: من جبل عامل إلى إبهار العالم

أحمد اسماعيلالجمعة 2026/08/21
يحيى جابر وأنجو ريجان (الانترنت)
جالا يحيى وانجو على كل مناطق لبنان ما عدا الجنوب، وهنا حسرتي ووجعي (الانترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ترددت كثيراً في كتابة هذا النص. في كل مرة كنت أحاول أن أكتب، أجد نفسي متراجعاً. أسأل نفسي من أنا لأكتب عن الفن والأدب والمسرح متعدياً على حقل ليس من اختصاصي أو من ضمن مجالات اهتماماتي في الكتابة. فهناك من يطلق عليّ صفة الناشط السياسي، والأخرين أسيراً سابقاً، وغيرها من الأوصاف. والبعض الآخر يطلق عليّ صفات وأوصاف حسب "السوق" أو المزاج، أو حسب اتجاه الريح وصولاً إلى تصنيفي كمعارض وعميل سفارات ومرتد وغيرها من النعوت. 

 

أكتب وسط نكبتنا

قرأت في المعتقل كتباً في الأدب العالمي والعربي، وكل ما كان يأتينا من خلف الجدران من كتب فكرية وفلسفية. وكتبت في المعتقل الكثير من النثريات والخواطر وبعض المذكرات. لكن كلها ذهبت أدراج الريح حين صادرها السجان في ليلة عصيبة.

 

لكن في النهاية تجرأت على كتابة النص. شجعني على ذلك وجودنا وسط النكبة الكبرى والكارثة التي يعيشها جبل عامل، ونكبتنا وسط فقدان الأمل والتوازن، جراء ما نعيشه نحن أهل الجنوب من مأساة. وشجعني أيضاً الحديث اليومي عن مأساتنا وعن دمار بيوتنا وقرانا وأرزاقنا، وعن قتل ذكرياتنا ومذكراتنا منذ طفولتنا وحتى هذه اللحظة التي نعيشها.  

 

وسط كل هذا الركام اليومي يمر أمامي دائما على وسائل التواصل الاجتماعي واللإعلام اسمي شخصين من جبل عامل هما الشاعر والكاتب يحيى جابر والفنانة آنجو ريحان. فتذكرت عندما هاتفني يحيى جابر مرة ليطمئن عليّ. كنا في بدايات حرب إسناد غزة يومها. قدم لي دعوة خاصة ومجانية لأربعة أشخاص لمشاهدة مسرحية "شو منلبس". 

 

مسرحية الزمن الجميل

لبيت دعوة يحيى من دون تردد. فكّرت حينها أن المسرحية مجرد قصة اجتماعية عادية. واكتشفت وأنا على مقعد المسرح أننا أمام مسرحية غير متوقعة لا في الشكل ولا في المضمون. ولا أخفي سطوة وحضور آنجو ريحان على المشاهد، وهي تؤدي المسرحية منفردة على خشبة المسرح. أبكتني وأضحكتني وأفرحتني، وردتني إلى زمن حاولوا قتله، دثره ودفنه. لكن نصّ يحيى جابر وإخراجه، وأداء آنجو ريحان أحيوا ذلك الزمن مجدداً، ورأيته أمامي من جديد على خشبة مسرح. حينها أدركت أن المسرح ليس خشبة عرض، بل كل صوت وكل كلمة أو إيماءة أو حركة يد تشكل مشهداً متكاملاً عن ذلك الزمن، لا سيما أن الكاتب والمؤدية عاشا ذاك الزمن والقضية بكل تفاصيلها.

 

يحيى جابر وآنجو ريحان من جبل عامل، من الجنوب. لم يكن مسرحهما مجرد صدفة، وهما ليسا عابري طريق اغتنما الفرصة لعرض مأساتنا. لم يصنع لهم أحد حكايتهما ومجدهما. ليسا من مدرسة فنية أو بيت فني عريق ورثا عنه المهنة مثل الرحابنة وغيرهم. بل نستطيع القول إن يحيى جابر بمثابة مدرسة جديدة في المسرح، لا تشبه كل المدارس السابقة. وهو لم يقلّد احداً ولا يستطيع أحد تقليده في النص والمنهج والدور. كما لا يستطيع أي شخص تأدية النص مثل آنجو ريحان. ويوماً ما سوف نسمع بمسرح "الجابري" أو "المدرسة الجابرية" نسبة إلى يحيى جابر.

 

وها أنا، وسط الركام، من بلدة وادي جيلو، مسقط رأس يحيى، مروراً بكفرصير الحزينة، بلدة آنجو، وبلدتي زوطر الشرقية المحتلة، وكل قرية في جبل عامل، أطل على مسرح يحيى جابر. 

 

قهر الجنوب ووجعه

لقد جال يحيى على كل مناطق لبنان ما عدا الجنوب، وهنا تكمن حسرتي ووجعي. يحيى وآنجو وصلا إلى العالم، وحطّا على مسارح في أميركا وكندا وأوروبا، ولا يزال الجنوب محرومًا منهما، ونحن أيضًا محرومون منهما.

 

يحيى وآنجو، ابنا الجنوب، أبهرا العالم، ونالا جوائز مهمّة، فيما مسقط رأسهما الجنوب يعيش قهراً، ويتسع لـ"لطميات الغائب" وسرديات مسرح الغيب، بعكس مسرح يحيى، ابن الجنوب، الذي يحيي فينا الأمل والزمن الجميل، ويعيد الحياة إلى الركام من حولنا. أم صوت آنجو فينتشلنا من الموت المحيط حولنا ويرسم نجاتنا.

 

ابنا الجنوب في مسرحهما أدهشا الوطن قبل العالم، وأعادانا إلى زمن نشعر فيه بذواتنا. فخشبة المسرح هذه تشعرنا، نحن أهل الجنوب، ولا سيما الشيعة منهم، أننا لسنا مهزومين وأن طائفتنا ليست مجروحة والقدر ليس خيارنا، بل الحياة قدرنا. والأقدار يصنعها الإنسان. والإنسان الجنوبي نجم في وطني حلق ويحلق في سماء الوطن والعالم، وقلبه النابض ينشر الحب وينشد الحرية والحياة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث