تعدّى تنصيب القسّيسة الدكتورة ريما نصرالله راعيةً للكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت مجرّد الحدث البروتوكولي العابر الذي يمرّ هادئاً في الكواليس. فقد أثار لغطاً واسعاً وسجالاً لاهوتياً واجتماعياً. وفي حديثٍ لـِ "المدن"، أوضحت نصرالله هذا اللّبس، مؤكّدةً عدم وجود ما يُسمّى "اتحاد الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط" كما تداولته بعض الأخبار، ومبيّنةً أن "راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت يُعدّ حُكماً رئيساً للاتحاد الإنجيلي الوطني في لبنان، الذي يضمّ تسع كنائس فقط، بعضها متوقف جراء الحرب والتهجير، ولا يشمل الكنائس الإنجيلية كافة".
غير أن هذا الحدث، وفي بيئةٍ مشرقية تُحكم فيها القبضة بسلطة التقاليد والمؤسسات ذات الهيكلية البطريركية الصلبة، أعاد فتح أحد أكثر الملفات حساسية وحرجاً في اللاهوت والاجتماع المشرقيّين: حضور المرأة في سدّة القرار الكنسيّ. وفيما عدّه البعض محطةً مفصلية وانتصاراً للمرأة في الفضاء الروحي، تساءل آخرون عن مدى إمكانية امتداد هذه التجربة لتصل إلى سدة الرئاسة الروحية والخدمة الكهنوتية في بقية الكنائس، التي تمنع تسلّم المرأة سدة السلطة الكهنوتية.
كسر النمط السائد
تُعدّ الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط سبّاقة في إتاحة المجال أمام المرأة لنيل الرسامة الكهنوتية، مستندةً في ذلك إلى لاهوت "الإصلاح" الذي ينظر إلى الكهنوت بوصفه خدمةً ورعايةً لا سلطةً هرمية موروثة. كما ترتكز على قراءة نقدية للنصوص الدينية تُفرّق بين الثقافة التاريخية لعصر العهد الجديد والمبادئ الجوهرية للرسالة المسيحية، متخذةً من الآية: "لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعَكُمْ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" حجرَ زاويةٍ لها.
ولعلّ انتقال المرأة من الخدمة الرعوية الميدانية داخل رعية محدّدة إلى تولّي رئاسة الاتحاد يُمثّل تحوّلاً فارقاً نحو سُدّة القرار الروحي والإداري بطبيعة الحال. وفي هذا السياق، تؤكد نصرالله لـِ "المدن": "في الكنيسة الإنجيلية لا مانع أبداً من أن تكون المرأة قسيسة أو راعية لكنيسة؛ فنحن نرى أن أتباع المسيح كانوا نساءً ورجالاً، وبناءً عليه فقد منح الجميع الفرص ذاتها للخدمة والبشارة". وتضيف أن المرأة تتولى موقع القسيسة عالمياً منذ أكثر من مئة عام، كما في الدنمارك وألمانيا وإنجلترا وغيرها.
ووفق أوساط إنجيلية، تُمثّل القسيسة ريما نصرالله نموذجاً للمرأة اللاهوتية الأكاديمية؛ إذ تجمع بصفتها أستاذةً في اللاهوت العملي بين المعرفة النظرية والخبرة الرعوية، إلى جانب نشاطها البارز مع الفئات الشابة.
المعركة اللاهوتية
تظل مسألة منح النساء الدرجة الكهنوتية المقدسة محور خلافٍ جوهري في الحوار المسكوني بين الطوائف. ويَبقى موقف الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية ثابتاً في هذا الصدد، نظراً لارتباط السجال بعمق اللاهوت وطبيعة الأسرار.
