"بتموز ببين الكوز". لم يصدق هذا المثل في موسم التين الحالي. انقضى تموز، وما زالت أكواز التين عجراً، يتفحصها أصحابها مع كل صباح، وهم التواقون لبدء الموسم الذي يشكل مصدراً للعيش.
غياب بسطات التين
تغيب عن طريق عام كفرا- ياطر، في منطقة بنت جبيل، بسطات التين المعتادة، وخيمة "عواطف"، فتتصدر المشهد الآلات العملاقة، التي تفصل الحديد عن الإسمنت، من البيوت المدمرة والمحال والمؤسسات التجارية على جانبي الطريق.
هذا الغياب، لا يقتصر على بسطات التين الذهبية، التي تشتهر بها بلدة كفرا، كواحدة من أكبر البلدات المنتجة للتين على أنواعه، بل يتعدى ذلك إلى النسبة الضعيفة للعائدين إلى المنطقة، نتيجة الاعتداءات والتفجيرات الإسرائيلية في المنطقة المقابلة، لا سيما بيت ليف، صربين، وحداثا، وفقدان مئات العائلات منازلها.
لم يتأخر التين في كفرا ومحيطها إلى هذا الوقت، بل زاد حوالي الشهر عن موعده الطبيعي. فقد جرت العادة أنه في النصف الثاني من تموز من كل عام تلوح أكواز التين في المنطقة الجبلية، التي كان يسبقها تين الساحل، بثلاثة اسابيع على الأقل.
أمراض وخسائر
تترتب عن تأخر الموسم خسائر كبيرة للمزارعين والتجار والمتعاملين بهذه المنتج، الذي يضفي حركة تجارية تمتد لحوالي ثلاثة أشهر. ونتيجة تضرر قسم كبير من تين المناطق الساحلية، وإصابة كميات كبيرة منها بأمراض مختلفة، ومنها ما يسمى مرض تقرح الجذوع والأغصان (Trunk and branch canker)، تراجع إنتاج التين، وهذا ما انعكس ارتفاعاً في اسعاره، حيث تجاوز سعر الكيلو مليون ليرة مع بداية الموسم.
تعيل عشرات العائلات
في بلدة كفرا، التي ترتفع حوالي سبعمائة متر عن سطح البحر، تستوطن أشجار التين منذ عشرات العقود، مثلها مثل باقي بلدات الجنوب، ساحلاً وجبلاً. لكن الفرق أن هذه البلدة، تحافظ على وجود آلاف أشجار التين المغروسة في حقول مستقلة، وبجانب المنازل، حتى أضحت رمزاً للبلدة.
ويعيش من هذه الزراعة عشرات العائلات من المزارعين والباعة المتجولين واليد العاملة، التي ألفت قطاف التين، مع انبلاج الفجر، لتفويت الفرصة على " الدبابير" التي تأخذ نصيبها من الأكواز.
لم يفقد عباس عباس ( تسعون عاماً) مصدر رزقه الموسمي من التين فحسب، بل خسارته الفادحة تتمثل بتدمير منزله، ومنازل أولاده، ومحلاته المجاورة لأحد كروم التين التي يملكها.
يأتي عباس (أبو علي) يومياً بسيارة الفان إلى محيط منزله المدمر، يراقب أشجار التين، التي ما زالت أكوازها عجراً؛ أي "فجّة".
وسيارة الفان، التي كان يجول فيها إلى صور وصيدا، وكل مناطق الجنوب، لم تحو اصناف التين، البقراتي، والعسلاني، والحمراني، والصيداني. استبدلها هذا العام بعدد من فراش الإسفنج، التي اصطحبها معه من نزوحه، إلى جانب ميزانه تقليدي، وأوزان من الحديد، تنتظر حلول الموسم، للكيل بها.
التحسر على المواسم
يتحسر عباس على المواسم الماضية، يوم كان فيها التين مقبلاً، والمنزل عامراً. لكنه بالرغم من تقدمه في السن، ما زال عباس يواصل غرس أقلام التين بأكواب بلاستيكية، لينقلها في شباط إلى حضن الأرض، التي خسرت الكثير من مخزونها.
كان عباس، وهو اشهر مزارعي وباعة التين على امتداد الجنوب، يجول في القرى، بائعاً تين الموسم، والتين المجفف. ويشرح لـِ "المدن" أن كفرا، مملكة التين، تنتج يومياً، أطناناً من التين، موزعة على 12 صنفاً، كل واحد منها أشهى من الآخر. و"كان لدي عشر عاملات محليات في موسم التين، وكان الإنتاج اليومي، يبلغ مئات الكيلو غرامات، أبيعها بواسطة ثلاثة فانات وعلى عدد من البسطات، في غالبية مدن وقرى الجنوب، ومنها بنت جبيل وصور، وصولاً إلى صيدا والغازية"، قال .
وعن سبب تأخر الموسم بشكل غير معتاد، يوضح أنه يعود إلى إطالة موسم المطر الذي بقي حتى شهر نيسان، وبسبب نبات العشب بكثافة بين أشجار التين، فبدلاً من تغذي الأغصان بالمياه الموسمية، فإن العشب، الذي تجاوز ارتفاعه المترين، استحوذ على كميات المياه، ناهيك عن عدم حراثة الأرض وتسميدها.
وختم عباس: "كنا أغنياء، نبيع طن تين يومياً، اما الآن فقد أصبحنا شحاذين".
خسارة مصدر الرزق
فقد محمد بشير وعائلته إنتاج موسم التين في بلدته كفرا.
وبشير، العائد من نزوحه حديثاً، كان يعتمد على إنتاح موسم التين من حقل العائلة، المغروس منذ عشرات العقود. وأكد أنه كان يعتمد في معيشة عائلتة على المواسم الزراعية، فيبدأ ببيع الشمام والبطيخ والمقتى، وصولاً إلى بدء موسم التين، الذي يشكل متنفساً إقتصادياُ رئيسياً. لكن "هذه السنة لم نسترزق بعد، بسبب تأخر موعد التين، حوالي الشهر. ولعل الايام القادمة تمنّ علينا بالرزق"، قال.
لا يملك حسين عز الدين، كروماً للتين أو العنب في بلدته كفرا، التي تشهد عودة بطيئة للحياة، جراء الدمار الكبير، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، التي تطاول البلدة بين الحين والآخر. لكنه كان يشتري التين من المزارعين لبيعه عند مفارق الطرق الرئيسة، بين كفرا وصور. وأكد أن تأخر الموسم حرمه من دخل اعتاد عليه سنوياً، لإعالة عائلته، ما اضطره للبحث عن مصدر دخل أخرى.
الأعشاب ضربت الموسم
بدوره يؤكد مزارع التين محمد حمدان أنه لم يشهد تأخراً لموسم التين، مثل ما حصل العام الحالي، لافتاً إلى أن إنتاجه الموسمي من التين كان يكفيه عاماً كاملاً من المصاريف والاحتياجات العائلية، حيث كان يتعدى العشرين ألف دولار.
و"المدن" تواصلت مع أصحاب الاختصاص لتحديد أسباب تأخر موسم التين. ورأي المزارعين، يتطابق مع رأي أهل الاختصاص،
إذ يؤكد المهندس الزراعي علي قاسم أن الحرب ليست وراء تأخر الموسم، بل مرد الأمر إلى الأسباب المناخية. وشرح أن السبب يتعلق بموسم الأمطار والأعشاب التي اجتاحت الأراضي.




