القرداحة بعد الأسد: حين سبقتني الذاكرة إلى القرية

بثينة عوضالأربعاء 2026/08/19
القرداحة مسقط رأس حافظ الأسد (غيتي)
قريتي لم تكن قصر الحاكم ولا ضريح أبيه بل كانت بيوتاً متعبة وأمهات ينتظرن أبناءهن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت هذه زيارتي الثانية إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد. في الأولى، غلبني ما يشبه رهاب التغيير. جبت أماكن كثيرة، لكنني لم أجرؤ على الذهاب إلى القرية التي وُلدت فيها، ربما خشيت أن أجدها مختلفة عن صورتها في الذاكرة، أو أن أكتشف أن الغياب غيّرني أنا أيضاً.

 

أنا ابنة ريف القرداحة، ولم أحب النظام يوماً، لأنني عاينت ظلمه لأبناء الساحل قبل أن أدرك اتساع ظلمه لبقية السوريين. شدتني في مرحلة مبكرة صورة حافظ الأسد بوصفه رئيساً قوياً، لكنني رفضت تمجيده وتوريث البلاد لابنه. ومثل كثير من السوريين، استهوتني بدايةً صورة بشار الأسد: شاب متعلم يجوب الشوارع ويصافح الناس، غير أن تلك الصورة تهاوت مع أول اختبار حقيقي، ثم سقطت نهائياً خلال حرب فتكت بالسوريين، قبل أن يفر تاركاً وراءه بلداً مثقلاً بالموت والخراب.

 

هذه المرة حزمت أمتعتي وقررت المواجهة، تسارعت دقات قلبي كلما فكرت في الطريق: كيف سأجد قريتي بعد هذا الغياب؟ ألم تكن صور الشبان القتلى، المعلقة على جوانب الطرق، كافية لتروي ما جرى؟ لكن الهرب من الذاكرة لا يمحوها، وكان علي أن أعود إلى المكان الذي بدأت منه حكايتي.

 

طفولة تحت ظل السلطة

عشت في تلك القرية طفولة تبدو لي اليوم غرائبية. على طرقها، كنت ألوح، مثل أطفال آخرين، لضباط سرايا الدفاع عندما كانوا يرمون لنا الموز. كنا نلتهمه بقشره، لأننا لم نكن نعرف هذه الثمرة الغريبة. 

 

وفي القرية نفسها، وصلت بي سذاجة الطفولة إلى أن أشكو معلمتي إلى رفعت الأسد لأنها ضربتني، قبل أن أفهم، بعد سنوات، أنه لم يحم أحداً سوى سلطته ومصالحه.

 

كانت السلطة، في وعي الطفلة، وجهاً يمر في سيارة وحراساً يملأون الطريق، أما في حياة الناس، فكانت خوفاً وفاقة لا تبددها الشعارات. احتجت إلى سنوات كي أفهم أن قرب قريتنا من مسقط رأس الحاكم لم يمنح أهلها امتيازاً حقيقياً؛ فقد بقي معظمهم في ريف فقير، لا يملك كثير من شبانه سوى أبواب الجيش والأجهزة بحثاً عن راتب.

 

تسع ساعات إلى الذاكرة

كان معبر العريضة مغلقاً، فاضطررنا إلى سلوك طريق دمشق في رحلة امتدت نحو تسع ساعات. بدأت الرحلة من معبر المصنع، حيث كان تعامل ضباط الحدود هادئاً ومحترماً. عند التفتيش، نظر إلي شاب ذو عينين جميلتين وملامح وقورة، وسألني بنبرة لم أفهمها أول الأمر: أنت من اللاذقية؟

 

ترجلت من السيارة، وبدأ يفتش أمتعتي وهو يتابع حديثه: كنت أدرس اللغة الإنجليزية في جامعة اللاذقية، لكنني هربت في السنة الثالثة.

