وقّع وزير المالية ياسين جابر، في العاشر من آب، اتفاقية بقيمة 150 مليون دولار مع البنك الدولي لتمويل التحوّل الرقمي في الإدارات العامة. ويحمل البيان الرسمي جملة من العناوين: بنية تحتية رقمية، أمن سيبراني، هوية رقمية، توقيع إلكتروني، منصّات آمنة لتبادل البيانات، وبوابة حكومية موحّدة. عناوين لا يختلف عليها أحد، وهذه تحديداً مشكلتها.
المشروع ليس صندوقاً أسود. له رقم تشغيلي في موقع البنك الدولي هو P506791، واسم رسمي هو "مشروع تسريع التحوّل الرقمي"، ووثائق منشورة تشمل ملخّص المراجعة البيئية والاجتماعية، وخطة إشراك أصحاب المصلحة، وصفحة لترسية العقود على موقع مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. البيان هو الغلاف، وما تحته أدقّ بكثير وأقلّ اطمئناناً.
ما لا يقوله البيان
أول ما يلفت في الوثائق رقم لم يرد في الخبر: الكلفة الإجمالية للمشروع عند التقييم 185 مليون دولار، فيما يبلغ القرض 150 مليوناً. الفارق 35 مليوناً، ولا تشرح الوثائق المنشورة من أين يأتي.
وفي تصنيف البنك لمحاور المشروع، وهو تصنيف يحتسبه تحت محاور متداخلة، فتتجاوز نسبها مجتمعةً المئة، تظهر أرقام لا تشبه البيان كثيراً. حماية البيانات والخصوصية 57 في المئة، في بلد بلا هيئة مستقلّة لحمايتها. والبنية التحتية العامة الرقمية 57 في المئة، منها 50 في المئة لأنظمة تحديد الهوية والسجل المدني؛ أي أنّ نصف المشروع، وفق وثيقة البنك الدولي، يتعلّق بالهوية.
البند الذي لا يموّله القرض
تقول الوثيقة إنّ المشروع "لن يموّل مباشرة بناء مراكز البيانات أو تأهيلها"، وإنّ "مستثمرين من القطاع الخاص سينشرون منصّة السحابة المجتمعية الحكومية في مراكز بيانات جديدة أو مؤهّلة". مركزان، أحدهما رئيسي والآخر للتعافي من الكوارث، يموّلان من القطاع الخاص "إن تحقّقت الشراكة بين القطاعين العام والخاص".
أعيدوا قراءة العبارة الأخيرة. المكوّن الأول من المشروع، وهو الأساس المادي الذي يقوم عليه كل ما فوقه، معلّق على شراكة لم توقَّع بعد. الدولة تستدين لبناء الطبقات العليا، فيما الطبقة التي ستحتضن بياناتها تُترك لمستثمر لا يُعرف اسمه، ولا نموذج تعاقده، ولا مدّة عقده، ولا ما يحصل عند انتهائه.
الوثائق المنشورة لا تجيب عن أيّ من ذلك: من يملك الخوادم، ومن يحوز مفاتيح التشفير، وهل ثمّة إلزام بتوطين البيانات، وما بنود الخروج وقابلية النقل، وماذا يحلّ ببيانات الدولة إن أفلس المشغّل أو انسحب.
المدير التنفيذي لمؤسسة "سمكس" محمد نجم يقول لـِ "المدن" إنَّ الخطر الأكبر ليس في مراكز البيانات، بل في الهوية الرقمية: "هذا يتطلّب حتماً أن يكون كلّ شيء فيها تقريباً ضمن نطاق الدولة، من دون أيّ شراكة مع القطاع الخاص". ويؤكّد: "سيادة البيانات يجب أن تكون بشكل كامل تحت سلطة الدولة اللبنانية".
وثمّة قيد مادي لا تحلّه العقود. الوثيقة نفسها تقرّ بأنّ مراكز البيانات ترتبط باستهلاك مرتفع للطاقة، وباستخدام كبير للمياه، وبنفايات إلكترونية. وطموح "بنية جاهزة للذكاء الاصطناعي المحلي" يحتاج تياراً وتبريداً مستقرَّين، في بلد كانت الكهرباء فيه محور القلق الذي عبّر عنه جابر وخليفة نفسيهما في اليوم نفسه.
وزيران على ملفّ واحد
الجهة المنفّذة هي مكتب التنمية الإدارية، لا وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع أنَّ وزيرها كمال شحادة كان حاضراً في التوقيع. ومكتب OMSAR المنشأ عام 1994، ليس وزارة ذات ولاية قانونية راسخة، بل مكتب وزير دولة بلا حقيبة، اعتمد تاريخياً على برامج المانحين والاستشاريين. والمشروع سيموّل داخله "وحدة تنفيذ مخصّصة"؛ أي بنية موازية مموّلة من القرض. وتدرج الوثيقة ضمن المخاطر "قدرة المكتب المحدودة" على تطبيق متطلّبات البنك البيئية والاجتماعية.
في المقابل، أقرّ مجلس الوزراء في أيلول الماضي مشروع قانون لإنشاء وزارة كاملة لتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. والمشروع ما زال ينتظر مجلس النواب؛ أي أنّ الوزارة، قانونياً، ليست وزارة بعد.
