عند تلة بالقرب من دوحة كفررمان، شَيّد الدكتور مصطفى حمزة وزوجته الدكتورة ليلى نور الدين، بعد عام 2000، منزلهما الذي لم يكن يشبه سواه. أشبه بقلعة بيزنطية، ارتفع البناء عند التلة التي كانت من مواقع المواجهة، ليكون أول منزل يُشاد فيها بعد التحرير.
لطالما تغنّى حمزة بتحفته العمرانية. لكن التحفة تحولت فجر الأحد إلى ركام. فقد استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلية منزله، بالتزامن مع تدمير فيلا أخرى تعود إلى المواطن جواد وهبي.
بالنسبة إلى أبناء المنطقة، لا تبدو الضربات معزولة عن التصعيد المتواصل حول مرتفع علي الطاهر. فموقع المنزلين، إلى جانب منازل أخرى شُيّدت في تلال الدبشة والطهر ودوحة كفررمان، يضع هذه المنطقة في قلب المخاوف من اتساع الاستهداف الإسرائيلي.
جغرافياً، تُعدّ تلال الدبشة والطهرة امتداداً لمرتفع علي الطاهر، وكانت قبل عام 2000 موقعين عسكريين إسرائيليين. ومنذ وقف إطلاق النار، مُنع الأهالي من العودة إلى أجزاء من هذه المنطقة، وفق روايات أبناء المنطقة. وحين حاول الدكتور حمزة العودة إلى منزله، ألقت مسيّرة قنبلة صوتية بالقرب منه، ما منعه من دخوله.
اليوم، تبدو المنطقة أمام معادلة أكثر خطورة. فالتصعيد المتواصل منذ الجمعة، بعد مجزرتي أنصار ودير الزهراني، لا يثير المخاوف من استمرار القصف فحسب، إنما ينذر، ويشعل المخاوف من انتقال المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تشتعل في أي لحظة.
النبطية تحت النار
ليل النبطية، كما فجرها، كان ملتهباً بالغارات والقصف المدفعي، فيما شهدت المنطقة استخداماً للقنابل الفوسفورية، وفق معطيات "المدن" الميدانية. وهو مسلسل متواصل منذ أسابيع، لكن المستجد هذه المرة هو دخول الغارات الجوية الحربية بصورة مباشرة على خط المواجهة.
فجر الأحد، شُنّت أكثر من ست غارات استهدفت منازل مدنيين في النبطية الفوقا ودوحة كفررمان والدبشة، ما دفع الأهالي الذين نزحوا للمرة السادسة على التوالي إلى التريث في العودة. فالعودة إلى المنازل لم تعد تبدو خطوة طبيعية. والقصف يمكن أن يتجدد في أي لحظة، خصوصاً أن القصف المدفعي لم ينحصر في المحيط الجغرافي لعلي الطاهر، إنما امتد إلى مرتفعات جبل الرفيع وسجد.
ووفق مراقبين لـِ "المدن" فإن المشهد يعكس تصعيداً قد يتدحرج إلى مواجهة أوسع، وسط محاولات إسرائيلية للوصول إلى مرتفع علي الطاهر، من دون أن تتمكن من تحقيق ذلك حتى الآن.
ميدانياً وفق مصادر "المدن"، خلت طرق النبطية وشوارعها من الناس. كثيرون عادوا إلى أماكن نزوحهم السابقة، فيما اختارت عائلات أخرى الانتظار وعدم المجازفة بالعودة.
بدت الحياة مشلولة، كأن المدينة تراقب أهلها عند "حافة الانتظار". وحده السؤال بقي حاضراً في الشوارع والمحال: إلى أين تتجه الأمور؟ وهل نحن أمام حرب جديدة؟ أسئلة يسمعها المرء في كل متجر فتح أبوابه، في ظل غياب الناس والزبائن والرواد.