عرفت من لهجته أنه من إدلب، فسألته: لماذا هربت؟

ابتسم وقال بسخرية : كي لا أُعتقل مثل إخوتي،  تابعت دراستي في إدلب، وحصلت على الماجستير.

 

أبو المنتصر: جرحان عند الحدود

فكرت في المسافة التي تفصل روايته عن روايتي، وفي الجرح الذي يحمله كل منا. وددت أن أقول له إن أبناء الساحل لم يكونوا جميعاً شركاء في السلطة، وإن كثيرين منهم عاشوا الفقر والتهميش، بنى النظام علاقته بالطائفة العلوية على الخوف؛ أوهم أبناءها بأنه حاميهم، ثم عسكر شبابهم وزج بهم في حروبه، وقمع من عارضه منهم، كما قمع معارضين من مختلف الانتماءات، بينهم ميشيل كيلو وعبد العزيز الخير.

قبل أن أشرح شيئاً، قال الشاب فجأة: انظري أين أنا اليوم... الله على الظالم.. الله كبير.

أخبرته أنني كنت المسيحية الوحيدة في قرية يغلب على سكانها الانتماء إلى الطائفة العلوية، وأننا عرفنا بدورنا وجوهاً مختلفة من الظلم. وحين سألته عن اسمه قال: "أبو المنتصر"، بينما كانت عيناه تتفحصان ماكينة كبة أرسلتها صديقتي إلى والدتي.

هذه للوالدة؟

نعم، وأنت مدعو إلى الكبة في بيتنا.

ثم مازحته: لكن خفف قليلاً من لمعة الغضب في عينيك.

جلسنا معاً دقائق، حدثته عن قريتي، وعن أناس لم ينالوا من الدولة سوى الخوف وراتب بالكاد يسد الجوع، قلت له إن سوريا لن تُشفى إذا ورث أبناؤها كراهية بعضهم بعضاً، كان شاباً مجروحاً، لكنه لم يفقد لطفه، لوّح لي مودعاً، وحمّلني سلاماً إلى والدتي، عندها أدركت أن إسقاط النظام يمكن أن يحدث في يوم، أما التعافي من آثاره فيحتاج إلى زمن طويل.

 

صعدنا من طريق التل من دون المرور في دمشق، وحين اقتربنا من حمص، تسارعت دقات قلبي، فقررت أن أنام؛ تلك عادتي حين تعجز الذاكرة عن الاحتمال. لكن الطريق ظل يوقظ ما حاولت تأجيله، حتى بلغنا المفرق المؤدي إلى القرداحة.

 

هناك بدأت المواجهة الحقيقية، مررنا بقرى بدت شبه خالية؛ بيوت مغلقة، وصمت ثقيل، ولا أطفال يركضون في الطرقات. كانت المجازر التي شهدها الساحل، وما أعقبها من خوف ونزوح، حاضراً في كل نافذة موصدة، ثم بدأت الحياة تظهر على مهل: وجوه الناس، ملابس الريف، وباعة ينتظرون على أطراف الطريق.

 

القرداحة بلا مواكب

دخلنا القرداحة، فبدت لي كمدينة فقدت فجأة ضجيج السلطة ورموزها، لا حراسة مشددة حول ضريح الرئيس الأب، ولا مواكب وسيارات فارهة، ولا ذلك التعالي الذي كان يثقل المكان ويذل أهله. طلبت من السائق أن يتوقف، وأخذت أتأمل ما حولي، قبل أن يأتيني صوت من الخلف: وبشّر الظالم بالظلم ولو بعد حين.

 

التفت، فإذا برجل مسن يتحدث بلهجة أهل الساحل، عانقته عندما تذكرت وجهه. كان واحداً ممن يجلسون على قارعة الطريق، ينتظرون أن يرمي لهم أحد أبناء العائلة الحاكمة مبلغاً من نافذة سيارته لا يتجاوز 20 ألف ليرة سورية، ثم يمضي إلى قصره المتربع على قمة الجبل.

