اعتراضات دينية وقانونية، ومخاوف من سابقة في لبنان قد تفتح الباب أمام حرية تعديل الجنس والتحول الجنسي، ضج بها الرأي العام عقب القرار القضائي الذي صدر عن القاضي المنفرد المدني في بنت جبيل بقبول تغيير جنس شخص في سجلات الأحوال الشخصية. فقد اعتبر معترضون أن المسألة لا تتعلق بحالة فردية فحسب، بل بما يمكن أن يؤسس له القرار لاحقاً على المستوى القانوني. فهل يصبح القضاء مدخلاً لقبول تغيير أفراد جنسهم، وتغيير سجلات نفوسهم لاحقاً؟ أو بمعنى أدق، هل يفتح القرار الباب لحرية التحول الجنسي في لبنان؟
في نهاية تموز الماضي، أصدر القاضي المنفرد المدني في بنت جبيل، الناظر في قضايا الأحوال الشخصية وسيم زهر الدين، قراراً قضى بتصحيح اسم وجنس ر. د. في سجلات الأحوال الشخصية، وتعديل الجنس من ذكر إلى أنثى. واستند القرار إلى تقارير طبية ونفسية وإلى المادة 21 من المرسوم الرقم 8837 لعام 1932، معتبراً أن إبقاء القيد على حاله لم يعد يتطابق مع واقع الشخص، ويعرّضه للإحراج والتمييز.
القرار، بالنسبة إلى معارضيه، لا يشبه مجرد تصحيح خطأ في سجل رسمي. فهو يقرّ بتغيير جنس شخص من ذكر إلى أنثى، ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر عن حدود الاجتهاد القضائي، وإمكان تكرار هذه الحالات، وما إذا كان لبنان يتجه إلى التعامل مع تغيير الجنس والاسم في السجلات الرسمية كأمر يمكن طلبه قضائياً.
أما زهر الدين، فيرفض وضع قراره في هذا الإطار، ويؤكد أن ما صدر عنه لا يعني أن الباب أصبح مفتوحاً أمام أي شخص يريد تغيير جنسه، وأن الحالة التي نظر فيها استندت إلى وقائع وتقارير طبية ونفسية وشروط محددة.
قرار قضائي أم باب لتغيير الجنس؟
قبل أشهر من صدور القرار، ظهر اسم ر. د. في سياق مختلف تماماً. فيديو انتشر على نطاق واسع مع بداية السنة الجديدة، يوثق مشهداً من سهرة رأس السنة داخل أحد المطاعم، تظهر فيه وهي ترقص ببدلة رقص قبل أن تقدم على التعري الكامل أمام الحاضرين (راجع المدن). سرعان ما تحول الفيديو إلى مادة للتعليقات والجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ما ظهر فيه لم يكن سوى الجزء الأكثر علنية من قصة بدأت قبل ذلك بسنوات.
فبحسب الملف الذي نظر فيه زهر الدين، كانت ر. د. مسجلة منذ ولادتها في سجلات النفوس على أنها ذكر، فيما عاشت منذ طفولتها بهوية أنثوية. تقول المعطيات الواردة في الملف إنها كانت تشعر منذ صغرها بأنها تنتمي إلى الجنس الأنثوي، وظهرت عليها مظاهر وتصرفات أنثوية، فيما كانت عائلتها ومحيطها الاجتماعي يتعاملان معها على هذا الأساس. ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين حياتها اليومية وما تقوله أوراقها الرسمية: امرأة في حياتها، و"ذكر" في السجل. وكان هذا التناقض، وما يسببه من إحراج ومشكلات، أحد الأسباب التي دفعتها إلى السعي لتصحيح وضعها القانوني.
عملية تصحيح الجنس في تايلند
قبل وصول الملف إلى القضاء اللبناني، لجأت ر. د. إلى تايلاند، حيث خضعت لجراحة تصحيح الجنس بعد تقييم طبي شخّص حالتها باضطراب في الهوية الجندرية. لكن رغم التحول الطبي، بقيت مسجلة في لبنان على أنها ذكر، إلى أن وصل الملف إلى القاضي وسيم زهر الدين.
يوضح زهر الدين لـ"المدن" أن قراره استند إلى التقارير الطبية والنفسية وإلى المادة 21 من المرسوم الرقم 8837 لعام 1932، بعدما اعتبر أن إبقاء القيد على حاله لم يعد يتطابق مع واقعها ويعرّضها للإحراج والتمييز. ويؤكد أن الأمر لا يتعلق بمجرد رغبة في تغيير الجنس، بل بشروط طبية وقانونية محددة: "يجب أن يحضر تقريراً طبياً ونفسياً ويثبت أن من الاستحالة أن يعود ذكراً، ولا يكون متزوجاً ولديه أولاد، وهو 100% لا يمكن عودته إلى أن يكون رجلاً".
وفي الحالة التي نظر فيها، يقول إن المعطيات تعود إلى الطفولة، مشيراً إلى "خلل بيولوجي منذ الصغر"، وإلى أن "التثدي عنده طبيعي منذ الصغر، والشعر أيضاً". وكانت هذه الوقائع، إلى جانب التقارير الطبية والجراحة التي أجريت في تايلاند، من الأسس التي استند إليها في قراره.
"عملت قانونياً وضميرياً"
يعرف زهر الدين أن قراره أحدث "خضة"، كما يقول، وأن الاعتراضات لم تتأخر: "أمام هذه الوقائع كلها، أخذت هذا القرار، القرار طبعاً جريء وعمل خضة، وناس ورجال دين هاجموني، ولكنني أعمل قانونياً وضميرياً"، يقول لـ"المدن".
بالنسبة إليه، لم تكن ردود الفعل سبباً لرفض الطلب، طالما أن الملف الذي أمامه تضمن، وفق تقديره، وقائع وتقارير طبية ونفسية تبرر الاستجابة.
"هذا لم يسمح لي أن لا أستجيب واستندت إلى القانون، هذه حالة مرضية نستجيب لها ضمن القيود"، يضيف.
فبالنسبة إلى صاحبة العلاقة، القرار أنهى تناقضاً استمر سنوات بين حياتها وهويتها من جهة، وأوراقها الرسمية من جهة أخرى. أما بالنسبة إلى معارضي القرار، فقد يكون الأمر أبعد من ذلك: سابقة قضائية يمكن أن تؤسس لمسار جديد في التعامل مع الجنس والهوية في السجلات اللبنانية.