وفي تصريح لـِ "المدن"، يُلخّص مصدر كنسي لاهوتي (فضّل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع) الرؤية الكاثوليكية في محورين رئيسيين:
البُعد اللاهوتي الذي يستند إلى ممارسة يسوع المسيح في الأناجيل، حيث لم تكن بين الرسل الاثني عشر أي امرأة. وبما أن الكاهن يمارس دوره "بشخص المسيح" الذي كان رجلاً، فإن تجسيد هذه الخدمة عبر امرأة يُحدث، وفق هذا الطرح، انكساراً بين الرمز والمرموز إليه. والبُعد التاريخي حيث يشدّد اللاهوت الرسولي (الكاثوليكي والأرثوذكسي) على أن عدم رسم المرأة كاهناً لا يُقلل من شأنها، مستشهدين بالسيدة العذراء التي تفوق الرسل قداسةً من دون أن تُرسَم كاهناً. كما أن التقليد الممتد لألفي عام لا يمكن تعديله استجابةً لضغوطٍ أو خلفيات أيديولوجية تُطالب بالمساواة الإجرائية التامة.
تعقيدات الواقع المشرقي
على الصعيد العالمي، يلتقط الفاتيكان إشارات المطالبة بإعادة التفكير في دور المرأة، وهو ما تجلّى في تعيين نساء على رأس دوائر رئيسية، لكن جرى منحهنّ سلطة إدارية وليس كهنوتية، حتى لو أن هذه السلطة تتفوق عملياً على موقع الأساقفة.
أما في المشرق، فلا يمكن فصل المؤسسة الكنسية عن بيئتها الاجتماعية والسياسية؛ إذ يُحاكي النظام الكنسي التقليدي البنية العشائرية والسياسية السائدة. فالكاهن أو البطريرك هو "الأب" ورأس العائلة الروحية، تماماً كما أن "الزعيم" هو رأس العشيرة. ومن هنا، يتحوّل الخطاب الكنسي في أحيان كثيرة إلى دفاعٍ مضمر عن سوسيولوجيا المجتمع الذكوري أكثر من كونه دفاعاً نقيّاً عن العقيدة.
وهنا يبرز السؤال المفصلي: هل يكمن الخوف الحقيقي لدى الرافضين في "مخالفة مشيئة الله"، أم في اهتزاز هيكلية السلطة الذكورية التي اعتادت احتكار الفضاء المقدس إدارةً وخدمة؟
تُشير القراءات الاجتماعية المعاصرة إلى أن إبعاد المرأة عن المذبح في الشرق ليس امتداداً نصوصياً فحسب، بل هو آلية دفاعية لحماية الهرمية الأبوية. فالمرأة، إن مُنحت سر الخدمة الكهنوتية، لن تُغير شكل الرعاية الروحية فحسب، بل ستكسر المفهوم النمطي لـ "الرجل الرمز"، متجهةً نحو نمط "الرعاية التشاركية" والتركيز على البناء الاجتماعي والنفسي للإنسان.
الامتحان الحقيقي
على الرغم من الحضور القوي للمرأة في الكنائس التقليدية عبر اللجان والمؤسسات والوقف الشؤون الرعوية، إلا أن مسألة منحها سر الخدمة الكهنوتية لا تزال، بحسب المصدر اللاهوتي، أمراً بعيداً لا يُطرح في مجمعٍ أو رسالة، لاتصاله العميق بالعلاقات بين الكنائس ذات التقليد المقدس.
ولعل ما تثيره تنصيب نصرالله مشرقياً أنها تفتح ملف "المرأة وسرّ الخدمة الكهنوتية" في الشرق. فهذا الأمر ليس ترفاً فكرياً ولا استنساخاً تجريبياً، بل هو امتحان حقيقي لمدى الجرأة التي تمتلكها الكنيسة المشرقية في الإصلاح والتجدد. فالإيمان الذي ينكفئ خلف سياج الخوف من التغيير يفقد قدرته على التقدّم، بينما الإيمان الحيّ هو الذي يدرك أن الروح لا يُحَدّ بجنس، وأن الكنيسة التي تجرؤ على نقد ذاتها هي الوحيدة القادرة على إنارة واقعها.