كانت أبواب بعض القصور قد فُتحت بعد سقوط النظام، كأن أبناء القرداحة يعبرون المسافة التي فُرضت طويلاً بينهم وبين أصحابها، لم تكن القصور مجرد أبنية فارهة؛ كانت إعلاناً عن التفاوت بين عائلة راكمت السلطة والثروة وقرى تكافح من أجل العيش.

 

حمار أمام بوابة القصر

تذكرت حكاية رجل من قريتي ضُرب وأُلقي في صندوق سيارة لأنه مر بحماره قرب سيارة صاحب أحد القصور، وبعد سقوط النظام، جاء ابن ذلك الرجل وربط الحمار أمام بوابة القصر، بدت لي الصورة أكثر بلاغة من خطابات كثيرة: حيوان بسيط يقف أمام رمز للقوة التي أذلت صاحبه، وكأن الزمن يعيد ترتيب المشهد بطريقته الساخرة.

 

امتدت أمامي الأسوار والتماثيل الضخمة: نفرتيتي، وأسود حجرية تحرس البوابات. خلف تلك الزينة المتعالية، ظهرت قريتي أخيراً، ببيوتها المتعبة وطرقاتها التي أعرفها. عندها انكسر شيء من الخوف الذي حملته طوال الطريق.

 

قلعة المهالبة: من موقع إيراني إلى ذاكرة مستعادة

بدت قلعة المهالبة في الأفق، صديقة طفولتي وحارسة المكان، لكن القلعة التي أمضيت طفولتي بين غرفها الأثرية تحولت، خلال الحرب، إلى موقع عسكري تمركز فيه عناصر إيرانيون، واستخدموه لإطلاق القذائف، وفي إحدى زياراتي القديمة، صعدت إليها محاوِلةً استعادة شيء من ذكرياتي، فصوّب أحد المسلحين بندقيته إلى رأسي وأمرني بالنزول. في تلك اللحظة، أدركت أن الحرب لم تحتل البلاد وحدها؛ لقد احتلت أيضاً الأماكن التي صنعت طفولتنا.

 

طلبت من السائق هذه المرة أن يأخذني إليها فوراً. تجولت في كل زاوية، ولمست حجارتها، وأغمضت عيني. عادت طفولتي دفعة واحدة: الممرات، والريح، ورائحة الأعشاب، وصوت خطواتي القديمة بين الجدران، لم تكن عودتي إلى القلعة زيارة لمكان أثري، بل استعادة لجزء من حياتي كان قد صودر مني.

 

حرية مثقلة بالفقر

غابت سلطة الأسد عن القرية، لكن الفقر لم يغب. عانقت ابن جارتنا الذي خرج من السجن بعد "تسوية"، ورأيت رجالاً فقدوا أعمالهم بعد حل أجهزة ومؤسسات ارتبطت بالنظام، وعائلات لا تعرف كيف ستؤمن دخلها في الغد. عامل نظام الأب والابن أبناء الريف الساحلي بوصفهم خزاناً بشرياً للجيش والأجهزة، فيما أبقى قراهم فقيرة ومهمشة، حتى بدا الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، لدى كثيرين، واحداً من الخيارات القليلة المتاحة لكسب لقمة العيش.

 

كان هدوء ثقيل يلف المكان، يجمع الناس أوراق الغار ويبيعون الكيلوغرام بنحو مئتي ليرة سورية، جلست أعجن الكبة، وتمنيت لو كان أبو المنتصر معنا، ليرى أن قريتي لم تكن قصر الحاكم ولا ضريح أبيه؛ كانت بيوتاً متعبة، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وناساً يقاومون الفقر بما تبقى لديهم من كرامة.

 

رفعت رأسي نحو القلعة، فرأيتها شامخة وحرة، ابتسمت وقلت في سري: لسنا أبناء طوائف متقابلة، وينبغي ألا نكون ورثة حرب لا تنتهي. نحن، في النهاية، أبناء وطن واحد، وطن لن يتعافى ما لم يتسع لكل جراحه، من دون إنكار أو انتقام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث