تظهر الصورة حجم الدمار الذي تعرضت له مدرسة زوطر الشرقية (عمار عمار).
في بيوت القرية
عندما تأسست مدرسة زوطر الشرقية، التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم أمس، كانت عبارة عن غرفتين تحت النادي الحسيني في البلدة.
انطلقت المرحلة التعليمية الأولى للمدرسة في هاتين الغرفتين في أوائل خمسينيات القرن المنصرم، وضمّت كثيراً من أولاد القرية ذكوراً وإناثاً. وكان أول المعلمين لهذه الصفوف الابتدائية كل من المربي الراحل محمد فياض، ابن زوطر، والراحل أنطوان حداد من خارج البلدة.
بعد ذلك راحت المدرسة تتوسع، وكانت غرفها متعددة أُنْشِئْت في بيوت متفرقة تابعة لأهل القرية. وجرى تزويدها بمعلمين جدد قدموا من خارج البلدة، ومن مناطق بعيدة. بعضهم أتى من بلدة دير ميماس الجنوبية، وآخرون من جبل لبنان، وحتى من الشمال، ولا سيما من بلدة راسنحاش الشمالية. وما زال المربي رياض حمّود الذي درّس في زوطر منذ منتصف الستينيات، حيّاً يرزق. وشاءت الصدف أن نتعرف إليه شخصياً خلال نزوحنا الحالي إلى بلدته راسنحاش، وراح يتذكر تلك المرحلة بفخر واعتزاز.
تشييد أول مبنى
بقيت مدرسة زوطر على هذه الحال، حيث كان الطلاب يتلقّون تعليمهم داخل منازل أهالي البلدة. وذلك إلى حين تشييد أول مبنى للمدرسة في ستينيات القرن الماضي. وكانت المدرسة رائدة في منطقة النبطية سواء من حيث موقعها الجغرافي، أو من حيث عمرانها. وكانت مدرسة نموذجية لناحية الأسرة التعليمية، التي ضمت نخبة من المعلمين من أبناء القرية، ومن خارجها. وقد اتخذ بعض المعلمين، الذين أتوا من مناطق بعيدة من زوطر الشرقية سكناً دائماً لهم، وأصبحوا أفراداً من أبناء القرية، ومنهم من مكث، وتزوج فتيات من بنات الضيعة. وأصبحت زوطر الشرقية، من خلال مدرستها الرسمية، رمزاً للوحدة الوطنية، لما شكّلته روابط القربى مع بقية المناطق، ولا سيما راسنحاش البترونية، ومدينة طرابلس، ودير ميماس الجنوبية، والجبل اللبناني، ولا سيما من بلدة شحيم، التي أتى منها المربي حسّان حجار، وغيرهم الكثير.
المربي حبيب يونس أول مدير
مع تشييد المبنى الأول للمدرسة في أوائل الستينيات، لا بد من ذكر المربي الكبير حبيب يونس، الذي كان أول مدير لهذه المدرسة، وكرس كل حياته لها، وأعطاها دوراً مميزاً من خلال إدارته الحكيمة ومتابعة الهيئة التعليمية، والصرامة التربوية المميزة مع الطلاب. هذا فضلاً عن إرساء أسس العلاقة الاجتماعية بين المدرسة والأهالي والمجتمع المحيط. وكانت المدرسة نموذجاً في الرقي والتواصل الدائم مع المحيط.
وعندما نتذكر المدرسة الرسمية، التي تحولت إلى ركام، من الصعب علينا أن ننسى الرعيل الأول من المعلمين والمربين الذين أسسوا، وأسهموا في رفع اسم المدرسة عالياً في زوطر وفي جبل عامل. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ومع حفظ الألقاب، لا يمكننا عدم ذكر من رحل منهم عن هذه الدنيا أو لا يزال على قيد الحياة مثل المربين عبد الكريم شمس الدين، ومصطفى سامي إسماعيل، ومصطفى ياغي، وحسين منيف ياغي، وصبحي إسماعيل، ومحمد فياض، وقاسم شعيتاني، وغيرهم من الرعيل الأول من المربين والمعلمين الذين خرّجوا عشرات بل مئات الطلاب، الذين برعوا، وتوزعوا على المهن والوظائف الرائدة كافة في لبنان، وفي بلدتهم.
مدرسة زوطر النموذج
تعاقبت على مدرسة زوطر مراحل عدّة ومرت بأدق الظروف، من الحرب الأهلية إلى الحروب المستمرة مع الكيان الإسرائيلي. وبقيت في تلك المرحلة عصية على كل التحديات. فمنذ نشوئها وهي تتحدى الصعاب، وتخرج من تلك الأزمات منتصرة. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، أي في زمن أحزاب الحركة الوطنية، كانت المدرسة متألقة في دورها وثباتها الوطني لناحية أسرتها التعليمية وطلابها. وكانت متميّزة في مسار التعددية والتنوع اللذين انتهجته في تلك الحقبة. وكانت خزان العمل الثقافي والاجتماعي مع نادي زوطر الثقافي الاجتماعي، الذي واكب مسار المدرسة خطوة بخطوة.
مع تراجع مستوى التعليم الرسمي في لبنان لا سيما بعد توقف الحرب الأهلية، كانت المفارقة أن بدأت مدرسة زوطر بالتراجع لأسباب عدّة، من بينها إنشاء المدارس الخاصة بكثرة، والمدارس الحزبية. وبات لكل حزب أو طائفة مدرستها الخاصة. وأتى ذلك على حساب المدرسة الوطنية الجامعة. وأصبحت هذه الأحزاب تولي الاهتمام لمدارسها مع إهمال متعمد للمدرسة الرسمية التابعة للدولة.
في هذه الحقبة تغيرت الشعارات. من أولوية التعليم الأساسي والإلزامي ورسالة التربية الوطنية، انتقلنا إلى شعار مدارس العلامة التجارية، والعلاقات الفئوية. وأصبحت المدرسة صرحاً شاهقاً في المباني المتعددة، لكنه بات خالياً من رواده الطلبة والتلاميذ، ومن الأسرة التعليمية التي تعاقبت عليها، وجعلت منها النموذج الرائد في المنطقة.
بين احتلالين
عايشت مدرسة زوطر احتلالين إسرائيليين. ففي احتلال عام 1982، بقيت المدرسة نموذجاً صامداً في وجه المتغطرسين. أما في احتلال عام 2026، فقد دمّرها الاحتلال، وحوّلها إلى ركام. وبات أهلها وطلابها، وهم بعيدون عنها، بسبب النزوح، يبكون حجارتها وذكرياتهم وتاريخها العريق. ولا أحد سيبكي عليها أكثر ممن يدرك معناها، وعاش نشأتها، وشارك في تأسيسها، ودرس على مقاعدها، أو ممن أحبّها، ولا سيما في السنوات الأخيرة من عمرها؛ أولئك الذين ناضلوا في سبيل استعادة، ولو القليل من مجدها وحضورها التاريخي، من أجل أبناء زوطر الفقراء ومحبي وطنهم، وفي مقدّمهم أفراد الأسرة التعليمية وأعضاء لجنة الأهل، الذين حاولوا ونجحوا.
اليوم تدمّرت مدرسة زوطر بالكامل، ومع أن البديل عنها مجهول، لكنها ستبقى عابقة في الذاكرة، والذاكرة لا ترحل.