مدينة تنتظر الحرب؟
القلق لا يحتاج إلى كثير من الشرح في النبطية. يكفي أن تستمع إلى من بقي فيها. يتحدث حسن لـِ "المدن" عن ليلة الرعب التي عاشها: "لم نذق طعم النوم. صوت الغارات والقصف المدفعي كان عنيفاً، وشعرنا بأننا في قلب الخطر".
الخطر نفسه يقضّ مضاجع محمد، صاحب ملحمة في مرج حاروف. فتح أبوابه كالمعتاد، لكن الزبائن غابوا. يقول في حديثه لـِ "المدن": نعيش حالة من الضياع. ونخاف أن نكون قد دخلنا في الحرب فعلياً".
يكمل محمد ويتحدث عن الحاضر المرير، وعن الخوف مما قد يأتي. ويقول: "إذا بدأت معركة عليَّ الطاهر، قد يصبح مرج حاروف وما بعده خط التماس الجديد، وإذا بدأت فجأة، قد يبدأ الدمار، فهذا المحتل متعطش للتدمير". هذا النوع من الهواجس بات جزءاً من يوميات أبناء النبطية ومنطقتها. نزوح وعودة ثم نزوح، فتح للمحال ثم إغلاقها، وحياة معلقة بين هدنة لا تبدو مستقرة وحرب لا أحد يعرف إن كانت بدأت فعلاً.
جراح لم تلتئم
وفي ظل هذا التصعيد، لم تلملم أنصار ودير الزهراني بعد أوجاعهما المدفونة بين الركام والدمار. في أنصار، لا تزال عائلة زينب ناصر الدين حاضرة في ذاكرة المكان، بعدما تحولت حياة أفرادها إلى أثر تحت الركام. وفي دير الزهراني، تتوالى قصص من عاشوا لحظات الموت وهم يحاولون الفرار منه.
تتحدث آمنة نجدي لـِ "المدن" عن "لحظة الموت" تقول: "كنت مع ابني وشقيقتي نعبر طريق دير الزهراني، وسقطت الغارة. انطفأت الحياة، ودخلنا في قلب دخان قاتل. أُصيب ابني وشقيقتي، وشعرنا وكأننا بين النار والموت، ولا توصيف آخر للمشهد".
المفارقة أن المنطقة لا تزال تعيش تداعيات الضربات السابقة، فيما تتسع دائرة الخوف من ضربات جديدة.
لا تُحسد النبطية على حالها. قد يكون أهلها اعتادوا النزوح القاهر، لكنهم لم يعتادوا هذا الوضع المتأرجح بين حرب ولا حرب، بين مدينة تحاول استعادة حياتها، وغارات تعيدها في كل مرة إلى نقطة الصفر.
علي الطاهر: مفتاح المشهد
وسط كل ذلك، يحتل مرتفع علي الطاهر المشهد. المرتفع الذي يشرف على مساحات واسعة من المنطقة يشكل عقدة أساسية في الحسابات العسكرية، ومن حوله تتحرك خطوط القصف والاستهداف.
ولهذا، فإن ما يجري في النبطية لا يمكن قراءته فقط بوصفه سلسلة غارات متفرقة. فكلما اقترب القصف من محيط علي الطاهر، اتسع السؤال عن طبيعة المرحلة المقبلة: هل تبقى المواجهة ضمن حدودها الحالية، أم تتحول المنطقة إلى ساحة اشتباك جديدة؟ حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة. لكن مؤشرات "المدن" الميدانية تفرض نفسها. غارات جوية، قصف مدفعي، نزوح متكرر، استهداف لمنازل في مناطق سكنية، وقلق يتجاوز البلدات المحاذية لمواقع المواجهة.
قد يكون علي الطاهر مفتاح جولة جديدة من الحرب، وقد يكون نقطة يحاول الطرفان منع انفجارها. وبين الاحتمالين، تبقى النبطية معلقة على حافة المشهد. خلف هدوء المدينة، لا يُسمع كثيراً سوى أصوات المسيّرات التي تخرق الصمت. تصعيد جديد، والحرب التي تقول بخجل أنها بدأت فعلاً من دون أن يُعلن أحد بدايتها.




