في ظل الجدل الحاصل في الجامعة اللبنانية عقب قانون التمديد لرئيس الجامعة الصادر عن المجلس النيابي، وتقدم 14 نائباً بطعن أمام المجلس الدستوري، تلقت "المدن" مقالة تضمنت قراءة في الطعن، مقدمة من مجموعة من أساتذة الجامعة، فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم وفي ما يلي نصها:
"لا خلاف على حق أي نائب في الطعن أمام المجلس الدستوري، ولا على أن الرقابة الدستورية لا تُمارَس بالانتقاء. فالطعن حق دستوري صرف، ولا يجوز أن تصوَّر ممارسته على أنه استهداف للجامعة اللبنانية، كما حاول البعض الترويج له في الأيام الأخيرة.
فالنواب الذين تقدّموا بالطعن لم يطعنوا في الجامعة ولا بدورها الوطني، بل طعنوا في تعديل يمسّ قواعد تنظيمها وإدارة شؤونها، انطلاقًا من مبدأ دستوري بسيط: القوانين التي تحكم المؤسسات العامة يجب أن تبقى قواعد عامة ومستقرة، لا أن تُعدَّل لمعالجة وضعية شخص أو تمديد ولايته. وهنا تحديدًا يكمن جوهر النقاش الدائر هذه الأيام حول قانون رئاسة الجامعة اللبنانية.
الجامعة ليست رئيسًا، ورئيس الجامعة ليس هو الجامعة. حماية المؤسسة لا تكون بحماية موقع شخص فيها، بل بتعزيز موقعها هي، واحترام مجالسها الأكاديمية، وترسيخ الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص داخلها.
أي أولويات تستحقها الجامعة فعلاً؟
إذا كان المطلوب فعلًا حماية الجامعة، فأين الإصلاحات التي تمسّ مستقبلها مباشرة؟
- لماذا لم تُسنّ حتى اليوم قوانين تُنهي معاناة الأساتذة المتعاقدين؟
- أين حماية الأستاذ من الاستنسابية، واحترام الاختصاص، واللجان العلمية؟
- أين تطوير المناهج وربطها بحاجات سوق العمل؟
- أين الموازنات التي تُنقذ المختبرات العلمية من شحّها المزمن؟
- أين القوانين التي تحدّث الإدارة وتدفع بالتحول الرقمي والحوكمة الرشيدة؟
ويبقى السؤال المشروع: هل يخدم القانون 45، المتعلق بتمديد ولاية الرئيس، الطلاب وحقوقهم فيما البلاد تحت وطأة النزوح والحرب؟ هل يعمل هذا القانون على تفعيل الحياة الطالبية وإعادة حق الطلاب في مجالس منتخبة؟ أم يعيد لهم أموال الـPCR التي ما زالت عالقة؟
هذه هي الملفات التي تحتاجها الجامعة فعلًا، ولا يجوز اختزال مستقبل مؤسسة وطنية بأكملها بقانون لا يتناول شيئًا من ذلك، ولا يعالج سوى ولاية رئيسها.
من استسهل كسر العصا؟
ثمة أيضًا مسألة قانونية ومؤسساتية لا يمكن تجاوزها: تنص المادة 17 من القانون 75/1967 صراحة على دور مجلس الجامعة في إبداء الرأي في كل ما يتعلق بتعديل قانون تنظيمها والأنظمة المتممة له.
فإذا كان التعديل يمسّ مباشرة بنية إدارة الجامعة وولاية رئيسها، فلماذا لم يُنتظر تشكيل مجلس جامعة أصيل ليُستأنس برأيه في القانون 66 بأكمله، لا في مادة واحدة منه فقط؟ حين تُطرح أجوبة واضحة على هذا السؤال، سيُعرف جيدًا من استسهل فعلًا كسر العصا داخل الجامعة.
فاحترام المجالس الأكاديمية وموقف رابطة الأساتذة ليسا تفصيلًا شكليًا، بل جزء أصيل من احترام المؤسسة وآليات حوكمتها. وعليه، فإن طعن النواب هو بالتأكيد دفاع عنها وعن آلياتها وضماناتها المؤسساتية.
المعيار هو القانون
ومن هنا، لا بد من توجيه التحية إلى النواب الذين اختاروا الاحتكام إلى الدستور، وتقدّموا بالطعن دفاعًا عن مبدأ عام يتجاوز الأشخاص والولايات، وعن جامعة لبنانية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للتقاسم أو إلى مؤسسة تُفصّل قوانينها وفق مصلحة ظرفية.
وحماية الجامعة تبدأ من احترام قانونها ودستور البلاد، لا من اختراع استثناءات وتبريرات قانونية لتثبيت واقع محدد.
ويبقى التعويل على المجلس الدستوري، بوصفه المرجع المختص، لقول الكلمة الفصل ووضع حدّ لما بات يُطرح من تأويلات قانونية لا تنسجم مع أبسط قواعد التشريع الدستوري.