يصف نجم المشهد بلا مواربة: "العمل بدأ على نحو سليم، إذ كان فادي مكي يعدّ مسحاً لكلّ وزارات الدولة وهيئاتها. ثمّ صار لديك وزير آخر يعمل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. التضارب واضح، وهو خطأ في التخطيط الأساسي، أي خطأ حكومي أوّلي، سواء من رئاسة الحكومة أو من رئاسة الجمهورية أو منهما معاً". ويسأل: "لماذا تُنشئ وزارة فيما وزارة أخرى تؤدّي العمل نفسه تقريباً؟"
من يريد أن يعرف ما تفعله المحاصصة بحوكمة القطاع الرقمي، فليقرأ سيرة الهيئة المنظِّمة للاتصالات: عُيِّن مجلسها أول مرّة عام 2007، وانتهت ولايته نحو عام 2012، وبقي المجلس شاغراً أكثر من ثلاثة عشر عاماً بسبب خلاف على المقاعد الطائفية، إلى أن عُيِّن مجلس جديد في أيلول الماضي. ثلاثة عشر عاماً بلا منظِّم، في القطاع الذي يفترض أن يحمل اليوم دولة رقمية.
القانون يُكتب بمال القرض
في تصميم المشروع، تقع البيئة القانونية والمؤسسية في بند فرعي يسير بالتوازي مع بناء المنصّات، لا قبله. الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني وتبادل البيانات وبوابة البيانات المفتوحة تُبنى، فيما التشريع يُصاغ على الخطّ نفسه، بل خلفه!
وليس هذا استنتاجاً. تظهر صفحة العقود أنّ المشروع تعاقد مع محامٍ بخمسة وعشرين ألف دولار لخمسة أشهر، من أجل تقييم الإطار القانوني للأمن السيبراني وصياغة قانون. القانون يُكتب بمال القرض، فيما البنية تُخطَّط بالتوازي.
الأرض القانونية التي يقف عليها كلّ ذلك هي القانون 81/2018 للمعاملات الإلكترونية والبيانات الشخصية. رقابته موكلة إلى وزارة الاقتصاد، لا إلى هيئة مستقلّة، ولم تصدر أصوله التطبيقية بعد أكثر من سبع سنوات، وهذا ما يعني أنّ معالجة بيانات اللبنانيين تجري عملياً خارج إطار قانوني مكتمل.
يضع نجم الأولوية كالتالي: "الأهمّ أن يكون لدينا قانون للخصوصية، أو قانون لحماية البيانات الشخصية. هناك كلام على أنّ الاتحاد الأوروبي يساعد وزارة العدل في الموضوع، لكنّنا لم نرَ نسخة بعد لنبدي رأينا فيها". ويرى أنّ الهيئة الرقابية، متى وُجد القانون، مكانها الطبيعي وزارة العدل، لا وزارة الاقتصاد.
الدرس متوافر من تجارب أخرى، ففي تشرين الأول 2021، أمرت المحكمة العليا في كينيا الحكومة بإجراء تقييم أثر على حماية البيانات قبل متابعة نظام الهوية الرقمية. كان ذلك بعد معالجة 11.2 مليون بطاقة، وإنفاق أكثر من 90 مليون دولار. الترتيب المقلوب لا يُلغى، بل يُدفع ثمنه مرّتين.
ماذا تعني كلمة "استشارة"
في الملحق الأول من خطة إشراك أصحاب المصلحة، ترد "سمكس" بين المؤسسات المشاركة في الاستشارات. وحين سألنا مديرها التنفيذي، كان الجواب: "لم تجرِ استشارتنا في المشروع على المستوى العام. دُعيت جمعيات ومؤسسات كثيرة، ونحن منها، إلى جلسات صغيرة لإبداء الرأي في مواضيع محدّدة جداً. بصراحة، لا أذكر من حضر من عندنا، وربّما لم يحضر أحد".
ثمّ يضيف ما هو أثقل: "كمشروع عام، لا نعرف ما هو، ولا من وضع الخطة أصلاً، ولا كيف تأكّدنا من أنّ مشروعاً كهذا سيأتي بعائد يوازي المبالغ التي سننفقها". ويشير إلى نسبة فائدة تبلغ 5 في المئة على القرض، ويقول إنّها غير منشورة لكنّ المعلومة لديه، من دون أن يذكر مصدرها.
موقف نجم من الأسئلة التفصيلية واضح: "ما لم نره لا نتحدّث عنه. هناك أمور لا نعرفها إلى أن نراها في الجريدة الرسمية".
ما يمكن اشتراطه قبل أن تتحرّك البيانات
الاتفاقية موقّعة، لكنّها لم تصبح نافذة. أمامها الإبرام النيابي، وأمام المشروع خمس سنوات من التنفيذ، وهذه المسافة هي كلّ ما تبقّى لدينا من هامش.
أربعة اشتراطات تكفي للبداية:
- نشر عقد الشراكة كاملاً، ببنود الملكية والإنهاء وإعادة تسليم البيانات.
- الإفصاح عن المالك المستفيد لكلّ جهة تتقدّم بعرض أو تنال تلزيماً.
- تقييم أثر إلزامي على حماية البيانات قبل إطلاق أيّ منصّة، لا بعده.
- إقرار قانون لحماية البيانات بهيئة مستقلّة، شرطاً لبدء صرف أموال القرض، لا وعداً مؤجّلاً.
لا شيء في هذه اللائحة يحتاج إلى مال. كلّها تحتاج إلى قرار، وإلى أن يُتّخذ قبل أن تنتقل بيانات مواطن لبناني واحد. فبعد ذلك، تكون المنصّات قد بُنيت، والبيانات قد انتقلت، ولن يبقى أمام الدولة سوى أن تطلب من مشغّل خاص ما كان في وسعها أن تشترطه اليوم.




