منع رحلات العمرة براً يثير انتقادات واسعة: "قرار ظالم"

جمال محيشالثلاثاء 2026/08/18
الكعبة والحج والعمرة في السعودية (غيتي)
تزايدت الدعوات إلى الاعتصام أمام دار الفتوى للمطالبة بإعادة النظر في القرار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ضج الرأي العام اللبناني بقرار رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة، في 11 آب الحالي، يجدد بموجبه منع النقل البري لحملات الحج والعمرة، وحصر تفويج الحجاج والمعتمرين بالنقل الجوي عبر مطار رفيق الحريري الدولي. كما منع تنظيم الحملات البرية أو الإعلان عنها، وأبلغ الأجهزة الأمنية بمضمون القرار. علماً أن القرار يستند إلى قرارات سابقة، أبرزها قرار عام 1995 الذي حصر نقل الحجاج من لبنان إلى السعودية جواً، وقرار عام 2012 الذي حصر سفر المعتمرين بالطريقة نفسها. أي أن المنع قائم منذ سنوات، لكن القرار الأخير أعاد تثبيته وشدّد على تطبيقه.

 

تهريب عبر البر

كان الطريق إلى العمرة يمرّ من بيروت إلى دمشق، ومنها إلى عمّان، قبل أن ينتهي داخل المملكة العربية السعودية. طريقٌ طويل لم يكن اللبنانيون يملكون، وفق قواعد الدخول البرّي إلى المملكة، حق سلوكه أصلاً؛ إذ يقتصر الدخول إلى السعودية براً على مواطني الدول التي تشترك معها بحدود برّية. أما اللبنانيون، فالمسار المعتمد لهم هو السفر جواً.

 

ومع ذلك، استمرت رحلات لبنانية على هذا المسار. حافلات أردنية تنطلق من لبنان، تعبر سوريا، ثم الأردن، ومنها إلى الحدود السعودية. وأكد مصدر مطلع لـ"المدن" أن هذا المسار كان قائماً منذ فترة وسطَ قدر من التغاضي، إلى أن جاء حادث حافلة المعتمرين اللبنانيين في درعا منذ نحوِ شهر، فأعاد القضية إلى الواجهة.

 

الحافلة التي كانت تقل 35 معتمراً انقلبت على الطريق الدولية دمشق ـ درعا، في منطقة خربة غزالة، ما أدى إلى وفاة أربعة أشخاص، ثلاثة منهم لبنانيون والسائق أردني، وإصابة 26 آخرين.من هنا برزت مسألة الرحلات البرية: كيف يكون للبنانيين أن يتوجهوا إلى السعودية عبر سوريا والأردن، رغم أن الدخول البرّي إلى المملكة ليس بالمسار المسموح؟

 

وبحسب معلومات "المدن"، كشفت المتابعة التي أعقبت الحادث أن الرحلات البرية لم تكن حالات فردية أو محدودة، بل مساراً يستقطب أعداداً هائلة من اللبنانيين. ومع انتقال الأمر إلى العلن، اتجهت الجهات المعنية إلى تشديد تطبيق المنع، وصدر القرار عن رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة تجديد حصر حملات الحج والعمرة بالنقل الجوي عبر مطار رفيق الحريري الدولي. 

 

كلفة السفر مرتفعة جداً

وأثار القرار اعتراضاً لدى أصحاب الحملات والمواطنين على السواء، والسبب الأبرز هو زيادة الكلفة.

الشيخ محمد عيد الحموي، صاحب "حملة التقوى للحج والعمرة"، يقول لـ"المدن" إن كلفة الرحلة البرية كانت تتراوح بين 350 و500 دولار تقريباً، بينما تتجاوز كلفة العمرة جواً الألف دولار مع احتساب تذكرة الطائرة والإقامة والنقل والمصاريف.

 

بالنسبة إلى الحموي، هذا الفارق يحسم المسألة بالنسبة إلى فئات واسعة من اللبنانيين، خصوصاً في المناطق الشعبية. فمن يستطيع ادخار 300 أو 400 دولار خلال شهرين أو ثلاثة قد يتمكن من أداء العمرة براً، بينما تصبح الرحلة الجوية خارج قدرته المالية.

 

ويصف الحموي القرار بأنه "ظالم"، لكنه لا يعارض مبدأ التنظيم. ويقترح إخضاع الحملات لشروط واضحة، واختبار المعرّفين ومنح المؤهلين بطاقات رسمية، ومراقبة الرحلات ومحاسبة المخالفين. كما يقرّ بوجود حملات تفتقر إلى الخبرة، وبمشكلات قد تواجه المعتمرين على الطرق أو عند الحدود، لكنه يرى أن الحل يكون بالتنظيم لا بالمنع الشامل.

 

ويشير الحموي إلى أن الإقبال على الرحلات البرية كان كبيراً، وأنه تلقى، بعد صدور القرار، مئات الاتصالات من مواطنين يستفسرون عن مصير العمرة البرية. ويرى أن القرار سيحرم شريحة من الناس من خيار كان متاحاً لها، في وقت ترتفع فيه كلفة السفر الجوي إلى مستويات لا يستطيع كثيرون تحملها.

 

خطوات تصعيدية

من جانبها، تتمسك الهيئة بالمسار الجوي، وتربط استمرار المنع بالحرص على سلامة الحجاج والمعتمرين، إضافة إلى ضرورة ضبط الحملات ومنع تنظيم رحلات خارج الإطار المعتمد.

 

لكن القرار أدى إلى اتساع موجة الاعتراض لتتحول إلى تحركات، مع تكاثر الدعوات إلى الاعتصام أمام دار الفتوى للمطالبة بإعادة النظر في القرار.

 

وهكذا يقف ملف العمرة أمام معادلة دقيقة: الدولة تريد وضع حد لمسار بري غير معتمد؛ فيما يرى أصحاب الحملات أن بالإمكان ضبطه وتنظيمه، ويرى المواطنون أن كلفة السفر جواً قد تحرمهم من العمرة.

وبين قرار يحسم وسيلة السفر، وواقع اقتصادي يفرض خياراته، يبقى السؤال: هل يكون المنع نهاية الرحلات البرية، أم بداية نقاش حول صيغة أكثر تنظيماً وأقل كلفة تتيح للّبنانيين أداء العمرة ضمن إطار واضح وآمن؟.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث